رجوع إلى الفتاوى الزكاة والصدقات

المفاضلة بين نصاب الذهب والفضة واقتراح الجمع بين نصفيهما

فتوى٢١٧٣زيارة٠مشاركة
السؤال

ما رأيك شيخنا هل يكون نصاب الزكاة على قيمة الذهب ام على قيمة الفضة؟

وهل ممكن ان يكون مجموع قيمة نصف؟نصاب الذهب ونصف نصاب الفضة؟

خلاصة الجواب

ولا يعني هذا الترجيح إبطال القول الآخر أو تخطئة القائلين به، فالمسألة اجتهادية، والخلاف فيها سائغ. غير أن المفتي والقاضي ينبغي لهما أن يأخذا بما هو أوفق بمقاصد الشريعة وأقرب إلى تحقيق العدل بين الناس. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الجواب المفصَّل

لا يجوز هذا الحساب الهجين

و الحساب على الذهب أولى و اوفق لمقاصد التشريع

مقالة فقهية مقارنة في حكم تقدير نصاب زكاة المال بالذهب أم بالفضة

مع ترجيح اعتبار نصاب الذهب لكونه أوفق لحقيقة الغنى المعتبر شرعاً

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

إن الزكاة ركنٌ من أركان الإسلام، وفريضةٌ محكمةٌ أحكامها، مبنيةٌ على قواعد ثابتة وأصول راسخة.

ومن أهم هذه الأصول تحديد النصاب، وهو الحد الأدنى من المال الذي تجب فيه الزكاة، والذي يُعدُّ في الاصطلاح الفقهي علامةً على الغنى الموجب للزكاة. وقد حدَّد الشارع الحكيم نصاب النقدين بعشرين مثقالاً من الذهب، ومائتي درهم من الفضة، وكان هذان النصابان متساويين في القيمة في العهد النبوي الشريف.

غير أن التطور الاقتصادي عبر العصور أدى إلى تفاوت كبير بين قيمة الذهب والفضة، حتى بلغ الفارق بينهما في عصرنا الحاضر ما يقارب عشرة أضعاف أو أكثر.

وقد أثار هذا التفاوت إشكالاً فقهياً معاصراً، وهو: أيُّ النصابين يُعتبر أصلاً في تقدير نصاب الأوراق النقدية وعروض التجارة؟

هل هو نصاب الذهب (85 جراماً)، أم نصاب الفضة (595 جراماً)؟

المبحث الأول: تحرير محل النزاع وبيان الأصل الشرعي للنصاب:

المطلب الأول: تعريف النصاب وحكمته:

النصاب لغةً: الأصل والمرجع، ومنه قولهم: "رجع إلى نصابه" أي أصله.

واصطلاحاً: هو القدر الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة، وما دونه معفوٌّ عنه (الموسوعة الفقهية الكويتية، مادة "نصاب").

والحكمة من اشتراط النصاب أن الزكاة إنما تجب على الأغنياء لتُردَّ على الفقراء، كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما).

فالنصاب إذن هو الحد الفاصل بين الغنى والفقر في باب الزكاة.

المطلب الثاني: الأدلة الشرعية على نصاب الذهب والفضة:

ثبت نصاب الذهب والفضة بالسنة النبوية الشريفة والإجماع:

أولاً: نصاب الذهب (عشرون مثقالاً = 85 جراماً تقريباً):

استدل الفقهاء على نصاب الذهب بما ثبت عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً" (رواه ابن ماجة، رقم 1791).

وبما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك" (رواه أبو داود، رقم 1573).

ثانياً: نصاب الفضة (مائتا درهم = 595 جراماً تقريباً):

استدل الفقهاء على نصاب الفضة بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" (متفق عليه). والأوقية أربعون درهماً، فخمس أواق تساوي مائتي درهم.

ثالثاً: الإجماع:

نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع العلماء على هذين النصابين.

قال الإمام النووي رحمه الله: "وأما الذهب فقد ذكرنا أن مذهبنا أن نصابه عشرون مثقالاً، ويجب فيما زاد بحسابه ربع العشر، قلَّت الزيادة أم كثرت، وبه قال الجمهور من السلف والخلف" (النووي، المجموع شرح المهذب، 5/503).

المطلب الثالث: التساوي بين النصابين في العهد النبوي:

من المسائل الجوهرية في هذا البحث أن نصاب الذهب ونصاب الفضة كانا متساويين في القيمة في العهد النبوي الشريف.

فقد كان الدينار الذهبي يساوي عشرة دراهم فضية، فيكون نصاب الذهب (عشرون ديناراً) مساوياً لنصاب الفضة (مائتي درهم) (الشيخ يوسف القرضاوي، فقه الزكاة).

فلم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل هناك نصابين، وإنما هو نصاب واحد قُدِّر بعملتين؛ لأن النصاب معناه في الشرع: الحد الأدنى للغنى"

المبحث الثاني: أقوال المذاهب الفقهية في المسألة:

المطلب الأول: مسألة ضم الذهب إلى الفضة لتكميل النصاب

اختلف الفقهاء في مسألة ضم أحد النقدين إلى الآخر لتكميل النصاب على قولين رئيسيين:

القول الأول: وجوب الضم.

وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، وقول الحسن وقتادة والثوري والأوزاعي .

واستدلوا :

بما روي عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه قال: "مضت السنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بضم الذهب إلى الفضة، والفضة إلى الذهب في إخراج الزكاة" .

كما استدلوا بأن الذهب والفضة مالان متحدان في المعنى الذي تعلق به وجوب الزكاة، وهو الإعداد للتجارة بأصل الخلقة والثمنية، فكانا في حكم الزكاة كجنس واحد.

القول الثاني: عدم جواز الضم. وهو مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، وقول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي عبيد وأبي ثور .

واستدلوا:

بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".

ولأنهما جنسان مختلفان صورةً ومعنىً، فلا يُضم أحدهما إلى الآخر كالسوائم عند اختلاف الجنس.

المطلب الثاني: كيفية الضم عند القائلين به:

اختلف القائلون بالضم في كيفيته على قولين:

القول الأول: الضم بالأجزاء. وهو قول الصاحبين من الحنفية (أبي يوسف ومحمد) والإمام مالك والأوزاعي وأحمد في رواية .

ومعناه أن كل قدر من الذهب والفضة يكمل نسبة بقية النصاب للآخر. فمن ملك نصف نصاب من الذهب (عشرة مثاقيل) ونصف نصاب من الفضة (مائة درهم) وجبت عليه الزكاة.

القول الثاني :وذهب الشافعية وهو رواية أخرى عن أحمد وقول أبي عبيد وابن أبي ليلى وأبي ثور إلى أنه لا تجب في أحد الجنسين الزكاة حتى يكمل وحده نصابا،

المطلب الثالث: أقوال الفقهاء في تقويم عروض التجارة:

اختلف الفقهاء في أيِّ النقدين يُعتبر أصلاً في تقويم عروض التجارة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: التقويم بما هو أنفع للفقراء، وهو قول أبي حنيفة والحنابلة، ودليلهم مراعاة مصلحة الفقراء.

القول الثاني: التخيير للمالك، وهو رواية عن أبي حنيفة ومحمد، فإن كان إذا قومها بأحدهما لا تبلغ نصابا، وبالآخر تبلغ نصابا، تعين عليه التقويم بما يبلغ نصابا

ودليلهم تساوي الثمنين

القول الثالث: وما يباع غالبا بالفضة، بالفضة؛ لأنه قيمة الاستهلاك. فإن كانت تباع بهما واستويا بالنسبة إلى الزكاة، يُخيَّر. وإلا فمن قال: “الأصل في الزكاة الفضة” قوَّم بها.

وإن قلنا: إنهما أصلان.

فقال أبو حنيفة وابن حنبل: يعتبر الأفضل للمساكين؛ لأن التقويم لحقهم.

وقال الشيخ ميارة في “الدر الثمين”، وأبو الحسن الشاذلي المالكي في “كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني”: يقوم كل جنس بما يباع به غالبا في ذلك الوقت قيمة عدل .. فالديباج وشبهه، والرقيق والعقار يقوم بالذهب، والثياب الغليظة واللبيسة وشبهها، تقوم بالفضة.

المبحث الثالث: آراء المجامع الفقهية ودور الإفتاء المعاصرة

الأول: قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية:

ذهبت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية إلى أن نصاب الأوراق النقدية هو أدنى النصابين من الذهب أو الفضة.

وقد جاء في قرارها: "وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة" (قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية،).

وقد بنت الهيئة قرارها على أن الأخذ بأدنى النصابين هو الأحظ للفقراء، وأن الأوراق النقدية بدل عن الذهب والفضة، فتأخذ حكمهما.

الثاني: فتوى دار الإفتاء المصرية:

ذهبت دار الإفتاء المصرية إلى اعتبار نصاب الذهب في تقدير زكاة الأموال النقدية. وقد جاء في فتواها: "الزكاة تجب في أموال الوديعة إذا بلغت النصاب وهو ما يساوي قيمة 85 جرامًا من الذهب عيار 21، وحال عليها الحول بقيمة 2.5%" (دار الإفتاء المصرية، "النصاب الشرعي الذي تجب فيه زكاة المال").

الثالث: فتوى دار الإفتاء الأردنيةذهبت دار الإفتاء الأردنية إلى اعتبار نصاب الذهب (85 جراماً) في تقدير زكاة الأموال النقدية، وهو ما ذهب إليه أكثر المعاصرين (دار الإفتاء الأردنية، "الأصل الشرعي لنصاب الذهب وتقديره بالأوزان المعاصرة").

الرابع: رأي الشيخ يوسف القرضاوي:

ذهب الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله في كتابه "فقه الزكاة" إلى أن الأولى في تقدير نصاب الزكاة في عصرنا أن يكون بالذهب لا بالفضة. وقد علَّل ذلك بقوله: "إذا قدرنا العملة الورقية بالفضة فإنها لن يزيد نصابها عن خمسين ريالاً، وإذا قدرناها بالذهب فسوف يكون الفرق بين النصابين كبيراً... أما نصاب الفضة فهو قليل جداً، ولا ينبغي اعتباره؛ لأن من يحوز خمسين ريالاً لا يُعتبر غنياً" (موقع الشيخ يوسف القرضاوي، "بماذا يقدر نصاب النقود في الزكاة؟").

الخامس: فتوى المجلس العلمي الأعلى بالمغرب

اقترح المجلس العلمي الأعلى بالمغرب في فتوى حديثة له (أكتوبر 2025) أن يكون التقويم في تقدير النصاب على أساس الفضة، مع إعطاء الخيار للمكلف في اعتماد تقويم الذهب.

وقد بيَّن المجلس أن نصاب الذهب يعادل حوالي 68000 درهم مغربي، بينما نصاب الفضة يعادل حوالي 7438 درهماً مغربياً ( "المجلس العلمي الأعلى يحدد مقادير الزكاة").

المطلب الأول: عرض أدلة القائلين بنصاب الفضة:

استدل القائلون باعتبار نصاب الفضة في تقدير زكاة الأموال النقدية بعدة أدلة:

الدليل الأول: أن نصاب الفضة مجمع عليه، بينما نصاب الذهب فيه خلاف يسير في تقديره بالأوزان المعاصرة.

الدليل الثاني: أن الأخذ بنصاب الفضة هو الأحظ للفقراء، لأنه يوجب الزكاة على عدد أكبر من الناس.

الدليل الثالث: أن الأصل في الأثمان هو الفضة، والذهب فرع عليها، بدليل أن الدراهم كانت أكثر تداولاً في المعاملات.

المطلب الثاني: عرض أدلة القائلين بنصاب الذهب:

باستدل القائلون باعتبار نصاب الذهب في تقدير زكاة الأموال النقدية بعدة أدلة:

الدليل الأول: تحقيق معنى الغنى المعتبر شرعاً.

النصاب هو الحد الأدنى للغنى الذي تجب فيه الزكاة. والغنى الموجب للزكاة يجب أن يكون غنىً حقيقياً في عرف الناس.

وبالنظر إلى الواقع المعاصر، فإن من يملك ما يعادل قيمة نصاب الفضة لا يُعدُّ غنياً في عرف الناس، بل قد يكون من مستحقي الزكاة.

الدليل الثاني: الثبات النسبي لقيمة الذهب. حافظ الذهب على قيمته بشكل كبير عبر العصور، بينما شهدت قيمة الفضة انخفاضاً حاداً.

وهذا يجعل الذهب مقياساً أكثر ثباتاً واستقراراً للغنى من الفضة.

الدليل الثالث: التوافق مع أنصبة الأموال الأخرى. نصاب الذهب يتناسب مع أنصبة الأموال الزكوية الأخرى، كنصاب الإبل (خمس من الإبل) والغنم (أربعون من الغنم) والبقر (ثلاثون من البقر)، مما يدل على أن الشارع قصد حداً معيناً من الغنى تتوافق فيه هذه الأنصبة (موقع الشيخ يوسف القرضاوي، "بماذا يقدر نصاب النقود في الزكاة؟").

الدليل الرابع: مقصد الشارع في عدم تعدد الأنصبة. لم يقصد الشارع ابتداءً أن يجعل للزكاة نصابين مختلفين في القيمة، وإنما كان النصابان متساويين في القيمة في العهد النبوي.

فلما اختلفا في القيمة، وجب الرجوع إلى الأصل الذي يحقق مقصد الشارع.

المطلب الثالث: الترجيح:

بعد عرض أقوال الفقهاء والمجامع الفقهية وأدلتهم، يترجح أن القول باعتبار نصاب الذهب في تقدير زكاة الأموال النقدية وعروض التجارة هو الأقوى دليلاً، والأوفق بمقاصد الشريعة،

وذلك للأسباب التالية:

وإذا كان نصاب الفضة في عصرنا لا يحقق معنى الغنى المعتبر شرعاً، فإن التمسك به يؤدي إلى إيجاب الزكاة على من ليس بغني، وهذا مخالف لمقصد الشارع.

ثانياً: من جهة القياس الأصولي.

الذهب والفضة كانا متساويين في القيمة في العهد النبوي، فكان تقدير النصاب بأحدهما كتقديره بالآخر.

فلما اختلفا في القيمة، وجب الرجوع إلى ما يحقق المقصد الشرعي، وهو الذهب الذي حافظ على قيمته أو الغنى .

رابعاً: من جهة المصلحة المرسلة.

اعتبار نصاب الذهب يحقق التوازن بين مصلحة الفقراء ومصلحة المزكين، فلا يُحمَّل من ليس بغني عبء الزكاة، ولا يُحرم الفقراء من حقهم في أموال الأغنياء الحقيقيين.

خامساً: من جهة سد الذرائع. اعتبار نصاب الفضة قد يؤدي إلى تعطيل مقاصد الزكاة، إذ يصبح كثير من الناس ملزمين بالزكاة وهم في حقيقة الأمر فقراء أو من ذوي الدخل المحدود.

الخاتمة:

بناءً على ما سبق من عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم، وآراء المجامع الفقهية ودور الإفتاء المعاصرة، ومناقشة الأدلة والترجيح بينها، يتبيَّن أن الراجح في مسألة تقدير نصاب زكاة المال في عصرنا هو اعتباره بقيمة 85 جراماً من الذهب.

وهذا القول هو الذي يحقق مقاصد الشريعة في الزكاة، ويراعي حقيقة الغنى المعتبرة شرعاً، ويحقق التوازن بين مصلحة الفقراء والمزكين.

كما أنه القول الذي يتوافق مع الواقع الاقتصادي المعاصر، حيث أصبح الذهب هو المعيار العالمي للثروة والغنى، بينما فقدت الفضة كثيراً من قيمتها.

ولا يعني هذا الترجيح إبطال القول الآخر أو تخطئة القائلين به، فالمسألة اجتهادية، والخلاف فيها سائغ.

غير أن المفتي والقاضي ينبغي لهما أن يأخذا بما هو أوفق بمقاصد الشريعة وأقرب إلى تحقيق العدل بين الناس.

والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عفوا للتوضيح لا اقصد بالهجين كنسبة للقائل فهو اعز و أجل شيخنا الفاضل

لكن عنيت أن القول بالهجين الخليط بين الذهب و الفضة بأن يكون الحساب بينهما وليس على أحدهما.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الزكاة والصدقات
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top