الصلاة في مسجد فيه قبر
ما التفصيل الفقهي في الصلاة في مسجد فيه قبر؟
مسألة: حكم الصلاة في مسجد فيه قبر
اختلف الفقهاء في الصلاة في مسجد فيه قبر
1-القول الأول: ذهب الشافعية و الحنفية إلى كراهة الصلاة في مسجد فيه قبر
قال الشافعي في الأم :" وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدٌ، وَأَنْ يُسَوَّى أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَوًّى أَوْ يُصَلَّى إلَيْهِ.
2-القول الثاني: ذهب المالكية إلى جواز الصلاة في مسجد فيه قبر بلا كراهة.
3-ذهب الحنابلة و الظاهرية إلى تحريمه مطلقا و أن الصلاة في مسجد فيه قبر باطلة.
قال الحافظ ابن حزم رحمه الله في المحلى:
(( ولا تحل الصلاة في حمام، سواء في ذلك مبدأ بابه إلى منتهى جميع حدوده، ولا على سطحه، ومستوقده، وسقفه، وأعالي حيطانه، خربا كان أو قائما : فإن سقط من بنائه شيء فسقط عنه اسم " حمام " جازت الصلاة في أرضه حينئذ . ولا في مقبرة - مقبرة مسلمين كانت أو مقبرة كفار -، فإن نبشت وأخرج ما فيها من الموتى جازت الصلاة فيها . ولا إلى قبر، ولا عليه، ولو أنه قبر نبي أو غيره)).انتهى
و قال ابن تيمية رحمه الله:«اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك، وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غيّر إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديداً، وإن كان المسجد بني بعد القبر، فإما أن يزال المسجد، وإما تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه». اهـ.
و قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-:« وعلى هذا؛ فيهدم المسجد إذا ابني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معاً لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجداً، أو أوقد عليه سراجاً، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه بين الناس كما ترى». انظر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (3/572).
احتج من قال بالتحريم بجملة من الآثار منها:
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في الحديث الذي يرويه الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، فالنهي هنا من اتخاذ القبر معبوداً ومعظماً، جاء في [شرح صحيح البخاري لابن بطال 3/ 311] في قول عائشة رضي الله عنها عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم: "ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أنى أخشى أن يتخذ مسجداً، قال المهلب: هذا النهى من باب قطع الذريعة، لئلا يعبد قبره الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها
واحتج من قال بالجواز بأن قال:
لم يرد أي دليل في تحريم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، وسواء بُنِيَ المسجد بعد وجود القبر أم وُجِدَ القبر بعد بناء المسجد.
قالوا : أما استدلال البعض على عدم صحة الصلاة في أمثال هذه المساجد بالأحاديث الواردة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد ففيه نظر.
من ذلك: قـوله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يمـوت بخمس: {إن من كان قبلكـم كانوا يتخذون قبـور أنبيائهم وصالحيهم مسـاجد، ألا فلا تتخـذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك} .
وبقوله -صلى الله عليه وسلم- : {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} .
وهما لا يقومان حجة لبطلان الصلاة في المسجد المحتوي على القبر؛ وذلك لأن اللفظ (المساجد) يحتمل أن يكون اسم مكان، ويحتمل أن يكون مصدراً ميمياً، ولا يمكن حمله على الأول لأمرين
أحدهما: أنه لو أُرِيدَ المكان لكان لفظ الحديث لا تتخذوا على القبور مساجد، أو اتَّخَذُوا على قبور أنبيائهم مساجد كما ورد في قوله تعالى (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً) .
ثانيهما: لا يُراد المكان هنا وإلا فالصلاة ينبغي القول بصحتها وعدم تحريمها؛ لأن لفظ الحديث الأول ينهى عن اتخاذ المسجد على القبور والثاني يلعن من يتخذ على القبر مسجداً، فالتحريم واللعن يتسلطان على الباني والمُتَّخِذ، لا على المصلي؛ لأنه لم يتخذ المكان مسجداً بل غيره هو المتخذ. فلابد من حمل المعنى على المصدر الميمي. أي اتخاذ القبور مساجد يسجدون إليها ويعبدونها أو يعظمونها.
فيتلخص من هذا، أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فيها ثلاثة أقوال:
1-القول الأول: صحة صلاته مع الكراهة، و هذا مذهب الشافعية و جماعة من الحنفية.
2-القول الثاني: الجواز بلا كراهة و هذا مذهب المالكية.
3-القول الثالث: التحريم مطلقا، مع وجوب إعادة الصلاة.
و هذا القول الأخير هو الراجح إن شاء الله، و الاحتياط يقتضي التمسك به.
قال الإمام الشنقيطي في ذلك في أضواء البيان (2/429)، فقال: " أظهر الأقوال دليلاً في هذه المسألة عندي قول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- لأن النصوص صريحة في النهي عن الصلاة في المقابر ولعن من اتخذ المساجد عليها، وهي ظاهرة جداً في التحريم .
أما البطلان فمحتمل، لأن النهي يقتضي الفساد لقوله صلى الله عليه وسلم : ; من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو در ; والصلاة في المقابر منهي عنها، فليست من أمرنا فهي رد .
ويحتمل أن يقال : الصلاة من أمرنا فليست رداً، وكونها في المكان المنهي عنه هو الذي ليس من أمرنا . كما علم الخلاف بين العلماء في كل منهي عنه له جهتان : إحداهما مأمور به منها ككونه صلاة، والأخرى منهي عنه منها ككونه في موضع نهي أو وقت نهي أو أرض مغصوبة أو بحرير او ذهب ونحو ذلك فإنهم يقولون : إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه .
ولكنهم عند التطبيق يختلفون، فيقول أحدهم : الجهة هنا منفكة . ويقول الآخر : ليست منفكة كالعكس .
فيقول الحنبلي مثلاً الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك فيها جهة الأمر عن جهة النهي . لكون حركة أركان الصلاة كالركوع والسجود والقيام كلها يشغل المصلي به حيزاً من الفراغ ليس مملوكاً له فنفس شغله له بدنه أثناء الصلاة حرام، فلا يمكن أن يكون قربه بحال . فيقول المعترض كالمالكي والشافعي : الجهة منفكة هنا لأن هذا الفعل من حيث كونه صلاة قربة، ومن حيث كونه غصباً حرام، فله صلاته وعليه غصبه كالصلاة بالحرير . وإلى هذه المسألة وأقوال العلماء فيها أشار مراقي السعود بقوله :
دخول ذي كراهة فيما أمر …. به بلا قيد وفصل قد حظر
فنفى صحة ونفى الأجر …. في وقت كره للصلاة يجري
وإن يك النهي عن الأمر انفصل …. فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل
وذا إلى الجمهور ذو انتساب …. وقيل بالأجرة مع العقاب
وقد روى البطان والقضاء …. وقيل ذا فقط له انتفاء
مثل الصلاة بالحرير والذهب …. أو في مكان الغصب والوضو انقلب
ومعطن ومنهج ومقبره …. كنيسة وذي حميم مجزرة" اهـ .
النص المعروض دراسة خلافية، والتعقيب المحفوظ يؤيد عرضه للأقوال وأدلتها، ولا يتضمن إعادة بحث مستقلة. جُمعت الدراسة مع التعقيب لئلا يُنشر التأييد المجمل وحده جوابًا كافيًا، وبقيت قيود المكان والقبر وصور الصلاة في النص التفصيلي.
دقة العزو: نسبة الكراهة للشافعية والحنفية، والجواز للمالكية، والتحريم والمنع للحنابلة والظاهرية واختيار ابن تيمية وابن القيم، هو عزو فقهي متقن ومطابق تماماً لما في أمهات الكتب.
عرض الأدلة: أورد الكاتب أدلة المانعين (أحاديث اللعن والنهي عن اتخاذ القبور مساجد) وناقش ردود المجيزين (احتمال المصدر الميمي بدل اسم المكان) بشكل موضوعي ورصين، ثم ختم بترجيح الإمام الشنقيطي في "أضواء البيان"، وهو ترجيح علمي معتبر.
