كان إبليسُ فيلسوفاً مُجادلاً، وعالماً بالعلوم الإلهية مُطَّلعاً، قد أذهل الملأ الأعلى بعبقرية عقله، وأبهرهم بجمال نقله، حتى لُقِّب في حضرتهم بطاووس العابدين، وزُيِّن بتاج المعرفة واليقين. سبعين ألفَ عامٍ كما يروى في عبادةٍ وقيام، والملائكةُ من حوله في إجلالٍ واحترام، يستمعون لمحاضراته في المعرفة الإلهية، غافلين عن حقيقة نفسه الشقيّة. لكنَّ الله، العليمُ بالسرائر وما تخفي الضمائر، كان يعلم أن هذا المخلوق المزهوَّ بنفسه المتكبِّر، الذي يُنَظِّرُ في علوم الغيب ويُخبِّر، هو في حقيقة الأمر أقلُّ خلقه به معرفة، وأبعدهم عن ساحة رحمته. فميزان المعرفة الحق، ليس في زخرف القول وجمال النُّطق، بل في السلوك عند الأمر والنهي، وفي الثبات حين يتصادم الهوى مع الوحي، فهناك يُختبر القلب بالطاعة، وتُمتحن النفس بالخضوع والاستطاعة. وهنا كانت السقطة التي لا قيام بعدها، والنكبة التي لا نجاة من هولها.
أتاه الأمر الإلهي بالسجود لمن خُلق من طين، فثار كبرياؤه الدفين، ونسي جلال الآمر ذي الجبروت المتين، ورأى نفسه في عظمةٍ واستعلاء، والمأمور به في ضعةٍ ودناءة. فقال قولته النكراء، التي خلدها القرآن في استكبار وازدراء: «أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ». وجادل ربَّه كأنه نِدٌّ له في المقام، وخصيمٌ له في الحكم والكلام. فسقط مع أجهل الجاهلين، وهوى في دركات الخاسرين، ولم تنفعه فلسفته ولا علمه، ولا آلاف السنين من عبادته وعُجبه. إن شخصية إبليس اليوم لم تعد ذلك الكائن الغيبيَّ المحتجب، بل هي العقلانية المزهوة في الإنسان الحديث الذي بعقله أُعجِب. هي الكبرياء الفكري في فلسفة الغرب، والإرهاب الأيديولوجي في فكر المادة الذي أشعل الحرب. هي العنصرية عند بنى صهيون، ووهم الدم الأزرق في النازية الذي أورث الجنون. هي أسطورة الإنسان السوبرمان عند نيتشه، ووهم الطبقة المختارة عند البروليتاريا في غفلةٍ ودهشة.
كلها صورٌ لإبليس تتجدد، وأقنعةٌ للكبر تتعدد، تتغلف بأسماءٍ برّاقة، كالعلم والفكر والفلسفة في حُللٍ أنيقة. والعجيب أن الحيوان في بساطة فطرته، يعرف عن الحلال والحرام أكثر من هؤلاء وأرباب حضارته. فالقطة حين تسرق طعاماً تخفيه وتتوارى، لعلمها أنها ارتكبت خطأً وجلبت عاراً. أما الإنسان"المتحضر" فيقتل ويظلم باسم العقل والتكنولوجيا، ويرى في فعله تقدماً ورقياً. والفلاح البسيط الذي يطوف بالكعبة باكياً، عنده من معرفة الله ما يفوق دكتوراً في السوربون يُدرِّس الإلهيات وهو عن حقيقتها لاهياً. وها أنا ذا، العبد الفقير إلى مولاه، قد حشوت رأسي بمعارف شتى عن الله، ولكنني لا أشك طرفة عين، أن أمي البسيطة أو فلاحاً أمياً من أهل الدين، قد عرف الله أكثر مما عرفته أنا، لأنه كان أبر بالطاعة، وأقرب إلى التقوى منّي أنا. فالمعرفة الحقيقية ليست في كثرة الكتب والمجلدات، بل في خشية القلب وصدق الطاعات. ومن لم يطع ربه فما عرفه، ولو كتب في العلم النظريات وألّف المؤلفات.
لم يقل الله لنبيه وحبيبه ﷺ: إنك لعالمٌ عظيم الشأن، بل قال في محكم القرآن: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ». فالأنبياء لم يكونوا أنبياء بمعجزاتهم الخارقة، بل باستقامتهم وأخلاقهم السابقة. وما أكثر الذين يصنعون الخوارق اليوم وهم في صف الأبالسة، قد لبسوا على الناس بالعلوم الزائفة! إن معرفة الله ليست شهادةً تُعلَّق على الجدران، ولا لقباً يُطلق على اللسان، بل هي قلبٌ خاشعٌ وجل، وسلوكٌ مستقيمٌ في القول والعمل. ولهذا وصف الله يوم القيامة بقوله: «خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ»، لأنها ستخفض أقواماً ظنناهم في العلياء، وترفع آخرين كانوا في الحضيض من الأتقياء. فالعبرة ليست بالألقاب والمناصب، ولا بالجوائز والمكاسب، بل بالسلوك الصادق، والطاعة للخالق.إن العارفين حقاً هم أولئك البسطاء أهل الضمائر الحية، الذين إذا حضروا لم يُعرفوا في مجالس الدنيا الفانية، وإذا غابوا لم يُفتقدوا في ضجيج الحياة اللاهية، وإذا ماتوا بكت عليهم السماء والأرض، وشيعتهم الملائكة في رحلة العرض.
اللهم اجعلنا منهم برحمتك، وإن لم نكن أهلاً لذلك فاجعلنا من خدّامهم، نسير على خطاهم، ونقتفي أثرهم، طامعين في فتات موائدهم، وراجين شفاعتهم.
