في مقالةِ: «ملحوظةٌ منهجيةٌ حول السنّةِ والسيرةِ والتاريخ» تعقيب على مقالة في التفرقة بين التعامل مع روايات السيرة والحديث المسألةُ التي يكرر طرحها المقالةُ المشهورة (في التفرقة بين التعامل مع روايات السيرة والحديث) وهذه من أدقِّ مسائلِ المنهجِ وأكثرِها أثرا في بناءِ المعرفةِ الشرعيةِ والتاريخيةِ على السواء؛ إذ يترتبُ على تحريرِ العلاقةِ بين «السنّة» و«السيرة» و«التاريخ» جملةٌ من القواعدِ في القبولِ والردِّ، وفي الاحتجاجِ التشريعيِّ والاعتباريِّ. وقد تضمنت المقالةُ مقاصدَ صحيحةً نبّهت على معانٍ يحتاجُها طالبُ العلمِ، غيرَ أن منهجَ التحريرِ فيها لم يَسلَم من إطلاقاتٍ وإشكالاتٍ يُخشى أن تُورِثَ القارئَ تصورا غيرَ منضبط. ومن حقِّ المسألةِ — لجلالةِ قدرِها — أن تُدرسَ دراسةً نقديةً تُبقي على ما فيها من حقٍّ، وتقوّمُ ما اعتراها من خللٍ، على وفقِ منهجِ المحققينَ من أهلِ الحديثِ والأصولِ والتأريخِ، وبعيدا عن طرفين مذمومين:
طرفِ مَن يُحاكمُ كلَّ خبرٍ تاريخيٍّ بميزانِ الحديثِ الصحيحِ المسنَدِ فيهدمَ بناءَ التاريخِ كلَّه، وطرفِ مَن يفتحُ بابَ الروايةِ بلا ضابطٍ فيُدخِلَ في الدينِ والتاريخِ ما ليس منهما.
أولا: تحريرُ أطروحةِ المقالة
تقومُ المقالةُ على تقسيمٍ ثلاثيٍّ للمصادرِ، يُمكنُ تلخيصُه فيما يأتي: ـ فالسنّةُ عندها هي المصدرُ الثاني للتشريعِ بعد القرآنِ، وهي أقوالُه صلى الله عليه وسلم وأفعالُه وتقريراتُه، وهي وحيٌ، وتُسمى الحديثَ. ـ والتاريخُ هو علمُ روايةِ الأحداثِ وتحركاتِ الأممِ ودراسةِ الدوافعِ والنتائجِ، وهو مصدرُ معرفةٍ لا مصدرُ تشريعٍ، ولذلك لا يُشترطُ في روايتِه ما يُشترطُ في السنّةِ. ـ والسيرةُ مزجٌ بين السنّةِ والتاريخِ؛ فالسنّةُ التي فيها أقوالُه وأفعالُه وتقريراتُه المتزامنةُ مع الأحداثِ، والتاريخُ الذي فيها روايةُ الأحداثِ نفسِها. ثم رتّبت على هذا التقسيمِ نتيجتين: الأولى التحذيرُ من محاكمةِ كلِّ روايةٍ في السيرةِ بمعاييرِ السنّةِ ومنهجِ علمائها، لأن ذلك — في زعمِها — يُفضي إلى فراغاتٍ كبيرةٍ في الأحداثِ. والثانيةُ التحذيرُ من الاستدلالِ بكلِّ ما في كتبِ السيرةِ، خاصةً في التشريعِ، لأن أغلبَها تاريخٌ يُنتفَعُ به في الاعتبارِ لا في الاستدلالِ.
وهذا التقسيمُ — في جملتِه — يحملُ بذرةَ حقٍّ، لكنه بُني على محورٍ غيرِ سديدٍ، كما سيأتي بيانُه.
ثانيا: ما يُحمَدُ في المقالةِ ويُقَرُّ عليه.
إنصافا للمقالةِ، فإنها أصابت في مقاصدَ ينبغي إقرارُها قبل النقدِ:
- التنبيهُ على أن كتبَ السيرةِ ليست كلُّها في رتبةِ كتبِ السنّةِ من حيثُ قوةُ الثبوتِ، وهذا حقٌّ معروفٌ عند أهلِ الفنِّ.
- التحذيرُ من بناءِ الأحكامِ التشريعيةِ على كلِّ ما يَرِدُ في كتبِ السيرةِ والمغازي من غيرِ تمحيصٍ، وهو أصلٌ سديدٌ نصَّ عليه أئمةُ النقدِ من قبلُ.
- الدعوةُ إلى التكاملِ بين العلمين، فالسيرةُ تكشفُ السياقَ والبيئةَ التي نزلَ فيها الوحيُ، والسنّةُ تُبيّنُ مرادَ الشارعِ، وهذا ملمحٌ منهجيٌّ نافعٌ.
- الإشارةُ إلى أن بعضَ المحدّثينَ أفردَ في مصنفاتِه أبوابا للسيرةِ والمغازي، وهذا واقعٌ صحيحٌ.
غيرَ أن هذه المقاصدَ الصحيحةَ قد رُكّبت في إطارٍ نظريٍّ مختلٍّ، أفقدَها كثيرا من قيمتِها، وأنتجَ لوازمَ لا تستقيمُ.
وبيانُ ذلك في الإشكالاتِ الآتيةِ.
ثالثا: الإشكالاتُ المنهجيةُ في المقالة
الإشكالُ الأولُ: قصرُ تعريفِ «السنّة» على التشريعِ، وإغفالُ تعريفِ المحدّثينَ الذي يُدرِجُ السيرةَ في السنّة
بنت المقالةُ كلَّ تقسيمِها على تعريفٍ واحدٍ للسنّةِ هو تعريفُ الأصوليينَ الناظرينَ إليها من حيثُ كونُها مصدرا للأحكامِ، فعرّفوها بأنها: ما صدرَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ. وهذا التعريفُ صحيحٌ في بابِه، لكنه ليس التعريفَ الوحيدَ ولا الجامعَ؛ فإن للسنّةِ عند العلماءِ ثلاث اصطلاحاتٍ مشهورةٍ تختلفُ باختلافِ المقصدِ:
ـ فالسنّةُ عند المحدّثينَ: كلُّ ما أُثرَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من قولٍ، أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ خَلقيةٍ أو خُلُقيةٍ أو سيرةٍ، سواءٌ أكان قبل البعثةِ أم بعدها. فأنت ترى أن المحدّثينَ — وهم أهلُ هذا الشأنِ — أدخلوا «السيرةَ» في مسمى «السنّةِ» صراحةً، بل جعلوا صفتَه الخَلقيةَ ومبعثَه ومغازيَه داخلةً في الحديثِ الذي يروونَه ويُعنَونَ بنقدِه. ـ والسنّةُ عند الأصوليينَ: ما يصلحُ أن يكونَ دليلا على حكمٍ شرعيٍّ من أقوالِه وأفعالِه وتقريراتِه؛ فهو تعريفٌ وظيفيٌّ مدارُه على الاستدلالِ. ـ والسنّةُ عند الفقهاءِ: ما يُقابِلُ البدعةَ، أو ما يُثابُ على فعلِه ولا يُعاقَبُ على تركِه. فالمقالةُ أخذت التعريفَ الأصوليَّ، ثم نفت به دخولَ السيرةِ في السنّةِ، وهذا لبس بين المقاماتِ؛ لأن نفيَ كونِ السيرةِ «دليلا تشريعيا» — وهو معنى أصوليٌّ — لا يلزمُ منه نفيُ كونها «سنّةً» بالمعنى الحديثيِّ، وهو معنى أوسعُ. فوقعَ في المقالةِ ما يُشبهُ المغالطةَ في إطلاقِ اللفظِ على غيرِ ما وُضِعَ له في ذلك السياقِ.
الإشكالُ الثاني: الفصلُ المؤسسيُّ بين علمِ الحديثِ وعلمِ السيرةِ، ومخالفتُه لواقعِ النشأةِ المبكّرةِ
صوّرت المقالةُ العلمينِ كأنهما حقلانِ منفصلانِ تماما: لهذا كتبُه وعلماؤه ورواتُه، ولذاك كتبُه وعلماؤه ورواتُه، ومثّلت بابنِ إسحاقَ إماما في السيرةِ لا في السنّةِ. وهذا التصويرُ فيه تجوّزٌ شديدٌ يخالفُ الواقعَ التاريخيَّ لنشأةِ التدوينِ؛ فإن أوائلَ مَن دوّنَ المغازيَ والسيرةَ هم أنفسُهم من أئمةِ الحديثِ ورواتِه الكبارِ: كعروةَ بنِ الزبيرِ، والإمامِ الزهريِّ الذي هو أحدُ أعمدةِ الإسنادِ، وموسى بنِ عقبةَ صاحبِ المغازي التي أثنى عليها الأئمةُ. فكان جمعُ الرجلِ الواحدِ بين إمامةِ الحديثِ وإمامةِ المغازي هو الأصلَ في القرونِ الأولى لا الاستثناءَ.
وأما ابنُ إسحاقَ نفسُه، فإن حالَه أدقُّ مما صوّرته المقالةُ؛ فهو وان كان إمامَ المغازي، فإنه راوٍ للحديثِ معدودٌ في رجالِه، تُكلِّمَ فيه من جهةِ التدليسِ والتفرّدِ، واحتُجَّ بحديثِه في المتابعاتِ والشواهدِ، وله ذكرٌ في كتبِ السننِ، فليس خارجا عن دائرةِ الحديثِ بالكليةِ، بل هو داخلٌ في ميزانِ الجرحِ والتعديلِ. فالقولُ بأنه «ليس من أهلِ السنّةِ» على إطلاقِه فيه نظرٌ.
ثم أن كثيرا من أئمةِ الحديثِ أفردوا المغازيَ والسيرةَ بالتصنيفِ على طريقةِ المحدّثينَ بالأسانيدِ، كالإمامِ البخاريِّ في «كتابِ المغازي» من صحيحِه، والإمامِ البيهقيِّ في «دلائلِ النبوةِ» التي ساقَ أخبارَها بالأسانيدِ ونقدَ بعضَها، وكصنيعِ ابنِ سيدِ الناسِ في «عيونِ الأثرِ» إذ أعمل فيها نقدَ الرجالِ. فدلَّ ذلك على أن السيرةَ ليست بمعزلٍ عن منهجِ الحديثِ، بل خضعَ كثيرٌ منها له فعلا.
الإشكالُ الثالث: الخطأُ في محورِ التقسيمِ؛ فالعبرةُ بالروايةِ لا بالكتابِ ولا بالعالِمِ
هذا هو لُبُّ الإشكالِ ومَجمَعُه: أن المقالةَ أقامت التفريقَ على محورٍ «مؤسسيٍّ» — كتابٌ في مقابلِ كتابٍ، وعالمٌ في مقابلِ عالمٍ — والصوابُ أن التفريقَ إنما يكونُ على محورٍ «خبَريٍّ»؛ إذ وحدةُ التحليلِ عند المحققينَ هي الروايةُ المفردةُ لا الكتابُ الذي وردت فيه. فالحديثُ الصحيحُ حجةٌ وان وردَ في كتابِ سيرةٍ أو تاريخٍ، والخبرُ المنكرُ مردودٌ وان وردَ في غيرِ مظانِّه.
فليس كونُ الخبرِ في «كتابِ سيرةٍ» موجبا لتنزيلِه عن رتبةِ الحجيةِ، ولا كونُه في «كتابِ حديثٍ» موجبا لرفعِه إليها بمجردِ المكانِ، وإنما المدارُ على الإسنادِ والمتنِ: نظرا في عدالةِ الرواةِ وضبطِهم، واتصالِ السندِ، وانتفاءِ الشذوذِ والعلةِ. فحين تجعلُ المقالةُ «كتبَ السيرةِ» في جهةٍ و«كتبَ السنّةِ» في جهةٍ، وتُجري على كلِّ جهةٍ حكما واحدا، تكونُ قد نقلت الحكمَ من الروايةِ إلى الوعاءِ، ومن الوصفِ الذاتيِّ للخبرِ إلى الوصفِ العارضِ من جهةِ مكانِ تدوينِه؛ وهذا خطأٌ في التصنيفِ ظاهرٌ.
الإشكالُ الرابع: انهيارُ الفصلِ عند موضعِ الحاجةِ؛
إذ ما يُنسَبُ إلى النبيِّ في السيرةِ سنّةٌ يجري عليه النقدُ أقرّت المقالةُ أن في السيرةِ «سنّةً» هي أقوالُه وأفعالُه وتقريراتُه المتزامنةُ مع الأحداثِ. وهذا الإقرارُ يهدمُ دعوى عدمِ إخضاعِ السيرةِ لمنهجِ السنّةِ؛ فإن هذا القدرَ المنسوبَ إليه صلى الله عليه وسلم — وهو موضعُ الاحتجاجِ والاقتداءِ — يجبُ أن يُحاكمَ بميزانِ الحديثِ قطعا، لأنه نسبةٌ إلى المعصومِ المبلِّغِ عن اللهِ. فإذا كان المقصودُ بالنهي عن «محاكمةِ السيرةِ بمعاييرِ السنّةِ» شاملا لهذا القدرِ، فهو باطلٌ يفتحُ بابَ نسبةِ ما لم يثبت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وإن كان مقصورا على القدرِ التاريخيِّ المحضِ — أفعالُ غيرِه ومجرياتُ الوقائعِ — فهو حقٌّ، لكن المقالةَ لم تُحرّر هذا التمييزَ، فجاءت العبارةُ مُطلَقةً موهِمةً. والحقُّ أن «النسبةَ إلى المعصومِ» مقامٌ، و«حكايةَ الحدثِ» مقامٌ آخرُ؛ فالأولُ لا تساهلَ فيه البتةَ، والثاني له شأنٌ آخرُ سيأتي. وخلطُ المقامين هو منشأُ الاضطرابِ.
الإشكالُ الخامس: نفيُ صفةِ التشريعِ عن السيرةِ على إطلاقِه، مع أن أفعالَه في المغازي أصلٌ من أصولِ الأحكامِ
قرّرت المقالةُ أن روايةَ السيرةِ — عدا ما هو سنّةٌ — تنفعُ في الاعتبارِ لا في الاستدلالِ التشريعيِّ. وهذا الإطلاقُ غيرُ مستقيمٍ؛ فإن بابا عظيما من أبوابِ أصولِ الفقهِ هو «بابُ أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم»، ومعظمُ هذه الأفعالِ إنما وصلَنا خبرُها ضمنَ المغازي والسيرةِ: من أحكامِ الجهادِ والأسرى والغنائمِ والفيءِ والمعاهداتِ وعقدِ الذمةِ وسياسةِ الدولةِ وأحكامِ الصلحِ والأمانِ. بل إن «صحيفةَ المدينةِ» و«صلحَ الحديبيةِ» — وهما من صميمِ السيرةِ — مصدرانِ لأحكامٍ جليلةٍ، وقد أخرجَ الإمامُ البخاريُّ قصةَ الحديبيةِ في صحيحِه. وكذلك «أسبابُ النزولِ» أكثرُها أخبارٌ سِيَريةٌ تاريخيةٌ، وهي ركيزةٌ في التفسيرِ واستنباطِ الأحكامِ. فلعل الصوابُ إن يُقالَ: ليس كلُّ ما في كتبِ السيرةِ ثابتا، وليس كلُّ ثابتٍ منها تشريعا — لأن منه الجِبِلّيَّ والخاصَّ به — أما القولُ بأن السيرةَ بجملتِها خارجةٌ عن التشريعِ فهنا وقفة تأمل يلزمُ منه إهدارُ بابٍ أصيلٍ من أبوابِ الاستدلالِ.
وقد مزجت المقالةُ بين دعوى «ضعفِ كثيرٍ من رواياتِ السيرةِ» ودعوى «عدمِ تشريعيةِ السيرةِ»، وهما دعوتانِ متغايرتانِ، وكلتاهما على إطلاقِها ربما جانبت الصواب.
الإشكالُ السادس: إطلاقُ «عدمِ اشتراطِ ما يُشترطُ في السنّةِ»، وما فيه من فتحِ بابِ التساهلِ بلا ضابطٍ
من أخطرِ عباراتِ المقالةِ قولُها في التاريخِ: «لا يُشترطُ في روايتِه ما يُشترطُ في السنّةِ».
وهذه العبارةُ — على إطلاقِها — موهِمةٌ جدا؛ إذ تُوحي بأن التاريخَ والسيرةَ منطقةٌ مُعفاةٌ من النقدِ والصوابُ التفصيلُ:
فإن تساهلَ المحدّثينَ المعروفَ إنما كان في بابِ الفضائلِ والترغيبِ والترهيبِ ونحوِها، وهو تساهلٌ في «العملِ» بالحديثِ الضعيفِ بشروطٍ معروفةٍ — ألا يكونَ شديدَ الضعفِ، وأن يندرجَ تحت أصلٍ ثابتٍ، وألا يُعتقَدَ ثبوتُه عند العملِ — وليس تساهلا في «الإثباتِ»، ولا في الأحكامِ والعقائدِ. فمن نقلَ هذا التساهلَ إلى السيرةِ بوصفِها تاريخا، فقد خلطَ بين «تساهلِ الفضائلِ» وهو في الترغيبِ، و«منهجِ التاريخِ» وهو في إعادةِ بناءِ الوقائعِ، وهما بابانِ مختلفانِ.
ثم إن أئمةَ النقدِ — وان لم يشترطوا في عامةِ أخبارِ المغازي والتفسيرِ والملاحمِ ما يشترطونه في الحلالِ والحرامِ — لم يجعلوا ذلك إذنا في قبولِ المنكرِ والموضوعِ؛ بل هو وصفٌ لواقعِ تلك الأخبارِ بأن أكثرَها لا يقومُ على إسنادٍ متصلٍ صحيحٍ، فيُتوقَّفُ فيها ويُحتاطُ، لا أنها تُقبَلُ على عواهنِها. فكان حقُّ العبارةِ أن تُقيَّدَ فيُقالَ: لا يُشترطُ في الخبرِ التاريخيِّ — لإفادتِه المعرفةَ في إعادةِ بناءِ الوقائعِ — ما يُشترطُ في الخبرِ المحتجِّ به في الأحكامِ، مع بقاءِ ردِّ المنكرِ والموضوعِ في الحالين. أما إطلاقُها فيُفضي إلى تمييعِ النقدِ التاريخيِّ نفسِه.
الإشكالُ السابع: الدورُ والاضطرابُ في تقسيمِ السيرةِ، وتعذّرُ الفصلِ العمليِّ في الإسنادِ الواحدِ
جعلت المقالةُ السيرةَ «مزجا» بين سنّةٍ وتاريخٍ، ثم طالبت بألا تُحاكمَ بمعاييرِ السنّةِ.
وفي هذا اضطرابٌ ظاهرٌ؛ فإن الجزءَ الذي سمّته «سنّةً» يجبُ — بمقتضى كونِه سنّةً — أن يُحاكمَ بمعاييرِها، فكيف يُستثنى من النقدِ ما هو سنّةٌ بالاتفاقِ؟ ثم إن كثيرا من أخبارِ السيرةِ يَرِدُ بإسنادٍ واحدٍ متصلٍ يجمعُ في سياقٍ واحدٍ قولَه وفعلَه ومجرياتِ الحدثِ من حولِه — كحديثِ بدءِ الوحيِ، وقصةِ الهجرةِ — فكيف يُفصَلُ في الإسنادِ الواحدِ بين قدرٍ يخضعُ للنقدِ وقدرٍ لا يخضعُ؟ إن صحةَ الإسنادِ أو ضعفَه تنسحبُ على الخبرِ المرويِّ به جملةً، ولا يُتصورُ أن يكونَ الراوي ثقةً في شطرِ الخبرِ ضعيفا في شطرِه الآخرِ بمجردِ كونِ الأولِ «سنّةً» والثاني «تاريخا». فالتقسيمُ النظريُّ الذي قدّمته المقالةُ يصعبُ إعمالُه عمليا، وهذا من دلائلِ كونِ المحورِ الذي بُني عليه غيرَ سديدٍ.
الإشكالُ الثامن: وصفُ تاريخِ الطبريِّ وابنِ كثيرٍ بأنه «علمٌ آخرُ» مفصولٌ
عدّت المقالةُ تاريخَ الطبريِّ وابنِ كثيرٍ علما مستقلا له أصولُه، يختلفُ عن الحديثِ وعن السيرةِ.
وفي هذا الإطلاقِ تجوّزٌ؛ فإن الإمامَ ابنَ كثيرٍ محدّثٌ مفسّرٌ، له في علومِ الحديثِ مصنَّفٌ معروفٌ، وقد جرى في تاريخِه «البدايةِ والنهايةِ» على نقدِ كثيرٍ من الأخبارِ وبيانِ عللِها وتمييزِ صحيحِها من سقيمِها على طريقةِ أهلِ الحديثِ؛ فليس تاريخُه «علما مفصولا» عن منهجِ الحديثِ، بل هو من أوضحِ الأمثلةِ على إدخالِ النقدِ الحديثيِّ في التاريخِ.
وأما الطبريُّ، فقد صرّحَ في مقدمةِ تاريخِه بأنه يسوقُ الأخبارَ بأسانيدِها، وأن عُهدةَ ما يُستنكَرُ على ناقليه لا عليه؛ فهو إنما قدّمَ المادةَ بأسانيدِها ليُحاكمَها الناظرُ بميزانِ النقلِ. فالطبريُّ نفسُه لم يجعل تاريخَه بمنأى عن آلةِ النقدِ، بل أعطى القارئَ أداةَ المحاكمةِ وهي الإسنادُ. فالأصوبُ أن يُقالَ: التاريخُ يستعينُ بآلةِ الحديثِ في تمييزِ الأخبارِ، وان كان لا يَقصِرُ نفسَه عليها في إعادةِ بناءِ الوقائعِ.
الإشكالُ التاسع: إطلاقُ القولِ بأن «السنّةَ وحيٌ»، دون تمييزِ أفعالِه الجِبِلّيةِ والاجتهاديةِ والخصوصيةِ
قرّرت المقالةُ أن السنّةَ «وحيٌ من اللهِ» على الإطلاقِ.
وهذا صحيحٌ في جملةِ ما هو تشريعٌ وتبليغٌ عن اللهِ، لكن إطلاقَه دون تفصيلٍ غيرُ محرّرٍ؛ فإن المحققينَ من الأصوليينَ فصّلوا في أفعالِه صلى الله عليه وسلم: فمنها التشريعيُّ الذي يُقتدى به، ومنها الجِبِلّيُّ الطبعيُّ كالأكلِ والشربِ والقيامِ والقعودِ، ومنها ما هو من خصائصِه، ومنها ما صدرَ عنه بوصفِ الإمامةِ والقضاءِ والسياسةِ مما يحتاجُ إلى إذنِ الإمامِ في إعمالِه؛ فليس كلُّ فعلٍ صدرَ عنه تشريعا عاما يُقتدى به، فضلا عن أن يكونَ كلُّه وحيا منزّلا بمعنى واحدٍ.
ولعل هذا الإطلاقَ يتعارضُ مع أطروحةِ المقالةِ نفسِها؛ فإنها قرّرت أن السيرةَ تتضمنُ سلوكَه صلى الله عليه وسلم «بوصفِه قائدا بشريا» في الأحداثِ. فإن كان سلوكُه القياديُّ في الأحداثِ سيرةً — لا سنّةً وحيا في تصنيفِها — فإما أن يكونَ ذلك وحيا فينقُضَ قولَها «سنّةٌ منفصلةٌ عن السيرةِ»، وإما ألا يكونَ وحيا فينقُضَ قولَها «السنّةُ وحيٌ» على الإطلاقِ. والمخرجُ من هذا الاضطراب هو ما قرّره المحققونَ: أن أفعالَه مراتبُ، وأن النسبةَ إليه تُثبَتُ بميزانِ الحديثِ أيّا كان البابُ الذي وردت فيه؛ فينحلُّ بذلك الثنائيُّ الحادُّ الذي بنته المقالةُ.
الإشكالُ العاشر: الخطابُ الجدليُّ، وخطرُ تحويلِ «سدِّ الفراغاتِ» إلى ذريعةٍ لقبولِ المنكرِ
وجّهت المقالةُ خطابا جدليا إلى «بعضِ الإخوةِ الذين يريدون محاكمةَ كلِّ روايةٍ في السيرةِ بكتبِ السنّةِ»، وحذّرت من أن ذلك يُورِثُ «فراغاتٍ كبيرةً في الأحداثِ». وفي هذا المنزعِ ملحظٌ صحيحٌ وآخرُ يحتاجُ إلى تقويمٍ:
أما الصحيحُ، فهو أن إخضاعَ التاريخِ كلِّه — بوصفِه إعادةَ بناءٍ للوقائعِ — لشرطِ الصحةِ الإسناديةِ المحضةِ منهجٌ قاصرٌ؛ لأن التاريخَ في كلِّ أمةٍ يقومُ على تضافرِ القرائنِ، وتعاضدِ الأخبارِ، والشهرةِ، والتواترِ المعنويِّ في كلياتِ الأحداثِ الكبرى، لا على إسنادٍ صحيحٍ لكلِّ جزئيةٍ؛ فردُّ كلِّ ما لا يَبلُغُ رتبةَ الصحيحِ المسنَدِ يُفضي إلى هدمِ المعرفةِ التاريخيةِ المتيقَّنةِ بالتواترِ المعنويِّ.
وأما ما يحتاجُ إلى تقويمٍ، فهو أن «سدَّ الفراغاتِ» ليس مقصدا يُسوّغُ قبولَ المنكرِ والموضوعِ؛ فإن الفراغَ المعرفيَّ — أي الاعترافَ بأننا لا نعلمُ تفصيلَ واقعةٍ ما — أصدقُ وأسلمُ من ملئِه بروايةٍ لا تثبتُ. وقد كانت همّةُ أئمةِ النقدِ في تنقيةِ المرويِّ من الباطلِ ولو بقيت فجواتٌ في التفاصيلِ. فينبغي الحذرُ من أن تنقلبَ مشروعيةُ «عدمِ التشددِ في إسنادِ التاريخِ» إلى ترخيصٍ في تصديقِ كلِّ خبرٍ بدعوى تكميلِ الصورةِ. فالعبرةُ بالقرائنِ والتضافرِ المنضبطِ، لا بمجردِ الرغبةِ في اتصالِ السردِ.
رابعا: المنهجُ المحرَّرُ (الموقفُ الوسطيُّ السديدُ)
تبيّن مما سبق أن المقالةَ بنت تفريقَها على محورٍ مؤسسيٍّ — كتابٌ وعالمٌ — مع تعريفٍ أصوليٍّ ضيّقٍ للسنّةِ، فاضطربت لوازمُها. والمنهجُ السديدُ أن يُبنى التفريقُ على محورين دقيقين: المحورُ الأولُ: مقامُ الخبرِ ـ مقامُ النسبةِ إلى المعصومِ صلى الله عليه وسلم — قولا أو فعلا أو تقريرا — لأجلِ الاحتجاجِ والاقتداءِ والتشريعِ: وهذا لا يُتساهَلُ فيه البتةَ، ويُحاكمُ بميزانِ الحديثِ كاملا، في أيِّ كتابٍ وقعَ: حديثٍ أو سيرةٍ أو تاريخٍ.
ـ مقامُ إعادةِ البناءِ التاريخيِّ للوقائعِ والسياقاتِ والدوافعِ: وهذا يُستعانُ فيه بآلةِ الحديثِ في تمييزِ الأخبارِ، مع الاتساعِ لقرائنِ التضافرِ والشهرةِ والتواترِ المعنويِّ، فيُفيدُ الظنَّ الراجحَ أو اليقينَ في الكلياتِ دون آحادِ التفاصيلِ.
المحورُ الثاني: رتبةُ الخبرِ في ذاتِه فالعبرةُ بالروايةِ المفردةِ من جهةِ إسنادِها ومتنِها، لا بالوعاءِ الذي وردت فيه؛ فلا يُرفَعُ خبرٌ لمجردِ وقوعِه في كتابِ حديثٍ، ولا يُهدَرُ خبرٌ صحيحٌ لمجردِ وقوعِه في كتابِ سيرةٍ. وينبني على المحورين ضابطٌ جامعٌ: ـ لا يُحتجُّ بالضعيفِ في العقائدِ والأحكامِ، ولو كان في كتبِ السنّةِ. ـ ولا يُبنى على المنكرِ والموضوعِ تاريخٌ، ولو كان في كتبِ التاريخِ. ـ ويُتسامَحُ في الشواهدِ والمتابعاتِ والقرائنِ عند إعادةِ بناءِ الوقائعِ التاريخيةِ التي لا يترتبُ عليها حكمٌ ولا عقيدةٌ. وبهذا يتحققُ التكاملُ الذي دعت إليه المقالةُ، لكن على أساسٍ محرّرٍ يَسلَمُ من الإطلاقِ ومن خلطِ المقاماتِ.
خاتمةٌ
حاصلُ الدراسةِ أن المقالةَ انطلقت من حدسٍ منهجيٍّ سليمٍ — وهو أن السيرةَ والتاريخَ لا يُنزَّلانِ بإطلاقٍ منزلةَ الحديثِ المحتجِّ به في الأحكامِ — لكنها عبّرت عنه بتقسيمٍ مؤسسيٍّ مضطربٍ، وبنته على تعريفٍ واحدٍ للسنّةِ هو الأضيقُ، فلزمها من ذلك إطلاقاتٌ غيرُ سديدةٍ: من إخراجِ السيرةِ من السنّةِ مطلقا، ونفيِ التشريعِ عنها مطلقا، وإيهامِ إعفاءِ التاريخِ من النقدِ مطلقا.
والصوابُ أن مدارَ القبولِ والردِّ على «الروايةِ» لا على «الكتابِ»، وأن الفصلَ إنما هو بين «مقامِ النسبةِ إلى المعصومِ» — ولا تساهلَ فيه — و«مقامِ إعادةِ بناءِ الوقائعِ» وله منهجُه التاريخيُّ المنضبطُ. وبهذا التحريرِ يُصانُ جنابُ السنّةِ من أن يُدخَلَ فيها ما لم يثبت، ويُصانُ التاريخُ من أن يُهدَمَ بدعوى الإسنادِ، ويُصانُ الفقهُ من أن يُحرَمَ من أصلٍ أصيلٍ هو أفعالُه صلى الله عليه وسلم في مغازيه وسيرتِه. وهذا هو سبيلُ المحققينَ من أهلِ هذا الشأنِ، واللهُ أعلمُ.
