رجوع إلى الفتاوى أصول البيع وشروطه والغرر

البوفيه المفتوح والغرر اليسير في مقدار الطعام

فتوى٥٣٥٥زيارة٠مشاركة
السؤال

ما حكم دفع مبلغ ثابت للأكل من البوفيه المفتوح دون تعيين مقدار الطعام؟

خلاصة الجواب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حُكْمُ «البوفيه المفتوح» دراسةٌ فقهيةٌ مقارنةٌ في ضوء آراء دور الإفتاء والمجامع الفقهية ا.د.

الجواب المفصَّل

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

حُكْمُ «البوفيه المفتوح»

دراسةٌ فقهيةٌ مقارنةٌ في ضوء آراء دور الإفتاء والمجامع الفقهية

ا.د. محمد طه حمدون السامرّائي

الحمد لله الذي أحلَّ البيع وحرَّم الربا، وأقام شريعته الغرَّاء على رفع الحرج والتيسير، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم القائل: «إنما بُعِثتُم مُيسِّرين ولم تُبعَثوا مُعسِّرين»، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم القويم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فإنَّ من النوازل التجارية التي عمَّت بها البلوى في هذا العصر، وكثُر دورانُ السؤال عنها في مجالس الإفتاء، ما اصطُلِح على تسميته بـ«البوفيه المفتوح»؛ وهو أن يدفع الزبونُ مبلغًا مقطوعًا معلومًا، فيُؤذَن له أن يأكل ما شاء من الأصناف المعروضة في حدود العُرف دون تحديدٍ لمقدار المأكول. وقد ثار حول هذه المعاملة نزاعٌ بين أهل العلم المعاصرين؛ بين مُجيزٍ يستند إلى أصول التيسير واغتفار الغرر اليسير، ومانعٍ يحتجُّ بجهالة المعقود عليه ودخول الغرر في العقد.

ولمَّا كانت هذه المعاملةُ ممَّا تَعُمُّ به الحاجةُ، ويتكرَّر وقوعُه في المطاعم والفنادق وقاعات الأفراح، رأيتُ أن أُفرِدها بدراسةٍ فقهيةٍ مقارنةٍ تُحرِّر محلَّ النزاع، وتردُّ الفرعَ إلى أصله المقرَّر في كتب الفقهاء، ثم تَعرِض أقوالَ المعاصرين وآراءَ دور الإفتاء والمجامع الفقهية والهيئات الشرعية، مع المناقشة والترجيح وبيان الضوابط؛ التزامًا بالمنهج الوسطي الذي لا إفراطَ فيه ولا تفريط، وبُعدًا عن التشدُّد المُحرِّج والتمييع المُفرِّط.

وقد جعلتُ هذه الدراسةَ في ستة مباحثَ وخاتمة: فالمبحث الأول في تصوير المسألة وتكييفها الفقهي، والثاني في تأصيلها على قاعدة الغرر اليسير المغتفر، والثالث في أقوال الفقهاء المعاصرين، والرابع في آراء دور الإفتاء، والخامس في موقف المجامع الفقهية والمعايير الشرعية، والسادس في ضوابط الجواز وشروطه، ثم الخاتمة وأبرز النتائج. والله أسأل التوفيقَ والسداد.

المبحث الأول: تصوير المسألة وتكييفها الفقهي

المطلب الأول: تعريف «البوفيه المفتوح» وحقيقته

«البوفيه» لفظٌ أعجميٌّ (Buffet) دخَل الاستعمالَ العربيَّ، ويُراد بـ«البوفيه المفتوح»: مكانٌ مخصَّصٌ تُعرَض فيه أصنافٌ من الأطعمة والأشربة، يدفع الزبونُ مقابلها مبلغًا محدَّدًا يحصُل له به الإذنُ في الأكل من جميع الأصناف المعروضة من قِبَل صاحب المكان حتى يشبع، في حدود العُرف الجاري، من غير أن يأخذ منها شيئًا إلى خارج المحلِّ غالبًا(٩). ويلتحق به في الحكم صورٌ مشابهةٌ كثيرةٌ، كدخول صالات الألعاب بأجرةٍ مقطوعةٍ للعب مدةً غير محدَّدة، ودخول المتنزَّهات والحدائق العامة برسمٍ معلوم.

المطلب الثاني: التكييف الفقهي للمعاملة

اختلف الناظرون في تخريج هذه المعاملة على عقودٍ ثلاثة:

الأول: أنها بيعٌ؛ فالمدفوعُ ثمنٌ، والمأكولُ مبيعٌ، وعليه يَرِد الإشكالُ بجهالة قدر المبيع.

الثاني: أنها إجارةٌ أو إباحةٌ بعِوَض؛ فالزبونُ إنما يدفع مقابل الإذن في الانتفاع بالأكل، لا مقابل مقدارٍ معيَّن، أشبهَ ما يكون بدخول الحمَّام بالأجرة.

الثالث: أنها إذنٌ في الإتلاف بعِوَض، أو عقدٌ مستحدَثٌ يُلحَق بأقرب العقود إليه شبهًا.

والتحقيقُ أنَّ الأشبهَ تخريجُها على الإباحة بعِوَضٍ المضبوطة بالعُرف، أو على البيع مع اغتفار الجهالة اليسيرة؛ إذ المقصودُ الأعظمُ للمتعاقدَين هو الإذنُ في الأكل المعتاد، والثمنُ في مقابلته، والعُرفُ يضبط المقدار.

وعلى كِلا التخريجَين فمآلُ المسألة إلى قاعدة الغرر اليسير المغتفر، كما سيأتي تقريرُه.

المطلب الثالث: تحرير مناط الإشكال

مناطُ الإشكال في هذه المعاملة أمران:

جهالةُ مقدار المأكول، وما قد يتبعُها من الغرر؛ فإنَّ مقدار ما يأكله الزبون غيرُ معلومٍ حال العقد، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يأكل القليلَ وقد يأكل الكثير.

فهل هذه الجهالةُ من النوع المؤثِّر المُفسِد للعقد، أم من النوع اليسير المغتفر الذي تسامح فيه الفقهاء؟

هذا هو محلُّ النزاع، وإليه يرجع تحقيقُ الحكم.

المبحث الثاني: التأصيل الفقهي ـ قاعدة الغرر اليسير المغتفر

المطلب الأول: النهي عن بيع الغرر ومراتبه

الأصلُ في هذا الباب ما أخرجه الإمام مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيع الحَصاة، وعن بيع الغَرَر»(١).

والغَرَرُ في اللغة: ما طُوي عنك عِلمُه، وهو الخطرُ الذي لا يُدرى أيكون أم لا.

وفي الاصطلاح: ما تردَّد بين أمرين أغلبُهما أخوفُهما، أو هو المجهولُ العاقبة.

وليس كلُّ غررٍ مانعًا من صحة العقد باتفاق المحقِّقين؛ بل الغررُ مراتبُ ثلاث: غررٌ كثيرٌ فاحشٌ يُفسِد العقدَ إجماعًا، كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء والأجنَّة في البطون؛ وغررٌ يسيرٌ حقيرٌ لا يكاد يخلو منه عقدٌ، وهو مغتفَرٌ إجماعًا؛ وغررٌ متوسِّطٌ يُلحَق بأحد الطرفين بحسب قُربه منه. والنزاعُ في مسألتنا إنما هو في تنزيل البوفيه المفتوح: أمِنَ القسم الفاحش هو أم من اليسير المغتفر؟

المطلب الثاني: نقل الإجماع على اغتفار الغرر اليسير

نقَل غيرُ واحدٍ من أئمة المذاهب الإجماعَ على اغتفار يسير الغرر، ومن نصوصهم في ذلك:

قال الإمام النووي رحمه الله في «المنهاج شرح صحيح مسلم»: «أجمع المسلمون على جواز أشياءَ فيها غررٌ حقيرٌ، منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجُبَّة المحشُوَّة وإن لم يُرَ حَشوُها… وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرًا، مع أنَّ الشهر قد يكون ثلاثين يومًا وقد يكون تسعةً وعشرين… قال العلماء: مدارُ البُطلان بسبب الغرر والصحةِ مع وجوده على أنه إن دعت حاجةٌ إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحترازُ عنه إلا بمشقَّة، وكان الغررُ حقيرًا، جاز البيع، وإلا فلا».(٢)

وقال القاضي أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله في «المنتقى»: «أمَّا يسيرُ الغرر فإنه لا يؤثِّر في فساد عقد بيعٍ، فإنه لا يكاد يخلو عقدٌ منه».(٣)

وقال الإمام ابن رشد الحفيد رحمه الله في «بداية المجتهد»: «والعلماء متفقون على تجويز الغرر القليل».(٤)

وقال الإمام الخرشي المالكي رحمه الله: «الغررُ اليسيرُ يُغتفَر إجماعًا، لكن حيث لا يُقصَد؛ كأساس الدار المبيعة، وإجارتِها مُشاهرةً مع احتمال نقصان الشهور، وكالحبَّة المحشُوَّة واللِّحاف».(٥)

وقرَّر القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي رحمه الله أنَّ يسيرَ الغبن والغرر لا يمكن الاحترازُ منه فيُمضى في البيوع، إذ لو حُكِم برَدِّه ما نفَذ بيعٌ أبدًا(٦)؛ وبيَّن الإمام الخطابي رحمه الله أنَّ ما لا يمكن الاحترازُ منه من الغرر معفوٌّ عنه لمكان الحاجة(٧)؛ وقرَّر الإمام ابن تيمية رحمه الله أنَّ الشريعة استقرَّت على أنَّ ما يُحتاج إلى بيعه مع الغرر فإنه يجوز بيعُه، وأنَّ مصلحةَ جواز البيع المحتاج إليه مقدَّمةٌ على مفسدة الغرر اليسير(٨).

فتحصَّل من مجموع هذه النقول أنَّ اغتفارَ الغرر اليسير أصلٌ محكَّمٌ منقولٌ فيه الإجماعُ، وأنه لا يكاد يخلو عقدٌ من جهالةٍ يسيرة.

المطلب الثالث: النظائر الفقهية المؤصِّلة للمسألة

ومن أوضح النظائر التي نصَّ الفقهاء على جوازها مع وجود الجهالة فيها، وهي أصلٌ لِما نحن فيه: جوازُ دخول الحمَّام بالأجرة المعلومة مع اختلاف الناس في مقدار ما يستعملونه من الماء وفي قدر مُكثهم؛ وجوازُ الشرب من السقَّاء بالعِوَض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين؛ وجوازُ إجارة الدار والدابة شهرًا مع تردُّد الشهر بين الكمال والنقصان.

وقد نقَل الإمامُ النووي الإجماعَ على جواز هذه الصور كلِّها(٢).

ووجهُ الشبه بين هذه النظائر وبين البوفيه المفتوح ظاهرٌ بيِّنٌ؛ فإنَّ الجامعَ بينها كلِّها: دفعُ عِوَضٍ معلومٍ في مقابل انتفاعٍ يختلف مقدارُه باختلاف الأشخاص، وهي جهالةٌ يسيرةٌ منضبطةٌ بالعُرف لا تُفضي إلى نزاع. بل إنَّ مسألة دخول الحمَّام أشدُّ شبهًا بالبوفيه من غيرها؛ إذ كلٌّ منهما إذنٌ بعِوَضٍ في انتفاعٍ مقدارُه غيرُ محدَّد، يُرجَع فيه إلى العادة المطَّردة.

المطلب الرابع: ضابط التمييز بين الغرر الفاحش واليسير

وقد ضبَط الفقهاء الفرقَ بين الغرر المؤثِّر واليسير المغتفر بضوابطَ، يجمعُها أنَّ الغررَ يُغتفَر إذا اجتمعت فيه أمورٌ: أن تدعوَ الحاجةُ إليه، وأن يَعسُر الاحترازُ منه إلا بمشقَّة، وأن يكون يسيرًا تابعًا غيرَ مقصودٍ بالعقد أصالةً، وأن يكون منضبطًا بالعُرف بحيث لا يُفضي إلى المنازعة. فمتى اجتمعت هذه القيودُ صحَّ العقدُ، ومتى تخلَّفت أو غلَب الغررُ حتى صار العقدُ موصوفًا ببيع الغرر فسَد. وهذا الضابطُ هو المعتمَدُ عند المجامع والهيئات الشرعية المعاصرة كما سيأتي في المبحث الخامس.

المبحث الثالث: أقوال الفقهاء المعاصرين في المسألة

المطلب الأول: القول بالجواز وأدلته

ذهب جمهورُ الفقهاء المعاصرين، وعليه عملُ أكثر دور الإفتاء، إلى جواز المعاملة بنظام البوفيه المفتوح، وأنها بيعٌ ـ أو إباحةٌ بعِوَضٍ ـ صحيحٌ.

واستدلوا بأدلَّةٍ، منها:

الأول: أنَّ الأصل في المعاملات الإباحةُ والصحةُ، فلا يُحكَم بالمنع إلا بدليلٍ ناهض، ولا دليلَ هنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(١١).

الثاني: أنَّ الجهالة الواقعة في مقدار المأكول جهالةٌ يسيرةٌ تسامح فيها الفقهاءُ في البيوع، والغررُ فيها قليلٌ لا يُفضي إلى المنازعة، بل يُضبَط بالعُرف(٩).

الثالث: القياسُ على النظائر المُجمَع على جوازها، كدخول الحمَّام بالأجرة والشرب من السقَّاء؛ بجامع دفع العِوَض المعلوم في مقابل انتفاعٍ مجهولِ المقدار منضبطٍ بالعادة.

الرابع: أنَّ صاحب الطعام والزبونَ قد تسامح كلٌّ منهما بما له من حقٍّ عند الآخر، وجرى العُرفُ والعادةُ بالتعامل بهذه الصورة، والعادةُ مُحكَّمةٌ، والمعروفُ عُرفًا كالمشروط شرطًا(٩).

المطلب الثاني: القول بالمنع وأدلته

وذهب بعضُ الفقهاء المعاصرين إلى المنع من هذه المعاملة وعدِّها بيعًا فاسدًا لاشتماله على جهالةٍ في المعقود عليه.

وحاصلُ حجَّتهم: أنَّ البيع يُشترَط فيه أن يكون المبيعُ معلومًا للمتعاقدَين، والمأكولُ في البوفيه غيرُ معلوم المقدار؛ فالداخلُ يأكل ما يشاء بثمنٍ محدَّدٍ والمأكولُ مجهولٌ، وهذا من الغرر المنهيِّ عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع الغرر»(١٢).

المطلب الثالث: المناقشة والترجيح

والذي يترجَّح ـ والله أعلم ـ هو القولُ بالجواز؛ لقوة مأخذه وسلامته من المعارِض.

ويُناقَش دليلُ المانعين من وجوه:

الأول: أنَّ اشتراط العلم بالمبيع مُسلَّمٌ في الجملة، لكنَّ الجهالة المؤثِّرة هي الجهالةُ الفاحشةُ التي تُفضي إلى النزاع، لا مطلقُ الجهالة؛ فإنَّ يسيرَ الغرر مغتفَرٌ إجماعًا كما تقدَّم نقلُه عن النووي والباجي وابن رشد وغيرهم.

الثاني: أنَّ الجهالة هنا منضبطةٌ بالعُرف؛ إذ المتعارَفُ أنَّ الإنسان يأكل ما جرت به عادةُ أمثاله، فلا تُفضي إلى خصومة، وقد رُتِّب سعرُ البوفيه ابتداءً على هذا المتوسِّط المعتاد.

الثالث: أنَّ مَنعَ هذه المعاملة يلزم منه مَنعُ نظائرها المُجمَع على جوازها، كدخول الحمَّام بالأجرة والشرب من السقَّاء، ولا قائلَ بالفرق المؤثِّر بينها.

الرابع: أنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى هذا النوع من التعامل في زماننا، ورفعُ الحرج أصلٌ شرعيٌّ، ومصلحةُ تصحيح العقد المحتاج إليه مقدَّمةٌ على مفسدة الغرر اليسير كما قرَّره الإمام ابن تيمية(٨).

وبهذا يظهر أنَّ القولَ بالجواز هو الأوفقُ لأصول الشريعة وقواعد الفقهاء، وهو الذي عليه عملُ عامة دور الإفتاء المعتبرة.

المبحث الرابع: آراء دور الإفتاء

المطلب الأول: دار الإفتاء العامة (المملكة الأردنية الهاشمية)

أفتت دارُ الإفتاء العامة في فتواها رقم (٣٨٦١) بجواز الأكل من البوفيه المفتوح، وعرَّفته بأنه «مكانٌ مخصَّصٌ يقدِّم الأطعمة والأشربة مقابل مبلغٍ محدَّدٍ من المال، يدفعه الزبونُ ليحصُل له الإذنُ بالأكل من جميع الأصناف المعروضة من قِبَل صاحب المكان»، ثم قرَّرت ما نصُّه:

«والأكلُ من البوفيه المفتوح جائزٌ شرعًا وإنْ كانت هنالك جهالةٌ في كمية الطعام المأكول منه باختلاف الأشخاص؛ لأنَّ الجهالة هنا تُصنَّف بأنها جهالةٌ يسيرةٌ، وقد تسامح العلماءُ بها في البيوع، فقالوا بصحة البيع مع الجهالة اليسيرة، ولأنَّ الغررَ قليلٌ لا يُفضي إلى المنازعة وإنما يُضبَط بالعُرف، خاصةً إذا جرت العادةُ بالتعامل بهذه البيوع، وتسامح صاحبُ الطعام والزبونُ كلٌّ منهما بما له من حقٍّ عند الآخر».(٩)

المطلب الثاني: مركز الفتوى (موقع إسلام ويب)

وقرَّر مركزُ الفتوى في تأصيله لهذا الباب أصلَ اغتفار الجهالة اليسيرة، ونقَل إجماعَ العلماء على جواز جملةٍ من العقود فيها غررٌ حقيرٌ ـ كدخول الحمَّام بالأجرة، والشرب من السقَّاء، وإجارة الدار شهرًا ـ وأنَّ يسير الغرر لا يؤثِّر في فساد العقد إذ لا يكاد يخلو عقدٌ منه(١٠).

كما نبَّه ـ في معرض الجواب عمَّن يأخذ من البوفيه طعامًا زائدًا عن حاجته ليُخرِجه خلسةً ـ إلى أنَّ الإذن إنما انصرف إلى الأكل في المحلِّ في حدود المعتاد، فلا يجوز للزبون أن يتعدَّى ذلك إلى أخذ ما لم يُؤذَن له فيه عُرفًا(١٠).

المطلب الثالث: تنبيهٌ على فتاوى المنع

وقد صدرت عن بعض اللجان والمفتين فتاوى بالمنع، بناءً على تغليب جانب الجهالة والغرر كما تقدَّم في القول الثاني(١٢). والإنصافُ أنَّ هذا الخلافَ سائغٌ معتبَرٌ، وأنَّ المسألةَ اجتهاديةٌ، مدارُ النزاع فيها على تحقيق المناط: هل الجهالةُ في هذه المعاملة فاحشةٌ مؤثِّرةٌ أم يسيرةٌ مغتفَرةٌ؟ ومن وقَّر العلماءَ وأنزلهم منازلَهم لم يَعِب على أحدٍ منهم اجتهادَه ما دام أهلًا للنظر(١١).

المبحث الخامس: المجامع الفقهية والمعايير الشرعية

لم أقف ـ بعد البحث ـ على قرارٍ مستقلٍّ لأحد المجامع الفقهية يخصُّ نازلة «البوفيه المفتوح» بعينها؛ غير أنَّ المسألةَ تندرج اندراجًا ظاهرًا تحت الأصل العام الذي قرَّرته المجامعُ والهيئاتُ الشرعية في باب الغرر؛ إذ المعوَّل عليه عندها هو التفريقُ بين الغرر الفاحش المُفسِد والغرر اليسير المغتفر، وردُّ الفروع إلى هذا الضابط.

وأمانةُ العلم تقتضي عدمَ نسبة قرارٍ بعينه إلى جهةٍ لم يثبُت عنها، فاكتفيتُ بردِّ المسألة إلى أصلها المقرَّر مجمعيًّا.

ومن أجمع ما صدر في تقرير هذا الأصل: المعيارُ الشرعيُّ رقم (٣١) الموسوم بـ«الغرر وأثره في المعاملات المالية»، الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)؛ فقد قرَّر أنَّ الغررَ اليسير لا يؤثِّر في صحة العقد، وأنَّ من ضوابط الغرر المؤثِّر: أن يكون كثيرًا، وأن يكون في المعقود عليه أصالةً، وأن يكون في عقد معاوضة، وألا تدعوَ إليه حاجةٌ؛ فمتى تخلَّف قيدٌ من هذه القيود لم يكن الغررُ مؤثِّرًا(١٣).

وإذا نزَّلنا هذا الضابطَ المجمعيَّ على مسألتنا تبيَّن أنَّ غررَ البوفيه المفتوح يسيرٌ منضبطٌ بالعُرف، تدعو إليه الحاجةُ، فلا يكون مؤثِّرًا في صحة المعاملة؛ وهو ما يُعضِّد القولَ بالجواز ويجعله جاريًا على القواعد المقرَّرة لدى المجامع والهيئات الشرعية.

المبحث السادس: ضوابط الجواز وشروطه

وإنما يصحُّ التعاملُ بنظام البوفيه المفتوح إذا رُوعيت فيه ضوابطُ تحفظُه من الوقوع في المحظور، منها:

١ ـ أن يكون الأكلُ في المحلِّ نفسه في حدود ما جرى به العُرف، فلا يجوز للزبون أن يأخذ من الطعام شيئًا ليُخرِجه إلى خارج المحلِّ أو إلى بيته إلا بإذن صاحبه؛ لأنَّ الإذنَ إنما انصرف إلى الأكل في المكان(١٠).

٢ ـ مراعاةُ العُرف في المقدار، وتجنُّبُ الإسراف والتعدِّي؛ فإنَّ التسامحَ المبنيَّ عليه العقدُ محدودٌ بالمعتاد، والإسرافُ منهيٌّ عنه لذاته لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.

٣ ـ أن يُحمَل المأخوذُ على القصد الصحيح، فلا يَعمِد الزبونُ إلى أخذ ما يزيد على أكله ثم يتركَه أو يُتلِفَه عبثًا؛ لما في ذلك من إضاعة المال المنهيِّ عنها.

٤ ـ التزامُ شروط المحلِّ المعلَنة وما اعتُبر فيها من تفصيلٍ، كاشتراط حساب من بلغ سنًّا معيَّنةً من الأطفال؛ فإذا اشترط المحلُّ حسابَ من بلغ خمسَ سنين فأكثر لزِم العملُ بشرطه، والمسلمون على شروطهم(٩).

٥ ـ خلوُّ الأطعمة المعروضة من المحرَّمات، وسلامةُ كسب صاحب المحلِّ؛ فإنَّ الكلام في حِلِّ المعاملة من حيث الجهالةُ والغررُ، أمَّا حِلُّ المطعوم نفسه فله بابُه المستقل.

الخاتمة وأبرز النتائج

وبعدُ، فهذا ما تيسَّر تحريرُه في هذه النازلة، وأُجمِلُ أبرزَ ما انتهت إليه الدراسةُ في النقاط الآتية:

أولًا: أنَّ «البوفيه المفتوح» معاملةٌ مدارُها على دفع عِوَضٍ معلومٍ في مقابل الإذن بالأكل المعتاد، والأشبهُ تخريجُها على الإباحة بعِوَضٍ المضبوطة بالعُرف، أو على البيع مع اغتفار الجهالة اليسيرة.

ثانيًا: أنَّ الجهالة الواقعة في مقدار المأكول جهالةٌ يسيرةٌ منضبطةٌ بالعُرف، لا من الجهالة الفاحشة المُفسِدة.

ثالثًا: أنَّ القول الراجح ـ وعليه عملُ عامة دور الإفتاء المعتبرة ـ هو جوازُ هذه المعاملة، قياسًا على دخول الحمَّام بالأجرة والشرب من السقَّاء، وجريانًا على أصل اغتفار الغرر اليسير المنقول فيه الإجماع.

رابعًا: أنَّ القول بالمنع قولٌ معتبَرٌ مأخذُه تغليبُ جانب الجهالة، والخلافُ في المسألة اجتهاديٌّ سائغٌ لا يُنكَر فيه على المخالف.

خامسًا: أنَّ المسألةَ تندرج تحت الضابط المجمعيِّ في التفريق بين الغرر الفاحش واليسير، وهو ما يُعضِّد القولَ بالجواز ويجعله جاريًا على القواعد المعتمَدة.

سادسًا: أنَّ الجوازَ مشروطٌ بمراعاة الضوابط المتقدِّمة، وأهمُّها الأكلُ في المحلِّ دون الإخراج، ومراعاةُ العُرف، واجتنابُ الإسراف والتعدِّي.

وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش والتوثيقات

١ ـ حديثُ النهي عن بيع الغرر: أخرجه الإمام مسلمٌ في صحيحه، كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحَصاة والبيع الذي فيه غررٌ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٢ ـ الإمام النووي، «المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج»، عند شرح حديث النهي عن بيع الغرر من كتاب البيوع.

٣ ـ القاضي أبو الوليد الباجي، «المنتقى شرح موطأ الإمام مالك»، كتاب البيوع.

٤ ـ الإمام ابن رشد الحفيد، «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، كتاب البيوع، باب بيوع الغرر.

٥ ـ الإمام محمد بن عبد الله الخرشي، «شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل»، كتاب البيع.

٦ ـ القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي، «أحكام القرآن» (وانظر له: «عارضة الأحوذي»).

٧ ـ الإمام أبو سليمان الخطابي، «معالم السنن في شرح سنن أبي داود»، كتاب البيوع.

٨ ـ الإمام ابن تيمية، «مجموع الفتاوى»، في الكلام على الغرر اليسير المغتفر في البيوع.

٩ ـ دار الإفتاء العامة (المملكة الأردنية الهاشمية)، الفتوى رقم (٣٨٦١): «الأكل من البوفيه المفتوح يُراعى فيه التعليمات».

١٠ ـ مركز الفتوى، موقع إسلام ويب (الشبكة الإسلامية)، فتاوى تأصيل اغتفار الغرر اليسير، ومنها الفتوى المتعلقة بمن أخذ من البوفيه طعامًا زائدًا عن حاجته.

١١ ـ فتوى الشيخ الدكتور سعود الشريم في إجازة البوفيه المفتوح، مع تقريره أنَّ الأصل في المعاملات الإباحةُ، وأنَّ مدار الخلاف على تحقُّق الجهالة من عدمه (منشورةٌ في الصحافة).

١2 ـ المعيار الشرعي رقم (٣١): «الغرر وأثره في المعاملات المالية»، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، مملكة البحرين.

ثَبَتُ المصادر والمراجع

ـ القرآن الكريم.

ـ صحيح مسلم بن الحجاج، الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري.

ـ صحيح البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري.

ـ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، الإمام يحيى بن شرف النووي.

ـ المنتقى شرح الموطأ، القاضي أبو الوليد سليمان الباجي.

ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد، الإمام أبو الوليد ابن رشد الحفيد.

ـ شرح مختصر خليل، الإمام محمد بن عبد الله الخرشي.

ـ أحكام القرآن، القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي.

ـ معالم السنن، الإمام أبو سليمان الخطابي.

ـ مجموع الفتاوى، الإمام ابن تيمية.

ـ المعيار الشرعي رقم (٣١): الغرر وأثره في المعاملات المالية، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي).

ـ فتاوى دار الإفتاء العامة (المملكة الأردنية الهاشمية).

ـ فتاوى مركز الفتوى بموقع إسلام ويب (الشبكة الإسلامية).


حكم البوفيه المفتوح في الفقه الإسلامي: دراسة فقهية مقارنة

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:لقد استجدت في عصرنا نوازل ومعاملات لم تكن معروفة في العصور الفقهية المتقدمة، مما يوجب على أهل العلم والاجتهاد بحثها وبيان حكمها الشرعي.

ومن هذه النوازل ما يُعرف بـ "البوفيه المفتوح" (Open Buffet)، وهو أن يدفع الشخص مبلغاً مالياً محدداً لمطعم أو فندق، مقابل أن يأكل ما يشاء من الأصناف المعروضة حتى الشبع، دون تحديد لكمية الطعام أو أنواعه.

وقد أثارت هذه المعاملة جدلاً فقهياً بين العلماء المعاصرين، نظراً لما يبدو فيها من جهالة في المبيع (الطعام)، وهو ما قد يدخلها في باب "بيع الغرر" المنهي عنه شرعاً.

حقيقة الغرر وضوابطه المؤثرة.

قبل الخوض في أقوال الفقهاء في مسألة البوفيه المفتوح، لا بد من تأصيل المفهوم الذي يدور حوله الخلاف، وهو الغرر.

الغرر في اللغة: اسم مصدر من "غرّر"، ويدل على الخطر، والجهل، والتعرض للهلكة.

وفي الاصطلاح، عرفه الفقهاء بتعريفات متقاربة، منها تعريف ابن القيم بأنه: "ما لا يعلم حصوله، أو لا تعرف حقيقته ومقداره" .

والأصل في تحريم الغرر هو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر" (رواه مسلم).

والعلة في النهي هي أن الجهالة في المعقود عليه قد تفضي إلى النزاع والخصومة بين المتعاقدين.

ولكن، ليس كل غرر أو جهالة تؤثر في صحة العقد. فقد أجمع الفقهاء على أن الغرر لا يكون مؤثراً ومفسداً للعقد إلا بشروط محددة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية كما ذكرها علماء الفقه :

١. أن يكون الغرر كثيراً: أما الغرر اليسير فإنه مغتفر بالإجماع، لأنه مما لا يمكن التحرز منه غالباً، ولا يفضي إلى نزاع. قال القرافي: "الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا... وقليل جائز إجماعا... ومتوسط اختلف فيه"

٢. .ألا تدعو إليه حاجة عامة: فإذا وجدت حاجة عامة تدعو إلى التعامل الذي فيه غرر، فإنه يُغتفر من أجل رفع الحرج عن الناس.

٣. أن يكون في عقود المعاوضات المالية: حيث يُشدد في عقود البيع والإجارة ما لا يُشدد في عقود التبرعات كالهبة والصدقة.

مثال حكمه نوع الغرر بيع السمك في الماء أو الطير في الهواء محرم ومفسد للعقد

الغرر الكثير :

بيع أساس الدار أو الجبة المحشوة قطناً جائز ومعفو عنه الغرر اليسير

بيع الثمار بعد بدو صلاح بعضها دون بعض

مختلف فيه

الغرر المتوسط

أقوال الفقهاء في حكم البوفيه المفتوح

بناءً على ما سبق، انقسم الفقهاء المعاصرون في حكم البوفيه المفتوح إلى قولين رئيسيين:

القول الأول: الجوازوهو قول جمهور من العلماء المعاصرين، وبه أفتت العديد من الهيئات الإفتائية كدار الإفتاء الأردنية .

وممن قال به الشيخ ابن عثيمين، والدكتور محمد سعيد البوطي رحمهم الله . ويستند أصحاب هذا القول إلى أن الجهالة في كمية الطعام المأكول في البوفيه المفتوح من قبيل الغرر اليسير الذي يُتسامح فيه شرعاً، وذلك لعدة اعتبارات:

١. القياس على نظائر أجمع العلماء على جوازها: قاسوا هذه المسألة على صور تاريخية أجمع العلماء على جوازها مع ما فيها من جهالة يسيرة، وقد نقل هذا الإجماع الإمام النووي بقوله

٢. ."أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها... جواز دخول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض، مع جهالة قدر المشروب، واختلاف عادة الشاربين" .فحال الداخل إلى البوفيه كحال الداخل إلى الحمام، كلاهما يدفع أجرة معلومة مقابل منفعة أو عين مجهولة القدر، ولكنها محددة بالعرف والعادة (الشبع في البوفيه، والتنظف في الحمام).

٣. جريان العرف: أصبح هذا النوع من البيع متعارفاً عليه بين الناس، ويتم التعامل به دون أن يؤدي إلى منازعات أو خصومات، والعرف له اعتبار في الشريعة الإسلامية إذا لم يصادم نصاً صريحاً. قال الدكتور البوطي: "هذا مما درج عليه العرف... ونص الفقهاء على أن العرف قد حلّ فيه محلّ التعاقد"

٤. .تحقق التراضي: الأصل في العقود هو التراضي بين الطرفين، وفي البوفيه المفتوح، يكون كل من صاحب المطعم والزبون قد دخلا في العقد على بصيرة، وتسامح كل منهما في حقه المحتمل، فصاحب المطعم يراعي في تحديد السعر متوسط استهلاك الناس، والزبون يقبل السعر مقابل حقه في الأكل حتى الشبع.

القول الثاني: التحريم:

وهو قول بعض العلماء المعاصرين، ومن أبرزهم الشيخ الدكتور صالح الفوزان والشيخ محمد المختار الشنقيطي . وحجتهم:

أن الجهالة في كمية الطعام المأكول جهالة كبيرة ومؤثرة، وليست يسيرة، وذلك لأن الناس يتفاوتون تفاوتاً كبيراً في مقدار أكلهم، فقد يأكل أحدهم أضعاف ما يدفعه، بينما يأكل آخر أقل بكثير، وهذا غرر كثير يفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل.

يقول الشيخ الفوزان:"الغذاء حتى الإشباع بيعٌ مجهول، لأن الذي يشبع ليس له ضابط في الناس محدد... لا يصح أن تشتري شيئاً إلا إذا كان معلوماً، معلوم الصفة، معلوم القدر" .

ويرى أصحاب هذا القول أن هذه المعاملة لم تكن معروفة في بيوع المسلمين قديماً، وأنها من العادات الوافدة التي تخالف أصول البيوع في الشريعة.

الترجيح والمناقشة:

بعد عرض القولين وأدلتهما، يبدو أن القول بجواز الأكل من البوفيه المفتوح هو الأقرب للصواب والأرجح، وذلك لقوة أدلته وانسجامها مع مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج، وللأسباب التالية:

١. إن الجهالة في البوفيه المفتوح وإن كانت موجودة، إلا أنها لا تفضي إلى نزاع في الغالب، لأنها محددة بالشبع، وهو أمر وإن اختلف بين الناس، إلا أنه محدود بقدرة الإنسان على الأكل. فهي أشبه بجهالة مدة بقاء الشخص في الحمام أو كمية الماء التي يستعملها، وهي جهالة اغتفرها الشرع للحاجة.•

٢. تطبيق ضوابط الغرر المؤثر على مسألتنا يوضح أن الغرر هنا ليس من النوع المفسد للعقد، فهو وإن كان في عقد معاوضة، إلا أنه ليس غرراً كثيراً، وتدعو إليه الحاجة، ويمكن القول بأنه لا يمكن التحرز منه إلا بمشقة كبيرة.

٣. •القول بالمنع فيه تضييق على الناس في أمر جرى به العرف وتسامحوا فيه، ولم يثبت أنه أدى إلى خصومات تستدعي منعه.•طبيعة العقد في البوفيه المفتوحمن المهم التنبيه على أن العقد في البوفيه المفتوح هو عقد إباحة للأكل وليس عقد تمليك للطعام.

بمعنى أن الزبون يدفع المال مقابل أن يُباح له الأكل من الطعام المعروض في نفس المكان حتى يشبع.

وبناءً على هذا التكييف الفقهي، يترتب ما يلي:

لا يجوز للزبون أن يأخذ معه شيئاً من الطعام إلى خارج المطعم، لأن الإذن مقتصر على الأكل في المكان فقط.

•لا يجوز له أن يطعم شخصاً آخر لم يدفع قيمة البوفيه، ما لم تأذن إدارة المطعم بذلك صراحة أو عرفاً (كما في حالة الأطفال الصغار جداً).

•من أخذ طعاماً معه خلسة، فقد تعدى على مال غيره بغير حق، ويجب عليه رد قيمة ما أخذ أو طلب المسامحة من صاحب المطعم

•خاتمةخلاصة القول أن معاملة "البوفيه المفتوح" جائزة شرعاً على القول الراجح، وأن الجهالة فيها من قبيل الغرر اليسير المعفو عنه للحاجة وجريان العرف. ومع ذلك، يجب على المسلم الالتزام بضوابط هذا العقد، فلا يأخذ طعاماً خارج المطعم، ولا يسرف في الأكل إسرافاً يخرج عن المعتاد بقصد الإضرار بصاحب المطعم، عملاً بقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31].والله تعالى أعلى وأعلم.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب أصول البيع وشروطه والغرر
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top