رجوع إلى الفتاوى آداب المساجد والانتفاع بها

بقاء قبلة المسجد على انحراف خمس وثلاثين درجة

فتوى١٨٨٣زيارة٠مشاركة
السؤال

مسجد نسبة الخطأ في القبلة ٣٥ درجة باتجاه الغرب هل يصح أن تبقى القبلة على حالها؟

خلاصة الجواب

الصلاةُ صحيحةٌ بهذا الانحرافِ على أصلِ الحنفيةِ ومن وافقهم، والإعادةُ غيرُ واجبة، وتعديلُ القبلةِ إلى السَّمتِ مستحبٌّ مؤكَّدٌ لا واجبٌ على وجهِ الإبطال؛ جمعًا بين العملِ بسَعةِ الجهةِ التي دلَّ عليها النصُّ، وبين الأخذِ بالأحوطِ والأَولى عند القدرةِ على الإصابة، من غيرِ غلوٍّ في التشديدِ ولا تساهلٍ في التمييع.

الجواب المفصَّل

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

جوابٌ فقهيٌّ في حكمِ بقاءِ قبلةِ المسجدِ على انحرافها

ا. د. محمد طه حمدون السامرائي

حكم نسبةُ الخطأ في مسجد قبلته خمسٌ وثلاثون درجةً (٣٥°) باتجاه الغرب، فهل يصحُّ أن تبقى القبلةُ على حالها؟

أولًا: الأصلُ المذهبيُّ

استقبالُ عينِ الكعبةِ فرضٌ على من كان مشاهدًا لها أو بحضرتها.

وأمَّا البعيدُ عنها فالذي عليه الجمهورُ (الحنفيةُ والمالكيةُ والحنابلةُ) أنَّ فرضَه استقبالُ الجهةِ لا إصابةُ العين؛ لتعذُّرِ إصابةِ العينِ يقينًا مع البُعد.

وذهب الشافعيةُ في المعتمدِ إلى أنَّ الفرضَ إصابةُ العينِ اجتهادًا، مع عفوِهم عن الانحرافِ اليسير.

ثانيًا: عُمدةُ القائلين بالاكتفاءِ بالجهة

ومن أقوى ما استدلَّ به الحنفيةُ ومن وافقهم: حديثُ «ما بين المشرقِ والمغربِ قبلةٌ»، رُوِيَ مرفوعًا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أخرجه الترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، وأخرجه ابنُ ماجه، ورُوِيَ موقوفًا على عمرَ رضي الله عنه. وهو دليلٌ على أنَّ فرضَ البعيدِ الجهةُ، وأنَّ التحرِّيَ لا يُشترَطُ فيه إصابةُ العين.

ثالثًا: تحقيقُ دلالةِ الحديث

١) أنَّ الخطابَ في حقِّ أهلِ المدينةِ ومن كان على سَمتِهم ممَّن قبلتُه إلى الجنوب، فيكون ما بين مشرقِهم ومغربِهم قبلةً؛ وأمَّا غيرُهم فبحسبِ جهتِه، فمن كانت قبلتُه إلى الشرقِ فما بين شمالِه وجنوبِه قبلةٌ.

فالحديثُ مُقرِّرٌ لسَعةِ الجهةِ ونفيِ اشتراطِ إصابةِ العين، لا أنَّ كلَّ ما بين المشرقِ والمغربِ سواءٌ لكلِّ أحدٍ في كلِّ بلد.

أنَّ محقِّقي الحنفيةِ — كالعلامةِ ابنِ عابدين — نبَّهوا على أنَّ الجهةَ المعتبرةَ هي ما يُؤدِّي إليه الدليلُ (المحاريبُ والنجومُ وما يقومُ مقامَها)، وأنَّ المعفوَّ عنه هو الانحرافُ اليسير؛ فليس الحديثُ إذنًا في تعمُّدِ الانحرافِ الكثيرِ مع العلمِ بالسَّمت.

رابعًا: الحكمُ على وجهِ التفصيل

صحةُ الصلاة:

الانحرافُ بمقدارِ (٣٥°) في بلدٍ قبلتُه إلى جهةٍ قريبةٍ من إحدى الجهاتِ الأصليةِ واقعٌ ضمنَ القوسِ الذي دلَّ عليه الحديثُ، فالصلاةُ صحيحةٌ ماضيةً ومستقبَلةً، ولا يُحكَمُ ببطلانها على أصلِ الحنفية.

والقولُ بعدمِ الصحةِ عند تركها مبنيٌّ على المسلكِ المضيِّق، والصوابُ التفصيل.

الصلواتُ الماضية: صحيحةٌ لا تجبُ إعادتُها قطعًا؛ لأنَّ المصلِّين أدَّوا فرضَهم على ما بُنِيَ عليه المحرابُ وما وسِعَهم من الاجتهاد.

تعديلُ القبلة: تصحيحُ الصفوفِ إلى السَّمتِ الدقيقِ أَولى وأحوطُ، بل هو مقتضى تحقيقِ المحققين عند تيسُّرِ المعرفةِ اليقينيةِ بالقبلةِ اليوم؛ إذ لا وجهَ لتعمُّدِ المجانبةِ مع القدرةِ على الإصابة. فيبقى التصحيحُ مندوبًا مؤكَّدًا لا شرطًا تبطُلُ الصلاةُ بفواته. ويكفي تعديلُ خطوطِ الصفوفِ ولو لم يُهدَمِ المحراب.

الخلاصةُ

الصلاةُ صحيحةٌ بهذا الانحرافِ على أصلِ الحنفيةِ ومن وافقهم، والإعادةُ غيرُ واجبة، وتعديلُ القبلةِ إلى السَّمتِ مستحبٌّ مؤكَّدٌ لا واجبٌ على وجهِ الإبطال؛ جمعًا بين العملِ بسَعةِ الجهةِ التي دلَّ عليها النصُّ، وبين الأخذِ بالأحوطِ والأَولى عند القدرةِ على الإصابة، من غيرِ غلوٍّ في التشديدِ ولا تساهلٍ في التمييع.

والله تعالى أعلمُ.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب آداب المساجد والانتفاع بها
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top