الحمدُ للهِ الذي جعلَ منابرَ الدينِ معالمَ للهدى، وحصوناً تدفعُ عن العقولِ جيوشَ الردى، أحمدهُ سبحانه أن رفعَ قدرَ العلمِ وأهلِه، ووضعَ الجهلَ ومَن جهلَه. والصلاةُ والسلامُ على مَن أوتيَ جوامعَ الكَلِم، المبعوثِ رحمةً للعربِ والعجم، وعلى آلهِ وصحبِهِ الذين حفظوا السُننَ من الزلل، وصانوا الآثارَ عن الخلل. أما بعدُ؛ فيا أيها الناظرُ في أحوالِ الزمان، والمتأملُ في تقلباتِ الأذهان، ليت شعري كيف هانت على بعض الخطباءِ أمانةُ التبليغ، فمالوا إلى الزخرفِ والتزويق! لقد غدا الخطيبُ في زماننا على منبرهِ كحاطبِ ليلٍ، وجارفِ سيل؛ يجمعُ الحطبَ ولا يدري ما فيه من الأفاعي، ويصيحُ بالغرائبِ لا يبالي مَن الداعي. لا يتوثقُ مما يرويه، ولا يتدبرُ ما يفوهُ به ويحكيه. همُّهُ استجلابُ العبرات، ولو باختلاق الخرافات، وجمعُ العوامِ على صوته، ولو كان بالباطلِ قبل موته.
داءُ الولعِ بالغريبِ والمثير
وقد بُلينا في أعصارنا المتأخرة، بخطباءَ جعلوا جُلَّ بضاعتهم الحكاياتِ المبتكرة، والأخبارَ المنكرة. يطيرون بكل شاردةٍ وواردة، وينساقون خلف كل قصةٍ فاسدة. إن سمعوا بغريبٍ طاروا به فرحاً، وإن ظفروا بعجيبٍ جعلوا منه صرحاً، يزعمون أنهم يرققون القلوب، وهم في الحقيقة يملؤونها بالندوب، ويبنون الإيمان على أوهامٍ تذوب. لقد نسوا أو تناسوا قول المصطفى ﷺ وهو يقرع الأسماع، محذراً من هذا المسلك الوعر، ومُتوعّداً صاحبه بالشر: "كفى بالمرءِ كذباً أن يحدِّثَ بكلِّ ما سمع" [رواه مسلم]. فكيف بمن يحدِّث بما لم يثبت، ويخطب بما لم يصح؟! وكيف يرقُّ قلبٌ بُني على شفا جُرُفٍ هارٍ من الأكاذيب؟ وكيف يستقيمُ عقلٌ غُذِّيَ بالمناكيرِ والأعاجيب؟ صدق فيهم قول الإمام ابن سيرين رحمه الله:"إن هذا العلمَ دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".
إرثُ القُصّاصِ..
داءٌ قديمٌ بثوبٍ جديد
وليس هذا الداءُ في الأمةِ بحديثِ ولادة، ولا هو ببدعةٍ مُعادة، بل هو إرثٌ سقيم، من زمنٍ قديم. فلقد ابتليت الأجيالُ السالفةُ بطائفة "القصاصين"، الذين شوهوا وجه الدين، وزوّقوا المجالس بالكذب المبين، طلباً للدنيا وحظوةً عند المساكين. قال حبرُ الأمةِ وواعظها، الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه الماتع (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص)، كاشفاً عوارهم: "فإن القُصّاصَ لا يطلبون إلا ما يُعجبُ العوام، وتخويفهم بما لا أصل له، وأكثرهم لا يحفظون القرآن، ولا يعرفون الصحيح من السقيم". للهِ درُّهُ! كأنه ينظرُ إلى زماننا هذا من وراء حُجب الغيب، حين نرى الخطيبَ يتركُ المُحكم من التنزيل، والصحيحَ من الدليل، ليروي قصةً نسجتها خيالاتُ الوضاعين، أو حكايةً لفقها دجاجلةُ الكذابين.
أما الإمام ابن القيم رحمه الله، فقد شخّص هذا الوباء تشخيصَ الطبيبِ الخبير، مبيناً خطر هؤلاء القوم على أديان العباد، فقال في درره: "والجاهلُ المتنسك، والقصاصُ المتشبع بما لم يُعطَ، يُفسدان من الأديان ما لا يُفسده قطاعُ الطرق، لأن أولئك يقطعون طريق الدنيا، وهؤلاء يقطعون طريق الآخرة".
رجل موعظةٌ وتذكرةٌ لحراسِ المنابر
فيا ويحَ مَن جعلَ منبرَ رسولِ اللهِ ﷺ مسرحاً للروايات التالفة، وسوقاً للأخبار الزائفة! ألا يعلمُ أن الكلمةَ إذا خرجت من فم الخطيبِ تلقفتها الآذان، واستقرت في الوجدان، فصارت ديناً يُدان به للرحمن؟ يا معشرَ الخطباءِ والوعاظ، يا حراسَ المنابر وحفظةَ الألفاظ: اللهَ اللهَ في عقولِ العوام، اللهَ اللهَ في دينِ الإسلام. تجردوا للحقائق، ودعوا عنكم طرائق العوائق. الزموا صحيح الأخبار، واتركوا ما نسجه خيال الأشرار. لا يغرنكم تكثيرُ السواد، ولا إعجابُ العباد، فإن الكلمةَ أمانة، والتحريَ ديانة، والقولَ على الله بغير علمٍ خيانة. فإن في كتاب اللهِ غُنية، وفي صحيحِ سنةِ رسوله ﷺ كفايةً وشفاء، وما بُني على الحقِ فهو باقٍ راسخ، وما أُسس على الباطلِ فهو إلى زوالٍ وإخفاق. نسأل الله أن يطهّر منابرنا من الزيف والبهتان، وأن يعصم ألسنتنا من الزلل والنسيان، وأن يجعلنا من دعاة الحق والهدى في كل زمان ومكان.
