رجوع إلى البحوث الحديث وعلوم السنة

حديثُ الخميس بين ثبوت الرواية وبطلان التوظيف المذهبي

الحديث وعلوم السنة٢٢ دقيقة للقراءة٣٬٦٨٩ كلمة

دراسة حديثية نقدية فيما يُسمّى «رزيّة الخميس»

تمهيد

من الأحاديث التي أُخرجت في القرون المتأخرة من سياقها الحديثي، وحُمِّلت من الدلالات العقدية والسياسية ما لا يحتمله لفظها ولا إسنادها، حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما في مرض النبي ﷺ، المعروف في بعض المصنفات والكتابات الجدلية باسم «حديث القرطاس» أو «رزية الخميس».

وقد تحوّل هذا الخبر عند بعض الكتابات الإمامية إلى أصلٍ في الطعن في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل وإلى دعوى أن النبي ﷺ أراد كتابة نصٍّ صريح في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن عمر حال دون ذلك. وهذا بالفعل تقرير ظاهر في عدد من المصادر الإمامية المعاصرة التي تصرح بأن الكتاب المراد كان لتأكيد خلافة علي رضي الله عنه.

غير أن المنهج الحديثي المحقق يوجب الفصل بين ثلاث قضايا متباينة: ثبوت أصل الخبر، وضبط ألفاظه ونسبة كل لفظ إلى قائله، ثم صحة الدلالة العقدية والسياسية المستنبطة منه.

ومن هنا ينبغي التنبيه ابتداءً إلى أن وصف الحديث نفسه بأنه مختلق أو مصنوع في الجدل السياسي غير سديد حديثيًا؛ فأصل الواقعة صحيح ثابت، رواه البخاري ومسلم من طرق صحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما. وإنما موضع النقد الحقيقي هو التفسير المذهبي المركب للرواية، والجمع غير المنهجي بين ألفاظ طرقها، ونسبة ما لم يُعيَّن قائله إلى عمر رضي الله عنه، ثم الجزم بأن الكتاب المراد كان نصًا على علي رضي الله عنه من غير دليل في الرواية نفسها.

وهذا التفريق هو الذي يجعل البحث دفاعًا عن السنة والصحابة معًا، لا دفاعًا عن أحدهما بإسقاط الآخر.

أولًا: أصل الحديث ثابت ولا مدخل للطعن في إسناده

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال:

«ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده».

فقال عمر رضي الله عنه: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. ثم وقع الاختلاف وكثر اللغط، فقال النبي ﷺ: «قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع».

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول متحسرًا: «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه». وهذه الرواية ثابتة في صحيح البخاري من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس.

وثبت من طريق آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله: «يوم الخميس وما يوم الخميس»، وفيه طلب الكتاب، ثم وقوع التنازع، وجاء فيه لفظ: «ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه»، ثم قال النبي ﷺ: «دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه»، وأوصى بثلاث وصايا.

فليس بين أيدينا خبر واهٍ حتى يقال: إنه وضعه المتأخرون، وإنما بين أيدينا حديث صحيح وقع الخلاف في فهمه ودلالته.

وهنا تظهر أهمية اصطلاح المحدثين: فلا يصح وصف ما يستشكله الباحث في متن الحديث بأنه «علة» بالمعنى الاصطلاحي إلا بعد ثبوت قادح حديثي خفي في السند أو المتن. أما الاعتراضات العقدية أو الدلالية فهي إشكالات في الفهم والتأويل، لا علل حديثية قادحة بمجردها.

ثانيًا: أخطر خطأ منهجي: تركيب روايتين ونسبة «الهجر» إلى عمر

هذه من أهم نقاط التحقيق في المسألة.

فالطريق الذي سمّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه نقل عنه قوله:

«إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله».

ولم ينقل هذا الطريق عن عمر لفظ «هجر» ولا «يهجر» ولا «أهجر».

أما الطريق الآخر الذي ورد فيه:

«ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه»

فإن قائله جاء بصيغة الجمع: «فقالوا»، ولم يسمَّ عمر رضي الله عنه قائلًا لهذه الكلمة.

وهذه قاعدة أولية في جمع طرق الحديث: لا يجوز أخذ اسم القائل من إسناد، وأخذ لفظ من إسناد آخر لم يسمِّ قائله، ثم تركيب رواية ثالثة لم يروها أحد، فيقال: قال عمر للنبي ﷺ: هجر.

فهذا ليس جمعًا بين الروايات، بل إنشاء لرواية مركبة.

وقد جاءت بعض طرق الباب بألفاظ مختلفة في مادة «هجر»، لكن ذلك لا يغير هذه الحقيقة الحديثية: الطريق الذي عيّن عمر لم ينسب إليه هذا اللفظ، والطريق الذي جاء فيه لفظ الهجر لم يعيّن عمر قائلًا له.

ومن ثَمَّ فسقوط دعوى: «إن عمر قال للنبي ﷺ: إنك تهجر» سقوطٌ حديثي قبل أن يكون مذهبيًا.

والكتابات التي تعرض الحديث وكأن الصحيحين نصّا نصًا صريحًا على أن عمر هو القائل بلفظ «الهجر» تتجاوز هذه الفروق الدقيقة بين طرق الحديث. ومن نماذج القراءة المقابلة المعاصرة التصريح بأن المجموعة التي يقودها عمر هي التي نسبت إلى النبي ﷺ الهذيان، وهو استنتاج زائد على ألفاظ الطرق الصحيحة نفسها.

ثالثًا: ماذا يعني لفظ «أهجر؟»

جاء في بعض الروايات:

«ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه».

وصيغة «أهجر؟» تحتمل الاستفهام، بل السياق نفسه يقويه بلفظ: «استفهموه».

والمعنى: أبلغ به الوجع مبلغًا يُخشى معه تغير الكلام؟ فاسألوه وتثبتوا من مراده.

وهذا يختلف اختلافًا بيّنًا عن جملة تقريرية جازمة من جنس: «إن رسول الله يهذي».

كما أن اللفظ لم يُنسب إلى عمر بعينه كما تقدم.

وقد جاء عن سفيان تفسير مادة الهجر بالهذيان، إلا أن تفسير معنى الكلمة شيء، وتعيين من قالها شيء آخر، وتحويل الاستفهام الوارد في بعض الروايات إلى عقيدة جازمة في النبي ﷺ شيء ثالث.

ومن الخطأ المنهجي الخلط بين هذه المستويات.

والأصل المقطوع به عند المسلمين أن النبي ﷺ معصوم في تبليغ الوحي والرسالة، وأن مرضه البشري لا يقدح في عصمته في البلاغ. فالقراءة التي تجعل الصحابة متيقنين أن كلامه في الدين صار هذيانًا قراءة لا يقتضيها الحديث، بل يعارضها مجموع سيرتهم معه ﷺ.

رابعًا: قول عمر «غلبه الوجع» ليس اتهامًا للنبي ﷺ

قوله رضي الله عنه:

«إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع»

إخبار عن أمر محسوس ثابت؛ فقد كان النبي ﷺ في مرض شديد.

ولم يقل عمر: إنه فقد عقله، ولا إنه لا يدري ما يقول، ولا إن كلامه غير معتبر.

وإنما رأى ـ باجتهاده ـ أن المرض قد اشتد برسول الله ﷺ، وأن إملاء الكتاب أو الاشتغال به سيزيد عليه المشقة، وأن أصول الهداية قد بلغت الأمة.

ولهذا فهم شراح الحديث من أهل السنة موقف عمر في سياق الشفقة على النبي ﷺ والاجتهاد في فهم مراده، لا في سياق رد أمره أو الاعتراض على نبوته. وقد نقل النووي في شرحه للحديث أن العلماء الذين تكلموا فيه من شراح أهل السنة عدّوا موقف عمر من دلائل فقهه ودقة نظره، وذكروا أنه أراد التخفيف عن النبي ﷺ مع علمه بكمال الدين.

وهذا المعنى هو الذي يفسر عبارة «حسبنا كتاب الله» تفسيرًا منسجمًا مع حياة عمر كلها، بدل تحويلها إلى شعار لإنكار السنة.

خامسًا: «حسبنا كتاب الله» لا تعني رفض السنة

من أبعد التأويلات أن يقال: إن عمر رضي الله عنه كان يريد الاستغناء بالقرآن عن سنة رسول الله ﷺ.

فالمخاطَب في قوله «عندكم كتاب الله» هم الحاضرون في موقف مخصوص، والحديث عن الحاجة إلى وثيقة إضافية في تلك اللحظة، لا عن مصدرية السنة وحجيتها.

فمعنى كلامه على هذا التفسير: قد بلغنا رسول الله ﷺ الدين، وعندنا كتاب الله، فلا ينبغي أن نشق عليه في حال مرضه بكتابة هذه الوثيقة.

وليس معناه: لا حاجة إلى سنة رسول الله ﷺ أصلًا.

ولهذا فإن حمل هذه الجملة الظرفية على مذهب «القرآن وحده» إسقاط لفكرة حديثة على سياق لم يكن يتناول هذه المسألة أصلًا.

وقد نص شراح الحديث على هذا المعنى، وأن قول عمر لا يراد به الاستغناء عن السنة، وإنما كان اجتهادًا في خصوص الكتاب المطلوب يومئذ.

سادسًا: هل كان أمر النبي ﷺ بالكتابة أمرًا واجبًا؟

هنا موضع دقيق.

لو كان ما أراد النبي ﷺ كتابته وحيًا واجب التبليغ، أو أصلًا من أصول الدين لا تتم الرسالة بدونه، أو نصًا إلهيًا لا يجوز للأمة أن تجهله، لما جاز في حق النبي ﷺ أن يترك تبليغه لمجرد اختلاف من حضر.

فالرسول ﷺ مأمور بالبلاغ، وقد أدى الأمانة وبلغ الرسالة.

وقد وقع النزاع يوم الخميس، ثم بقي النبي ﷺ بعد الواقعة، وأوصى وصايا، وتكلم مع أصحابه، ولم يعد إلى المطالبة بتلك الصحيفة على وجه الإلزام.

بل جاء في الطريق الآخر قوله ﷺ:

«دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه»،

ثم أملى جملة من الوصايا.

وهذا من أقوى القرائن على أن الكتابة لم تكن تبليغًا لأصل عقدي لم يبلغه من قبل.

فالذي فات الأمة ـ بحسب تحسر ابن عباس ـ هو زيادة توثيق وبيان ورفع لبعض موارد الاختلاف، لا أصل من أصول الدين بقي مكتومًا.

ومن هنا يظهر معنى قول ابن عباس: «الرزية كل الرزية». فهي حسرة الصحابي على فوات مصلحة عظيمة، ولا يلزم منها أن الشريعة صارت ناقصة، أو أن الرسالة لم تُبلَّغ، أو أن ركنًا من أركان الدين قد ضاع.

سابعًا: آية إكمال الدين لا ترد الحديث، بل تضبط فهمه

قال الله تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

وقد يُقال: كيف يريد النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية أن يكتب كتابًا يمنع الأمة من الضلال؟

والجواب: لا تعارض أصلًا.

فكمال الدين لا يعني امتناع النبي ﷺ بعد نزول الآية من تذكير الأمة، أو تأكيد الأحكام، أو جمع المتفرق، أو كتابة وصية، أو بيان ما سبق تبليغه.

ولهذا فإن الاستدلال بآية الإكمال على تكذيب الحديث غير صحيح.

لكن الآية حجة قوية على معنى آخر، وهو أن الكتاب الذي لم يكتب لا يجوز أن يُتصور أصلًا دينيًا جوهريًا لم يسبق تبليغه؛ وإلا لزم أن يكون الدين المعلن كماله متوقفًا على كلام لم يصل إلى الأمة.

وبذلك يجتمع القرآن والحديث بلا تعارض:

الدين قد كمل.

والنبي ﷺ أراد كتابة شيء فيه زيادة تأكيد وهداية ورفع للخلاف.

فلما وقع النزاع ترك الكتابة.

ولم يضع بتركها أصل من أصول الإسلام.

وهذا أدق وأقوى علميًا من رد الخبر الصحيح بدعوى مخالفته لآية الإكمال.

ثامنًا: الرواية لا تقول إن النبي ﷺ أراد النص على علي رضي الله عنه

وهذه هي العقدة الأساسية في التوظيف المذهبي للحديث.

فليس في شيء من ألفاظ الحديث الصحيح:

«أريد أن أكتب لعلي بالخلافة».

ولا:

«أريد أن أنص على إمامته».

ولا حتى ذكر لعلي رضي الله عنه في موضوع الكتاب أصلًا.

فالانتقال من:

«أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده»

إلى:

«كان سيكتب أن عليًا هو الخليفة»

انتقال من النص إلى التخمين.

وقد صرحت بعض المصادر الإمامية المعاصرة بأن مراده ﷺ كان تثبيت خلافة علي رضي الله عنه، لكنها إنما تقرر ذلك اعتمادًا على منظومتها العقدية السابقة في الإمامة، لا لأن حديث ابن عباس نفسه نص عليه.

وهنا يقع الدور الاستدلالي:

تُفترض إمامة علي ابتداءً.

ثم يُفسَّر الكتاب المجهول بأنه كتاب إمامته.

ثم يُجعل الحديث دليلًا على الإمامة التي استُعملت أصلًا لتفسيره!

وهذا ليس استدلالًا مستقلًا.

تاسعًا: إذا كان الكتاب متعلقًا بالخلافة فحديث عائشة يدل على أبي بكر لا على علي

جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لها في مرضه:

«ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر».

وهو حديث صحيح صريح في أن النبي ﷺ فكر فعلًا في كتابة كتاب يتعلق بأمر أبي بكر.

ومن ثم فإن قيل: لعل الكتاب يوم الخميس كان متعلقًا بالخلافة، قيل:

هذا احتمال في نفسه.

لكن النص الصحيح الآخر الذي كشف لنا عن كتاب همَّ النبي ﷺ بكتابته في مرضه سمّى أبا بكر لا عليًا.

ولهذا استأنس جماعة من الشراح بهذا الحديث في تفسير الكتاب الذي أراد النبي ﷺ كتابته يوم الخميس.

ولا يلزم من ذلك القطع بأن الكتابين شيء واحد؛ ولكن يلزم منه أمر مهم جدًا:

الجزم بأن كتاب الخميس كان نصًا لعلي رضي الله عنه جزم بلا دليل، بل توجد قرينة صحيحة في الاتجاه المقابل.

عاشرًا: شهادة علي رضي الله عنه نفسه تنقض دعوى «النص المكتوم»

روى البخاري عن أبي جحيفة أنه سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

هل عندكم كتاب؟

فقال علي رضي الله عنه: ليس عندهم شيء مخصوص سوى كتاب الله، وما يفتحه الله من فهم، وصحيفة فيها بعض الأحكام كالعقل وفكاك الأسير ونحو ذلك.

وهذا الحديث شديد الأهمية.

فلو كان عند أهل البيت نص نبوي خاص في أصل الإمامة، أو وصية دينية مكتومة لا يعرفها سائر المسلمين، لكان هذا الموطن من أظهر المواطن التي يبين فيها علي رضي الله عنه ذلك.

لكنه نفى وجود كتاب ديني سري مخصوص.

ومن هنا يتبين أن تحويل «الكتاب الذي لم يكتب» إلى وثيقة عقدية معلومة المحتوى في إمامة علي لا يسنده كلام علي نفسه.

حادي عشر: لماذا لم يُعِد النبي ﷺ طلب الكتاب؟

هذا سؤال مركزي ينبغي ألا يتجاوزه البحث.

إذا افترضنا أن النبي ﷺ كان يريد تبليغ نص إلهي لازم في إمامة شخص معين، وأن بعض من في البيت حالوا دونه، فلماذا لم يكتبه بعد ذهابهم؟

ولماذا لم يُملِه على علي؟

أو العباس؟

أو عائشة؟

أو أبي بكر؟

أو أي كاتب من كتبة الوحي؟

ولماذا لم يعلن مضمونه شفهيًا؟

إن القول بأن مجرد اللغط استطاع أن يُسقط عن الرسول ﷺ تبليغ أصل عقدي لازم يصطدم بمقام الرسالة نفسه.

أما التفسير المنسجم مع مجموع النصوص فهو أن الأمر لم يكن بلاغًا مبتدأً لأصل من أصول الدين، ولذلك لما رأى ﷺ ما حصل من الاختلاف أعرض عن الكتابة.

وقد استدل شراح الحديث ببقائه ﷺ بعد الواقعة وعدم إعادة طلب الكتاب على أن الكتابة لم تكن فرضًا متعينًا لا يجوز تركه.

وهذا الاستدلال في غاية القوة.

ثاني عشر: هل في الحديث إساءة إلى الصحابة؟

ينبغي هنا التحرر من إفراطين متقابلين.

ليس صحيحًا أن ثبوت اختلاف الصحابة في مجلس النبي ﷺ يقتضي الطعن في عدالتهم.

وليس صحيحًا كذلك أن الدفاع عن الصحابة يقتضي إنكار وقوع كل اختلاف أو خطأ منهم.

فالصحابة رضي الله عنهم عدول، وليسوا معصومين.

وقد تقرر في المادة العلمية المرفقة نفسها أن معنى عدالة الصحابة ليس براءتهم من كل خطأ أو سهو أو ذنب، وأن العصمة لم يقل بها العلماء لأفراد الصحابة.

فقد يقع منهم الاجتهاد، وقد يختلفون، وقد يعلو النقاش، ثم يبقون خير القرون وأصدق هذه الأمة إيمانًا ونصرة لنبيها ﷺ.

والحديث نفسه لا يقول إنهم اجتمعوا على رد أمر رسول الله ﷺ.

بل صرح بأنهم اختلفوا:

فمنهم من أراد تقريب الكتاب.

ومنهم من وافق ما قال عمر.

فلما صار الاختلاف نفسه مؤذيًا في حضرته ﷺ أمرهم بالقيام.

فالذم في السياق متوجه إلى استمرار التنازع واللغط في ذلك المقام، لا إلى وصف جيل الصحابة بالخيانة أو التآمر على الرسالة.

ثالث عشر: «الرزية» كلام ابن عباس لا حكم نبوي على عمر

من التدليس الدلالي تصوير عبارة:

«إن الرزية كل الرزية…»

وكأن النبي ﷺ سمّى فعل عمر رزية.

والواقع أن المتكلم هو ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يتحسر على فوات الكتاب.

وهذا اجتهاد منه رضي الله عنه في تقدير المصلحة التي فاتت.

وقد رأى عمر ومن وافقه مصلحة أخرى، وهي التخفيف عن رسول الله ﷺ وعدم زيادة مشقته.

فكان الصحابة أمام اجتهادين في كيفية التعامل مع طلب وقع في حالة شديدة الخصوصية.

ولا يلزم من كون ابن عباس رأى فوات الكتاب رزية أن يكون عمر قد ارتكب معصية، فضلًا عن أن يكون قصد منع النص على علي أو الانقلاب على الرسالة.

فالانتقال من تحسر ابن عباس إلى اتهام عمر بالمؤامرة قفزة لا يحملها النص.

رابع عشر: هل كان موقف عمر مخالفةً صريحة لأمر النبي ﷺ؟

لو فهم عمر الأمر على أنه تكليف جازم واجب التنفيذ لما جاز له مخالفته.

لكن الذي يظهر من موقفه أنه فهم أن الطلب ليس من الأوامر التعبدية المحتومة، بل مما يقبل النظر في الحال والمصلحة.

وهذا يفسر وقوع الصحابة أنفسهم في الاختلاف في فهمه.

والقرينة الأقوى أن النبي ﷺ لم يقل بعد كلام عمر: «عصيت أمري».

ولم يأمر بإحضار الصحيفة مرة أخرى أمرًا جازمًا.

ولم يذم عمر باسمه.

بل لما ارتفع التنازع قال:

«قوموا عني».

ثم أعرض عن أصل الكتابة.

ولهذا حمل شراح الحديث موقف عمر على الاجتهاد، وعدّه النووي وغيره من دلائل فقهه ودقة نظره.

فمن الظلم للنص أن يُقرأ كلام عمر وكأنه يقول للنبي ﷺ: لا نطيعك.

والذي قاله حقيقة:

اشتد عليك الوجع، وعندنا ما بلغتنا من كتاب الله ودين الله، فلا نشق عليك.

خامس عشر: الشورى وقضية الخلافة

قال تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].

والشورى أصل قرآني في تدبير شؤون الجماعة المسلمة.

غير أن الاستدلال بهذه الآية وحدها على نفي كل صورة من صور العهد أو الترشيح لا يخلو من توسع؛ ولذلك فالأقوى في مناقشة «رزية الخميس» ألا نجعل القضية متوقفة على هذه الآية.

الحجة الحديثية المباشرة أقوى:

حديث الخميس لم يسمِّ عليًا.

وعلي رضي الله عنه نفى وجود كتاب سري خاص.

وثبت أن النبي ﷺ همَّ بكتاب في شأن أبي بكر.

والنبي ﷺ لم يعد إلى كتابة الوثيقة بعد انفضاض المجلس.

فدعوى النص المفقود على علي تظل افتراضًا مذهبيًا لا دلالة للحديث عليه.

سادس عشر: هل يصح القول إن الرواية «صُنعت في الجدل المذهبي»؟

الصواب: لا.

وهذه العبارة ينبغي حذفها من المقالة العلمية.

فالرواية ثابتة في دواوين الحديث بأسانيد صحيحة، ولا توجد علة حديثية معتبرة تسوغ الحكم بوضع أصل الواقعة.

ولكن الذي يمكن وصفه بأنه نشأ وتضخم داخل الجدل المذهبي هو التفسير الذي جعل الكتاب نصًا على إمامة علي، ونسب لفظ «الهجر» إلى عمر تحديدًا، وصور الواقعة مؤامرة مسبقة لإسقاط الخلافة عن أهل البيت.

وهذا فارق كبير.

فالمحدث لا ينصر مذهبه برد صحيح البخاري ومسلم لمجرد أن الخصم استدل به.

بل يقول:

الخبر صحيح، واستدلالكم به باطل.

وهذا أقوى وأرسخ وأبعد عن الاضطراب المنهجي.

سابع عشر: قراءة نقدية للدعوى الإمامية

يمكن تلخيص البناء الجدلي في بعض الكتابات الإمامية على النحو الآتي:

إن النبي ﷺ أراد كتابة وصيته الأخيرة.

وإن هذه الوصية كانت في خلافة علي.

وإن عمر علم بذلك.

وإنه لذلك منع الكتابة.

وإنه نسب النبي ﷺ إلى الهجر.

وإن منع الكتاب هو أصل ما وقع بعد ذلك من الانحراف في أمر الإمامة.

غير أن كل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى دليل مستقل.

أما أن النبي ﷺ أراد الكتابة: فثابت.

وأما أن الكتاب كان لعلي: فغير ثابت.

وأما أن عمر علم أنه لعلي: فلا دليل عليه.

وأما أن عمر قال «هجر»: فلم تثبت نسبته إليه في الطريق الذي سماه.

وأما أنه قصد منع إمامة علي: فلا لفظ في الرواية يدل عليه.

فإذا سقطت هذه المقدمات لم يبق من الاستدلال إلا إسقاط النظرية العقدية السابقة على نص يحتمل وجوهًا متعددة.

وقد عرضت مصادر إمامية معاصرة هذه الحادثة صراحة باعتبارها محاولة من النبي ﷺ لإعادة تأكيد استخلاف علي، وهو ما يبين أن الخلاف ليس في ثبوت خبر الخميس بقدر ما هو في تفسير مضمونه المفقود.

ثامن عشر: تنبيه حول النقل عن «كشف الأسرار»

اشتهر في بعض الكتب الناقدة للإمامية نقل عبارات شديدة منسوبة إلى الخميني في كشف الأسرار حول هذه الواقعة، ومنها نسبة «الهجر» صراحة إلى عمر ثم بناء أحكام عقدية شديدة على ذلك.

وقد نُقلت هذه العبارات في بعض الدراسات التي تناولت حديث الخميس.

إلا أن الأمانة العلمية تقتضي التنبيه إلى أن سلامة بعض الترجمات العربية المتداولة للكتاب محل نزاع، وقد اعترضت جهات شيعية على ترجمة عربية اشتهرت له وعدّتها غير أمينة.

ولهذا لا حاجة أصلًا إلى تعليق البرهان على صحة تلك الترجمة أو بطلانها؛ لأن القراءة الإمامية نفسها التي تربط حديث الخميس بإمامة علي ثابتة في مصادر إمامية أخرى صريحة لا يتوقف البحث على كشف الأسرار وحده.

وهذا أدق في البحث الأكاديمي وأبعد عن الاحتجاج بما قد ينازع الخصم في صحة نسبته.

تاسع عشر: الحديث من مناقب عمر أم من مطاعنه؟

أما جعله مطعنًا في عمر رضي الله عنه، فلا يستقيم بعد جمع طرقه.

فعمر لم ينسب النبي ﷺ إلى الهذيان في الطريق الذي سماه.

ولم ينكر حجية السنة.

ولم يقل: لن ننفذ أمر رسول الله.

ولم يذكر عليًا ولا خلافته.

وإنما رأى رسول الله ﷺ شديد الوجع، فقال ما مؤداه: قد بلغنا الدين وعندنا كتاب الله فلا نشق عليه.

وقد وافقه جماعة من الصحابة.

ثم لم يُلزمهم النبي ﷺ بالكتابة بعد ذلك.

ولهذا رأى جماعة من أئمة الشرح أن موقفه يكشف عن فقه ودقة نظر وشفقة برسول الله ﷺ، لا عن جرأة عليه.

ومن هذه الجهة يصح ما قرره العلماء من عدِّ الواقعة في مناقب عمر رضي الله عنه من حيث قوة الاجتهاد والنظر في المصلحة، لا في مثالبه.

ومع ذلك فالمسلك العلمي الأدق ألا نجعل فضيلة عمر متوقفة على تخطئة ابن عباس؛ فكلاهما قصد الخير.

ابن عباس رأى في الكتاب زيادة هدى ورفع خلاف، فتحسر على فواته.

وعمر رأى التخفيف عن النبي ﷺ، وأن أصول الدين قد استقرت.

واجتهاد الصحابة في مثل ذلك لا يحول أحدهم إلى عدو للرسالة.

الخاتمة

يتبين من الدراسة الحديثية الجامعة لطرق حديث الخميس أن الواقعة ثابتة صحيحة، ولكن الاستدلال الطائفي بها غير صحيح.

فلا وجه لرد الحديث بدعوى مخالفته لآية إكمال الدين؛ لأن الكتاب المراد يمكن أن يكون توكيدًا وبيانًا ورفعًا للخلاف فيما سبق تبليغه، لا تشريعًا لأصل ديني جديد.

ولا يصح كذلك الزعم بأن عمر رضي الله عنه قال للنبي ﷺ: «إنك تهجر»؛ لأن الرواية التي سمته لم تنقل عنه هذا اللفظ، والرواية التي جاءت بمادة «الهجر» لم تعين عمر قائلًا لها، وجاء بعض ألفاظها بصيغة الاستفهام: «أهجر؟ استفهموه».

ولا يدل الحديث بحال على أن النبي ﷺ أراد النص على خلافة علي رضي الله عنه؛ إذ ليس في ألفاظه ذكر لعلي أو الإمامة، بينما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ همَّ في مرضه بكتابة كتاب يتعلق بأبي بكر رضي الله عنه، وثبت عن علي نفسه نفي وجود كتاب ديني خاص عند أهل البيت سوى الصحيفة المعروفة.

كما أن بقاء النبي ﷺ بعد الواقعة وعدم عودته إلى طلب الكتاب على وجه الإلزام برهان قوي على أن ما لم يكتب لم يكن أصلًا من أصول الرسالة يتوقف عليه كمال الدين أو صحة إيمان الأمة.

أما قول ابن عباس: «الرزية كل الرزية»، فهو تعبير عن حزنه على فوات مصلحة الكتابة وزيادة البيان، وليس حكمًا نبويًا على عمر، ولا نصًا على خيانته، ولا دليلًا على مؤامرة سياسية.

وعليه فإن الخطأ ليس في رواية حديث الخميس، وإنما في صناعة «رواية مذهبية» جديدة من أجزاء متفرقة من طرقه، ثم ملء المسكوت عنه بافتراضات عقدية لم يقلها ابن عباس ولا عمر ولا النبي ﷺ.

والمنهج الصحيح ليس أن ننكر ما صح من سنة رسول الله ﷺ دفاعًا عن أصحابه، ولا أن نجعل ما صح من السنة مطية للطعن في أصحابه؛ بل نجمع الروايات، ونرد المتشابه إلى المحكم، وننسب كل لفظ إلى قائله، ونقف حيث وقف الدليل.

والخلاصة: أن حديث الخميس لا حجة فيه لمن أراد إثبات نص مفقود على إمامة علي رضي الله عنه، ولا يصح اتخاذه مطعنًا في عمر رضي الله عنه؛ بل ما صدر من عمر محمول عند أئمة الشرح على الاجتهاد والشفقة ودقة النظر، وهو من هذه الجهة من مناقبه رضي الله عنه.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين، وصحابته أجمعين.

المصادر والمراجع

صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، حديث ابن عباس في طلب الكتاب؛ وكتاب المرضى، باب قول المريض: قوموا عني؛ وكتاب الاعتصام، باب كراهية الخلاف. وقد وردت الرواية في البخاري بأكثر من موضع ولفظ.

صحيح مسلم، كتاب الوصية، حديث ابن عباس رقم (١٦٣٧)، وفيه طرق حديث الخميس وألفاظه.

صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث عائشة رضي الله عنها في قوله ﷺ: «ادعي لي أبا بكر»، رقم (٢٣٨٧).

صحيح البخاري، حديث أبي جحيفة عن علي رضي الله عنه في نفي وجود كتاب خاص عندهم، رقم (١١١).

ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مواضع شرح حديث كتابة العلم، وحديث مرض النبي ﷺ، وباب كراهية الخلاف؛ وينظر خصوصًا المواضع المشار إليها في مادة البحث: (١/٢٠٨-٢٠٩)، و(٨/١٣٣-١٣٤) بحسب اختلاف الطبعات.

النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، في شرح حديث ابن عباس؛ وقد ذكر وجوه العلماء في مراد الكتاب وتوجيه موقف عمر رضي الله عنه.

القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، في شرح حديث الوصية، ومنه الموضع المشار إليه: (٥/٣٧٩).

ابن بطال، شرح صحيح البخاري، في أبواب كتابة العلم والمرض؛ والنووي، شرح مسلم؛ وابن حجر، فتح الباري؛ والسيوطي، التوشيح شرح الجامع الصحيح، في مجموع توجيهات حديث الخميس.

وفي عرض القراءة الإمامية المعاصرة للواقعة ينظر إلى المصادر التي تصرح بربط الكتاب بخلافة علي رضي الله عنه، مع التفريق بين مجرد ثبوت الواقعة وبين تفسير المحتوى الذي لم يُكتب.

شارك المقالة

Scroll to Top