حدود الوصية وعلاقتها بالمواريث
ما الجواب عن دعوى أن الوصية غير المضارة تتيح للإنسان التصرف في جميع ماله بعد موته، وأن القيود المتعلقة بالثلث والوصية للوارث لا تلزم؟
الرأي الوارد في هذه الرسالة باطل شرعاً ومخالف للإجماع. هو دعوة صريحة لإبطال آيات المواريث وتفريغها من مضمونها بحجة "المقاصد المتوهمة".
بعد النظر والتأمل في الرسالة ، يتبين أن الطرح الوارد فيها مخالفٌ تماماً للنصوص الشرعية القطعية، وللإجماع الفقهي، وللمنهجية الأصولية الرصينة في فهم النصوص. يعتمد كاتب الرسالة على اقتطاع النص القرآني من سياقه، وإلغاء السنة النبوية كمُبيّن ومُفصّل للقرآن، وتحكيم العاطفة البشرية القاصرة في قضايا حسمها الوحي.
إليك الرد العلمي والفقهي المحكم على ما ورد في الرسالة، مقسماً إلى محاور رئيسية:
أولاً: الخلل المنهجي في فهم "الوصية" وضرب النصوص ببعضها
الكاتب يفترض أن الوصية حق مطلق ينسف أنصبة المواريث، وهذا طعن مباشر في حكمة التشريع.
1. دلالة التفصيل القرآني:
تولى الله سبحانه وتعالى تفصيل أنصبة المواريث بنفسه في سورة النساء (النصف، الربع، الثمن، السدس...)، ثم أعقبها بقوله الصارم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ و﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. لو كانت الوصية مفتوحة للأب ليوزع التركة كما يشاء، لكانت آيات المواريث المفصلة عبثاً لا معنى له -وحاشا لله- ولما كانت هناك حاجة لتحديد هذه الكسور الدقيقة إذا كان للأب أن يلغيها بجرة قلم.
2. الناسخ والمنسوخ (التدرج التشريعي): تجاهل الكاتب أن مشروعية الوصية للوالدين والأقربين الواردة في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة: 180) كانت في بداية الإسلام قبل نزول آيات المواريث. فلما نزلت سورة النساء، حددت الأنصبة، وجاء النبي ﷺ في حجة الوداع (أمام عشرات الآلاف من الصحابة) ليعلن الحكم النهائي: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث".
ثانياً: التفسير المقلوب لقوله تعالى ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾
استدل الكاتب بكلمة ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ليبرر للأب حرمان بعض أبنائه وإعطاء آخرين! وهذا من أعجب التفسيرات.
أجمع المفسرون (كابن عباس وغيره) على أن "الضرار في الوصية" هو أن يتعمد الميت الإضرار بورثته الشرعيين، إما بالإقرار بدين وهمي، أو بالوصية بأكثر من الثلث لإنقاص حقوقهم، أو بالوصية لوارث دون آخر نكايةً به.
الكاتب جعل "الضرار" هو الالتزام بقسمة الله، وجعل "العدل" هو ما يراه الأب بهواه، وهذا قلبٌ صريح لموازين الشريعة.
ثالثاً: تفنيد الحجج العاطفية (حكمة الله مقابل هوى البشر)
ساق الكاتب خمسة أمثلة عاطفية (الابن العاق، الابن المعاق، تساوي الالتزامات...) ليثبت أن التوزيع البشري أعدل من القسمة الشرعية.
والرد على ذلك:
1. القصور البشري: الله تعالى علق على قسمة المواريث بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
فالعقل البشري قاصر؛ فالابن العاق اليوم قد يتوب غداً، والابن الغني اليوم قد يفتقر غداً. بناء التوزيع على "الحالة اللحظية" عند الموت يفتح باباً لصراعات عائلية لا تنتهي.
2. الميراث مبني على "القرابة" لا على "الحاجة" أو "الصلاح": فلو كان الميراث يوزع بحسب "البر والعقوق"، لأصبح التملق والنفاق بين الأبناء هو السائد طمعاً في المال، ولتحولت المحاكم إلى ساحات لإثبات من هو "البار" ومن هو "العاق".
فالشريعة جعلت الميراث حقاً موضوعياً ثابتاً (القرابة) لقطع دابر النزاع.
رابعاً: معالجة الحالات الخاصة (البديل الشرعي الصحيح)
فالشريعة الإسلامية لم تغفل الحالات الإنسانية التي ذكرها الكاتب (الابن المريض، الأبناء الصغار)، لكنها عالجتها بأدوات أخرى غير "الوصية بعد الموت"، وهي:
الهبة حال الحياة (التصرف الناجز): فيحق للأب في حال صحته وحياته أن يَهَب ابنه المريض أو المحتاج أو بناته الصغار ما يسد حاجتهم، بشرط أن يكون تمليكاً فورياً وناجزاً في حياته، ولا يعلقه بوفاته (لأن تعليقه بالوفاة يجعله وصية).
خصص الفقهاء قاعدة "العدل في العطية بين الأبناء"، واستثنوا جواز التفضيل إذا وُجد مسوغ شرعي كمرض مزمن، أو عجز، أو كثرة عيال، أو انشغال بطلب العلم.
الخلط عند الكاتب جاء من عجزه عن التفريق بين "تصرفات الإنسان في ماله حال حياته" (وهي واسعة ومبنية على الهبة والوقف) وبين "تصرفاته بعد موته" (وهي مقيدة بالثلث لغير الوارث، وممنوعة للوارث حمايةً للأسرة من التشظي).
خامساً: مغالطات تاريخية وفقهية في الرسالة
ادعى الكاتب أن فقهاء الشيعة هم من حصروا الوصية في "حدود الثلث".
وهذا خطأ فادح؛ فحصر الوصية بالثلث هو محل إجماع عند السنة والشيعة على حد سواء، ومستندهم في ذلك أصح الأحاديث، كحديث سعد بن أبي وقاص المتفق عليه عندما أراد أن يوصي بماله كله، فقال له النبي ﷺ: "الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
تقييد المطلق في القرآن بالسنة النبوية ليس "استبدالاً" كما يزعم الكاتب، بل هو صميم المنهجية التشريعية المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾.
الخلاصة الفقهية:
الرأي الوارد في هذه الرسالة باطل شرعاً ومخالف للإجماع. هو دعوة صريحة لإبطال آيات المواريث وتفريغها من مضمونها بحجة "المقاصد المتوهمة". فالنظام الإرثي الإسلامي منظومة متكاملة، والوصية شُرعت لتدارك ما لا يستدركه الميراث (كأعمال البر، والأقارب غير الوارثين)، لا لتكون معول هدم للأنصبة التي تكفل الله سبحانه وتعالى بقسمتها من فوق سبع سماوات.
