يعيش الوعي التاريخي في كثير من منابرنا وأروقتنا الدعوية أزمة منهجية صامتة، تتجلى في استبدال «التحقيق الصارم» بـ «التأثير العاطفي». لقد دَرَجت فئة من الوعّاظ والخطباء على تسييل التاريخ، وتجريده من سياقاته السياسية والاجتماعية المعقدة، ليغدو مجرد «قصص وعظية» وحكايات درامية مستنسخة من مجالس الحكواتية القدامى؛ حيث يُختزل المشهد البشري المركّب في ثنائية مانوية حادة: ملاكٌ طاهر لا يأتيه الباطل، وشيطانٌ رجيم خُلِق للشر المحض. ولعل محنة الحجاج بن يوسف الثقفي مع الإمام التابعي سعيد بن جبير رحمه الله، تمثل النموذج الأبرز لجناية الخيال الأدبي والمسلك الوعظي على موازين التحقيق ونقد الروايات.
سلطة القصاصين وهيمنة النص المسرحي المعاصر
فحين يرتقي خطيبٌ اليوم المنبر ليروي مشهد مقتل سعيد بن جبير، فإنه لا يستحضر غالباً علل الأسانيد ولا تواريخ الطبقات، بل يستدعي نصاً مسرحياً أدبياً شاع في القرن المنصرم.
لقد كان للشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله دورٌ مشهود حين صاغ مسرحيته الذائعة «عالم وطاغية» في ستينيات القرن الماضي؛ فألبس الواقعة التاريخية عباءة الصراع السياسي المعاصر بين الحركة الإسلامية والأنظمة الشمولية. أُريد للحجاج أن يكون قالباً لكل مستبد معاصر، ولسعيد أن يغدو رمزاً لكل مفكر معتقل، فخرجت الواقعة من سياقها القرشي الأموي لتتحول إلى أيديولوجيا مستهلكة. وليست المشكلة في أن يصنع الأديب عملاً تمثيلياً يخدم فكرته، بل الجناية كل الجناية أن يتعامل الوعاظ والمشايخ مع النص الأدبي والقصصي كأنه وثيقة إسنادية معصومة، متناسين واجب التحري والتثبت.
محاكمة الرواية في ميزان الجرح والتعديل
فإذا عُرضت القصة الشائعة على قواعد المحدثين الصارمة، ظهر التباين البيّن بين ما ثبت في بطون الكتب المسندة وما أُقحم عليها من زخرف القصاص: نعم أصل المقتل: ثابت تاريخياً وحديثياً؛ فقد قُتل سعيد بن جبير صبراً بيد الحجاج في واسط سنة 95 هـ، بعد تواريه إثر هزيمة ثورة ابن الأشعث، وثبت عنه قوله عند القتل: «اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي»، كما أخرجه الإمام أحمد في الزهد بسند صحيح. أما المناظرة المسجوعة («شقي بن كسير»): فمدارها في حلية الأولياء لأبي نعيم وتاريخ دمشق لابن عساكر على طريق أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن عطية بن قيس. وأبو بكر هذا ضعيف متروك الحديث اختلط بعد سرقة بيته، وعطية تابعي شامي لم يشهد مجلس الحجاج ولا مقتل سعيد بواسط، فالرواية مرسلة منقطعة، ومتنها ينضح بنكارة السجع المتكلف الذي يناسب مناظرات المتكلمين المتأخرة لا بلاغة الصدر الأول ولغة القضاء الأموي الصارمة.
ناهيك عن خوارق الدم وخنق المنامات: فمثلا دعوى فوران الدم وعمومه للمكان، أو قيام روح سعيد بخنق الحجاج في نومه كل ليلة، هي من مراسيل الإخباريين المتروكين كالهيثم بن عدي والكلبي. والحقيقة التاريخية والطبية أن الحجاج أُصيب بداء في جوفه (الأكلة/سرطان المعدة) وتوفي بعد سعيد بنحو أربعين يوماً مضطرباً معتلاً، فركّب القصاصون بين مرضه العضوي الطبيعي ونهايته المحتومة ليصنعوا كرامة خيالية تُلهب مشاعر السامعين.
السياق التاريخي: الفتنة والدولة وجناية التدوين العباسي
نعم إن قراءة الحادثة بمعزل عن «فتنة ابن الأشعث» جهلٌ فادح بالسياسة الشرعية وحقائق الاجتماع البشري. فسعيد بن جبير — على جلالة قدره وإمامته في التفسير والفقه — انخرط في ثورة مسلحة شقت عصا الطاعة، وأراقت دماء عشرات الآلاف من المسلمين في «دير الجماجم» لخلع عبد الملك بن مروان. وهو مسلكٌ اجتهادي عارضه أكابر الصحابة والتابعين كابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهما والحسن البصري وابن سيرين رحمهما الله تعالى ، الذين رأوا في الخروج بالسيف مفاسد تربو على مفسدة جور السلطان. ولم يُقتل سعيد لأنه يُفتي أو يُفسر القرآن، بل حُكم عليه كقائد ومحرض في تمرد عسكري كاد يعصف بوحدة الأمة.
كان رجل دولة كُلّف بإرساء الأمن في زمن التمزق، وقامت على يديه مآثر لا يجوز طمسها: من نقط المصحف الشريف وضبطه، إلى تعريب الدواوين وصك العملة، وقيادة فتوحات السند وما وراء النهر التي وسعت رقعة الإسلام حتى أطراف الصين. وقد تضاعف تشويه هذه الشخصيات لأن حركة التدوين التاريخي الكبرى نبتت في كنف العباسيين، وكان من أبجديات تثبيت شرعيتهم إسقاط هيبة البيت الأموي ورجاله، فجُعل الحجاج كبش فداء لكل مظالم بني أمية، ورُكّز على قسوته بينما أُسدل الستار على سائر إنجازاته.
دعوة إلى أهل المنابر: اخرجوا من عباءة الحكواتية
إن المنبر أمانة، والتاريخ وعاء العبرة، ولا يليق بمن يحمل ميراث النبوة أن يتسوّل التأثير بالغرائب والمناكير. إن الواجب على الوعاظ والمشايخ الكرام: التسلح بأدوات النقد الحديثي والتاريخي، وعدم الاعتماد على كتب الأدب والنوادر والمسرحيات المعاصرة كمصادر للأحكام العقدية والتاريخية. إدراك طبائع الدول وحتميات الصراع السياسي، والتمييز بين المعارضة الدينية والتمرد العسكري المسلح.
الكفّ عن تصوير تاريخ الإسلام كمسرح من الخرافات؛ فدين الله غني عن الروايات المكذوبة، وحقائق التاريخ أرسخ من أن تُبنى على مذهب الحكواتية والقصاصين. إن إنصاف رجال التاريخ — بمحاسنهم وسيئاتهم — هو عين الميزان الرباني الذي ارتضاه الله لنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
