وصل الشعر وصوره المعاصرة
ما الدراسة المنقولة في وصل الشعر وصوره المعاصرة؟
أن النهي عن وصل الشعر ليس على إطلاقه، بل هو معلل بعلل معتبرة كالنجاسة والتدليس واستخدام شعر الآدمي. فإذا انتفت هذه العلل، وكان القصد مشروعاً كالتزين للزوج أو ستر العيب، فإن الحكم يتجه إلى الجواز، وهذا يتماشى مع مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج.
مقالة فقهية متخصصة في حكم وصل الشعر وصوره المعاصرة
⭐ا.د.محمد طه حمدون السامرائي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن مسائل الزينة والتجمل من المسائل التي أولتها الشريعة الإسلامية عناية خاصة، فوضعت لها الضوابط والأحكام التي تحفظ للمرأة جمالها وأنوثتها، وتصون المجتمع عن الانزلاق في مهاوي التبرج والفتنة. ومن هذه المسائل التي كثر فيها الكلام قديماً وحديثاً، وتعددت فيها صورها وتجددت نوازلها، مسألة "وصل الشعر".
وقد وردت في هذه المسألة نصوص شرعية باللعن والنهي، مما جعلها من كبائر الذنوب عند بعض العلماء، بينما وردت آثار وتفصيلات فقهية تبيح بعض صورها لعلل وحاجات معتبرة.
ومع ظهور تقنيات حديثة مثل زراعة الشعر، والباروكة، ووصلات الشعر المؤقتة (الإكستنشن)، أصبح من الضروري تحرير محل النزاع في هذه المسألة، وبيان حكم كل صورة من صورها بناءً على أقوال الفقهاء وأدلتهم، مع مراعاة مقاصد الشريعة وعلل الأحكام.
المسالة الأولى: تعريف وصل الشعر وأنواعه
أولاً: الوصل في اللغة:
الوصل ضد الهجران، ووصل الشيء بالشيء وصلاً وشِصَةً: أي جمعه ولأمه. والوصلة: الاتصال.
ويقال: وصلت المرأة شعرها بشعر آخر، أي جعلته طويلاً به. فالوصل لغةً يدور حول معنى الضم والجمع والإلحاق.
ثانياً: الوصل في الاصطلاح:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي لوصل الشعر عن معناه اللغوي، وقد عرفه الفقهاء بتعريفات متقاربة، منها:
•تعريف الحافظ ابن حجر: "وصل الشعر بالشعر، وهو ما يعرف بالقرامل".
•تعريف العيني: "الواصلة هي التي تصل شعرها بشعر آخر تكثره به".
وعليه، فالمراد بوصل الشعر اصطلاحاً: هو أن تضيف المرأة إلى شعر رأسها شعراً آخر، سواء كان شعر آدمي أو غيره، لتبدو أكثر طولاً أو كثافة.
المسالة الثانية: أنواع وصل الشعر وصوره
يمكن تقسيم صور وصل الشعر بالنظر إلى المادة الموصولة وإلى طريقة الوصل إلى عدة أنواع:
1.الوصل بشعر الآدمي: وهو أن تصل المرأة شعرها بشعر إنسان آخر، سواء كان شعر رجل أو امرأة، محرم أو أجنبي.
2.الوصل بشعر غير الآدمي: ويشمل:
•شعر الحيوان الطاهر: كشعر الغنم والإبل المذكى.
•شعر الحيوان النجس: كشعر الخنزير وشعر الميتة.
3.الوصل بغير الشعر: ويشمل:
•المواد الصناعية: كالخيوط، والحرير، والصوف، والخرق، والنايلون.
•الباروكة (الشعر المستعار): وهي شعر مصنوع على هيئة الرأس يلبس لتغطية الصلع أو للتزين.
•زراعة الشعر: وهي عملية جراحية يتم فيها نقل بصيلات الشعر من منطقة كثيفة إلى منطقة صلعاء في نفس الشخص.
•وصلات الشعر المؤقتة (الإكستنشن): وهي خصلات من الشعر الطبيعي أو الصناعي تثبت في الشعر الأصلي بمشابك أو مواد لاصقة لفترة مؤقتة.
وسنتناول حكم كل نوع من هذه الأنواع بالتفصيل في المباحث القادمة بإذن الله تعالى. '''
المسالة الثالثة: الأدلة الشرعية العامة في وصل الشعر
قبل الخوض في تفاصيل أقوال الفقهاء، لا بد من عرض الأدلة الشرعية العامة التي هي مناط الحكم في هذه المسألة، والتي استند إليها الفقهاء في مذاهبهم.
الأول: الأدلة من السنة النبوية
وردت عدة أحاديث في النهي عن وصل الشعر، وهي العمدة في هذا الباب، ومنها:
1.حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة".
•تخريجه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب وصل الشعر، رقم (5937)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، رقم (2122).
2.حديث عائشة رضي الله عنها: أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".
•تخريجه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب وصل الشعر، رقم (5934)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، رقم (2123).
3.حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنة عريّساً (تصغير عروس)، أصابتها حصبة فتمرق شعرها، أفأصله؟ فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".
•تخريجه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب وصل الشعر، رقم (5935)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، رقم (2122).
4.حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: أنه قال عام حج وهو على المنبر، وتناول قصة من شعر كانت بيد حرسي: "يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم". وفي رواية أنه سماه "الزور".
•تخريجه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب وصل الشعر، رقم (5932)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، رقم (2127).
5.حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: قال: "زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئاً".
•تخريجه: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، رقم (2126).
وجه الدلالة من الأحاديث:
•اللعن: ورود اللعن على فاعلة الوصل وطالبته، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، ولا يكون إلا على فعل محرم، بل كبيرة من كبائر الذنوب.
•النهي والزجر: ورود النهي الصريح والزجر عن هذا الفعل، والأصل في النهي التحريم.
•العموم: جاءت الأحاديث عامة، تشمل كل وصل، وكل امرأة، سواء كانت عروساً أم غيرها، محتاجة أم غير محتاجة، بإذن الزوج أم بغير إذنه.
•التسمية بالزور: تسمية الوصل زوراً، وهو الكذب والباطل، مما يدل على قبحه وتحريمه.
•التشبه ببني إسرائيل: جعله سبباً في هلاك بني إسرائيل، والتشبه بهم فيما كان سبباً لهلاكهم منهي عنه.
فهذه الأحاديث بمجموعها تشكل أصلاً قوياً للقول بتحريم وصل الشعر، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء كما سيأتي.
المسالة الرابعة: أقوال الفقهاء في حكم وصل الشعر
بناءً على الأدلة المتقدمة، اختلف الفقهاء في حكم وصل الشعر وتفصيلاته، ويمكن عرض أقوالهم في المطالب التالية:
أولا: حكم وصل الشعر بشعر آدمي
اتفق الفقهاء على تحريم وصل المرأة شعرها بشعر آدمي آخر، سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء كان بإذن الزوج أو بغير إذنه. وهذا هو مذهب الحنفية [حاشية ابن عابدين 9/615]، والمالكية [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7/146]، والشافعية [المجموع للنووي 3/147]، والحنابلة [المغني لابن قدامة 1/131].
⏳الأدلة:
1.عموم الأحاديث: استدلوا بعموم الأحاديث السابقة التي تلعن الواصلة والمستوصلة وتنهى عن الوصل دون تفريق بين نوع الشعر الموصول.
2.حرمة شعر الآدمي: أن شعر الآدمي جزء منه، والآدمي مكرم، فلا يجوز الانتفاع بأجزائه أو امتهانها بالبيع أو الاستعمال في الزينة.
قال الإمام النووي: "لأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته" [المجموع للنووي 3/147].
3.التدليس والغش: ما في هذا الفعل من التدليس والغش، حيث تظهر المرأة بغير حقيقتها.
وقد نقل عن بعضهم إباحته مطلقاً، وهو قول شاذ.
ثانيا: حكم وصل الشعر بشعر غير الآدمي (شعر الحيوان)
اختلف الفقهاء في حكم الوصل بشعر غير الآدمي، ويمكن تلخيص أقوالهم في الآتي:
•القول الأول: التحريم مطلقاً. وهو مذهب المالكية [الفواكه الدواني 2/486]، ورواية عن أحمد وهي المذهب عند الحنابلة [الإنصاف للمرداوي (1/270]، ووجه عند الشافعية. واستدلوا بعموم الأحاديث، خاصة حديث جابر الذي فيه الزجر عن وصل الرأس "بشيء"، وهو نكرة في سياق النهي فتعم كل شيء.
•القول الثاني: التفصيل بين الطاهر والنجس. فذهبوا إلى تحريم الوصل بشعر الحيوان النجس (كشعر الميتة والخنزير) لأنه لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة وغيرها، وأجازوا الوصل بشعر الحيوان الطاهر (كصوف الغنم ووبر الإبل).
وهذا هو مذهب الحنفية [الهداية للمرغيناني مع شرحه فتح القدير 8/166]، والقول الأصح عند الشافعية بشرط إذن الزوج للمتزوجة [روضة الطالبين للنووي 1/276].
•علة التحريم: النجاسة.
•علة الجواز: أن الوصل بغير شعر الآدمي لا يدخل في النهي، وأن علة النهي هي التدليس أو استعمال شعر الآدمي، وكلاهما منتفٍ هنا.
ثالثا: حكم الوصل بغير الشعر (الصوف والحرير والخرق)
هذه الصورة أيضاً محل خلاف بين الفقهاء:
•القول الأول: التحريم. وهو مذهب المالكية [شرح مختصر خليل للخرشي 1/229]، ورواية عن أحمد [المغني لابن قدامة 1/130]. لعموم الأدلة كما سبق.
•القول الثاني: الكراهة. وهي رواية عن أحمد [الإنصاف للمرداوي 1/270].
•القول الثالث: الجواز. وهو مذهب الحنفية [حاشية ابن عابدين (9/615]، والشافعية (في غير المتزوجة، أما المتزوجة فيجوز بإذن زوجها) [المجموع للنووي 3/147]، ورواية عن أحمد. واستدلوا بأن هذا لا يسمى وصلاً حقيقة، بل هو للزينة، وأنه لا تدليس فيه لظهوره وتميزه عن الشعر، وقد روي عن عائشة وغيرها جواز ذلك.
رابعا: حكم الصور المعاصرة لوصل الشعر
1.الباروكة (الشعر المستعار):
•التحريم: ذهب بعض المعاصرين إلى تحريمها، إلحاقاً لها بالوصل المنهي عنه، ولحديث معاوية في "القصة من الشعر".
•الجواز بضوابط: ذهب كثير من الفقهاء المعاصرين ودور الإفتاء إلى جواز لبسها للمرأة المتزوجة بقصد التزين لزوجها، أو للحاجة كمن سقط شعرها لمرض، بشرط ألا يكون فيه تدليس أو غش لخاطب ونحوه. قالوا إنها لا تدخل في الوصل المنهي عنه، لأنها لا توصل بالشعر بل توضع على الرأس وضعاً، فهي أشبه بالخمار أو القبعة الملونة.
2.زراعة الشعر:
•الجواز: أفتت المجامع الفقهية ودور الإفتاء بجواز زراعة الشعر، وهي عملية نقل بصيلات الشعر من نفس الشخص من منطقة إلى أخرى.
وعللوا ذلك بأنها ليست من باب تغيير خلق الله، بل هي من باب العلاج ورد الشيء إلى أصله وإزالة العيب، ولا تدخل في الوصل المنهي عنه لأنها تنبت وتصبح جزءاً من الرأس.
3.وصلات الشعر المؤقتة (الإكستنشن):
•حكمها يتبع المادة المصنوعة منها. فإن كانت من شعر آدمي فهي محرمة اتفاقاً. وإن كانت من شعر حيوان أو مواد صناعية، فيجري فيها الخلاف السابق، والراجح عند الكثيرين جوازها للمتزوجة بإذن زوجها إذا لم يكن فيها تدليس.
خامسا: الخاتمة والترجيح
بعد هذا العرض المفصل لأقوال الفقهاء وأدلتهم في مسألة وصل الشعر، يمكننا الخلوص إلى النتائج والترجيحات التالية:
أولاً: التحريم القاطع لوصل الشعر بشعر الآدمي: وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لقوة الأدلة في النهي، ولحرمة الانتفاع بأجزاء الآدمي، وما فيه من تدليس وغش.
ثانياً: التفصيل في وصل الشعر بغير شعر الآدمي: وهنا يظهر الخلاف المعتبر، والراجح - والله أعلم - هو التفصيل التالي:
1.إن كان الوصل بشيء نجس (كشعر الميتة): فهو محرم، لأنه لا يجوز للمسلم حمل النجاسة لغير ضرورة.
2.إن كان الوصل بشيء طاهر (كشعر الحيوان الطاهر، أو الصوف والحرير، أو المواد الصناعية): فهنا ينظر إلى القصد والعلة:
•إذا كان القصد هو التدليس والغش: كإيهام الخاطب بطول الشعر وكثافته، فهو محرم، لأن التدليس محرم في الشريعة.
•إذا لم يكن هناك تدليس: كأن تفعله المرأة المتزوجة للتزين لزوجها وهو عالم به، أو من سقط شعرها لمرض وتريد ستر العيب، فالأظهر هو الجواز. وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية، وهو اختيار كثير من المحققين. ويدل عليه:
•أن علة النهي الأساسية هي التدليس وتغيير خلق الله، وهذا منتفٍ في هذه الحالة.
•أن الأحاديث العامة في النهي محمولة على الصورة التي كانت شائعة في زمنهم، وهي الوصل بشعر الآدمي أو ما فيه تدليس.
•أن تزين المرأة لزوجها مطلوب شرعاً، وستر العيب من مقاصد الشريعة.
ثالثاً: حكم الصور المعاصرة:
•زراعة الشعر: جائزة، لأنها من باب العلاج وإزالة العيب، وليست من باب الوصل المنهي عنه.
•الباروكة: تأخذ حكم التفصيل السابق. يجوز لبسها للحاجة (كمن ليس لها شعر) أو للتزين للزوج، ويحرم إذا كان للتدليس أو التبرج والفتنة أمام الأجانب.
خلاصة القول: أن النهي عن وصل الشعر ليس على إطلاقه، بل هو معلل بعلل معتبرة كالنجاسة والتدليس واستخدام شعر الآدمي. فإذا انتفت هذه العلل، وكان القصد مشروعاً كالتزين للزوج أو ستر العيب، فإن الحكم يتجه إلى الجواز، وهذا يتماشى مع مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج.
