رجوع إلى الفتاوى الإجارة والعمل والأجور

دفع الدقيق وأجرة الخبز إلى المخبز وأخذ خبز من غير عينه

فتوى٥٤٧١زيارة٠مشاركة
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عفوا مشايخنا الكرام سائل يقول آني أنطي كيس طحين لأبو المخبز وآحذ منه 300 رغيف خبز وأنطيه مقابل تعبه 30 ألف دينار وأدري أنه أكو مخابز يخبزون 400 رغيف خبز وآني مسامح أبو المخبز بالطحين الباقي يقول السائل أبو المخبز يقول بعد ما أخبز لأن هذا التعامل ربا وحرام لانه شايف مقطع فيديو يقول هذا الأتفاق حرام أفتونا جزاكم الله خيرا مشايخنا الفضلاء

خلاصة الجواب

الترجيح وبيان وجه الجوازبعد عرض الأقوال المختلفة وأدلتها، يظهر أن المسألة من مسائل الاجتهاد التي تتجاذبها أدلة مختلفة، ولكل قول وجاهته.

الجواب المفصَّل

حكم مبادلة الدقيق والمال بالخبز

ا. د. محمد طه حمدون

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على معلم الخير سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إن من المسائل التي يكثر السؤال عنها في معاملات الناس اليومية، وتتعلق بحاجاتهم الأساسية، مسألة حكم دفع الدقيق ومبلغ من المال إلى الخبازين مقابل الحصول على الخبز أو نحوه من المخبوزات. وهذه المعاملة، وإن بدت يسيرة في ظاهرها، إلا أنها تكتنفها اعتبارات فقهية دقيقة تتعلق بباب الربا، وتحديداً ربا الفضل والنسيئة في الأصناف الربوية المنصوص عليها. وقد اختلفت أنظار الفقهاء المتقدمين والمتأخرين في تكييف هذه المعاملة والحكم عليها، مما يستدعي عرضاً مفصلاً لأقوالهم وأدلتهم، وصولاً إلى بيان الراجح أو ما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه مقاصد الشريعة في رفع الحرج عن المكلفين، مع التنبيه على سبيل الاحتياط والخروج من الخلاف.

وهنا، سنسعى بعون الله تعالى إلى تحرير محل النزاع في هذه المسألة، وعرض الأقوال الفقهية المعتبرة بأدلتها، ومناقشتها، وبيان ما يترجح منها أو يسوغ الأخذ به.

الأصل في الأصناف الربوية وشروط مبادلتها قبل الخوض في تفاصيل المسألة محل البحث، لا بد من التذكير بالأصل الشرعي الذي يحكم مبادلة الأصناف الربوية.

فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حدد أصنافاً بعينها يجري فيها الربا، وهي الذهب، والفضة، والبر (القمح)، والشعير، والتمر، والملح.

فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ". رواه مسلم (1587).

ويستفاد من هذا الحديث الشريف أن مبادلة الجنس الواحد من هذه الأصناف الستة بمثله (كبر ببر، أو شعير بشعير) .

يشترط لصحته شرطان أساسيان:

الأول، التماثل في المقدار (المكيل كيلاً والموزون وزناً)،

والثاني، التقابض في مجلس العقد قبل التفرق.

فإن اختل أحد الشرطين وقع المتعاقدان في الربا؛ فمع التفاضل دون تقابض يقع في ربا الفضل، ومع عدم التقابض ولو مع التماثل يقع في ربا النسيئة.

أما إذا اختلفت الأجناس (كبيع البر بالتمر، أو الشعير بالملح)، فإنه يجوز التفاضل بينهما في المقدار، ولكن يبقى شرط التقابض في مجلس العقد واجباً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ".

والبر (القمح) ودقيقه، الذي يصنع منه الخبز، داخل في هذه الأصناف الربوية، مما يجعل مبادلته بالخبز المصنوع منه محل نظر وتدقيق فقهي.

اختلاف الفقهاء في جريان الربا بين البر وخبزه بناءً على الأصل المتقدم، نظر الفقهاء في مسألة بيع الخبز المصنوع من البر بالبر نفسه أو بدقيقه.

فاختلفوا في تكييف هذه المعاملة وحكمها على أقوال رئيسية ثلاثة:

القول الأول: جواز البيع مع التفاضل بشرط التقابض ذهب الإمام مالك رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله، إلى جواز بيع الخبز بدقيق من جنسه (كخبز البر بدقيق البر) مع التفاضل بينهما في المقدار، ولكن يشترط لصحة هذا البيع التقابض في مجلس العقد.

وحجة أصحاب هذا القول أن الدقيق أو البر، وإن كانا أصلاً ربوياً، إلا أنه بالصنعة (وهي الخَبزُ وإدخال النار والماء والملح) قد تحول إلى جنس آخر مستقل عن أصله.

فالخبز عندهم جنس قائم بنفسه، مختلف عن جنس الدقيق أو البر.

وإذا اختلف الجنسان، كما هو مقرر في حديث عبادة بن الصامت، جاز التفاضل بينهما، ولكن يبقى شرط التقابض لازماً.

قال الإمام مالك فيما نُقل عنه في "المدونة" (3/151) ما يفيد هذا المعنى. وجاء في مسائل إسحاق بن منصور للإمام أحمد (6/2856) عن شراء الدقيق بالخبز: "قال أحمد: لا بأس به، ثم سألته بعد ذلك، فجبن عنه، وأما نسيئة، فمكروه لا شك فيه".

وهذا التردد من الإمام أحمد يوضح وجود روايتين عنه، إحداهما تميل إلى الجواز المقيد بالتقابض.

وقد صرح ابن تيمية بهذا الاختيار في "الاختيارات الفقهية" (ص 188) فقال: "وما خرج عن القوت بالصنعة: فليس بربوي؛ وإلا، فجنس بنفسه، فيباع خبز بهريسة، وزيت بزيتون، وسمسم بشيرج".

وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين" (2/163) حيث قال: "وأما الأصناف الأربعة ففرعها إن خرج عن كونه قوتا لم يكن من الربويات ، وإن كانت قوتا كان جنسا قائما بنفسه".

وهذا يشير إلى أن الصنعة قد تخرج الشيء عن كونه قوتاً ربوياً أصلاً، أو تجعله جنساً مستقلاً يجوز بيعه بأصله مع التفاضل والتقابض.

ويمكن مراجعة "الفروع" لابن مفلح (6/294) و"الإنصاف" للمرداوي (12/19) لمزيد من التفصيل في مذهب الحنابلة.

القول الثاني: جواز البيع مطلقاً (مع التفاضل وعدم اشتراط التقابض)ذهب أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمهم الله إلى جواز بيع الخبز بالبر أو الدقيق من جنسه، مع التفاضل بينهما، ودون اشتراط التقابض في المجلس، أي يجوز فيه النسيئة. وهذا هو المعتمد للفتوى في المذهب الحنفي.

وعمدة أصحاب هذا القول أن الخبز بالصنعة قد تغيرت ماهيته تغيراً كبيراً، فصار جنساً آخر مختلفاً عن البر والدقيق.

ولم يقتصر التغيير على الجنس فحسب، بل تعدى ذلك إلى صفة الكيل؛ فالبر والدقيق من المكيلات، أما الخبز فقد خرج بالصنعة عن كونه مكيلاً وصار يباع وزناً أو عدداً في عرف الناس. وبهذا، فقد انتفت علة الربا المركبة عند الحنفية في الأموال الربوية غير النقدين، وهي اتحاد الجنس والقدر (الكيل أو الوزن).

فلما اختلف الجنس (بسبب الصنعة) واختلف القدر (بسبب خروج الخبز عن كونه مكيلاً)، جاز البيع بينهما متفاضلاً ونسيئة.

جاء في "رد المحتار" لابن عابدين (5/182): "الْخُبْزَ بِالصَّنْعَةِ صَارَ جِنْسًا آخَرَ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا، وَالْبُرُّ وَالدَّقِيقُ مَكِيلَانِ، فَلَمْ يَجْمَعْهَا الْقَدْرُ وَلَا الْجِنْسُ؛ حَتَّى جَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ نَسِيئَةً".

وقال ابن نجيم في "النهر الفائق شرح كنز الدقائق" (3/478): "(و) يصح أيضاً بيع (الخبز بالبر، وبالدقيق، متفاضلاً)، في أصح الروايتين عن الإمام. - قيل: هو ظاهر مذهب علمائنا الثلاثة ، وعليه الفتوى - عدداً ووزناً كيف ما اصطلحوا عليه لأنه بالصنعة صار جنساً آخر، والبر والدقيق مكيلان فانتفت العلتان".

القول الثالث: تحريم البيع مطلقاًذهب الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو قول للإمام أبي حنيفة أيضاً، إلى تحريم بيع الخبز بالبر أو الدقيق من جنسه مطلقاً، سواء كان متماثلاً أو متفاضلاً، وسواء كان يداً بيد أو نسيئة.

وحجتهم في ذلك أن الخبز وإن دخلته الصنعة، فإنه لم يخرج عن كونه براً في أصله وحقيقته، فالجنس لا يزال متحداً. وإذا اتحد الجنس، وجب التماثل والتقابض.

والتماثل بين الخبز والبر أو الدقيق متعذر التحقق؛ لأن الخبز قد دخله الماء والملح والنار، مما يغير من وزنه وحجمه بشكل لا يمكن معه ضبط المماثلة الدقيقة مع أصله من الدقيق أو البر.

كما أن البر والدقيق مكيلان في الأصل، والخبز قد يباع وزناً أو عدداً، فاختلف معيار التقدير، مما يجعل التحقق من التماثل متعذراً أو متعسراً جداً، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل في باب الربا.

قال الشيرازي في "المهذب": "ولا يجوز بيعه بخبزه، لأنه دخله النار، وخالطه الملح والماء؛ وذلك يمنع التماثل.

ولأن الخبز موزون، والحنطة مكيل؛ فلا يمكن معرفة التساوي بينهما". وأكد ذلك تقي الدين السبكي في "تكملة المجموع" (11/122) ناقلاً نص الشافعي في البويطي على المنع، وممن صرح به الفوراني، ونقل ابن المنذر المنع عن الشافعي أيضاً.

وجاء في "شرح المنهاج" للرملي (2/213): "(وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ) أَيْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ. (وَالْخُبْزِ)، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهَا بِبَعْضِهِ؛ لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِتَفَاوُتِ الدَّقِيقِ، فِي النُّعُومَةِ وَالْخَبْزِ فِي تَأْثِيرِ النَّارِ".

وفي مذهب الحنابلة، قال المرداوي في "الإنصاف" (5/26): "لَا يَجُوزُ بَيْعُ خُبْزٍ بِحَبِّهِ، وَلَا بِدَقِيقِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ مِرَارًا، [يعني : الإمام أحمد]".

وهذا هو المعتمد في المذهب، وإن كانت هناك رواية أخرى بالجواز كما تقدم.

الترجيح وبيان وجه الجوازبعد عرض الأقوال المختلفة وأدلتها، يظهر أن المسألة من مسائل الاجتهاد التي تتجاذبها أدلة مختلفة، ولكل قول وجاهته.

ومع ذلك، فإن القول بالجواز، سواء كان مقيداً بالتقابض كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، أو مطلقاً كما هو مذهب الحنفية المعتمد، له قوة لا يستهان بها، ويمكن ترجيحه أو على الأقل اعتباره سائغاً للأخذ به عند الحاجة ودفع المشقة،

وذلك لعدة اعتبارات:

١.قوة دليل تغير الجنس بالصنعة: إن القول بأن الصنعة المؤثرة تغيّر الجنس هو قول له حظ كبير من النظر. فالخبز يختلف عن الدقيق في شكله وطعمه وطريقة الانتفاع به وحفظه، وهذا التغير الجوهري يمكن اعتباره ناقلاً له إلى جنس آخر، كما هو الحال في تحول العصير إلى خل، أو الزيتون إلى زيت.

وإذا اختلف الجنس، انتفى وجوب التماثل.

٢. مراعاة أعراف الناس ومعاملاتهم: إن القول بمنع هذه المعاملة قد يؤدي إلى حرج ومشقة على الناس، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على هذه الطريقة في الحصول على الخبز، وهو قوت أساسي.

والشريعة جاءت برفع الحرج، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

٣..الأخذ بالرخصة عند الحاجة: في مسائل الخلاف المعتبر، يجوز للمكلف، وخاصة العامي أو من تلجئه الحاجة، أن يأخذ بقول من أقوال أهل العلم المعتبرين الذي يرى فيه تيسيراً عليه، لا سيما إذا كان لهذا القول قوة في الدليل، ولم يكن القصد تتبع الرخص لمجرد الهوى.

وقد نقل الإمام السبكي رحمه الله جواز ذلك فقال: "يجوز التقليد للجاهل [يعني العامي الذي ليس من علماء الشريعة]

والأخذ بالرخصة من أقوال العلماء بعض الأوقات، عند مسيس الحاجة من غير تتبع الرخص،

ومن هذا الوجه يصح أن يقال: الاختلاف رحمة؛ إذ الرخص رحمة" انتهى من "الإبهاج في شرح المنهاج" (3/ 19)

٤.وعليه، فإن الأخذ بمذهب الحنفية القائل بالجواز مطلقاً (مع التفاضل والنسيئة)، أو بمذهب المالكية ومن وافقهم القائل بالجواز مع التفاضل بشرط التقابض، هو أمر سائغ إن شاء الله تعالى، خاصة لمن ضاقت به الحال واحتاج إلى هذه المعاملة.

فإن كانت المعاملة تتم مع التقابض الفوري، فالأخذ بقول المالكية ومن وافقهم أولى؛ لأنه يجمع بين القول بالجواز والخروج من شبهة ربا النسيئة.

وإن كانت المعاملة لا يتم فيها التقابض الفوري (وهو الغالب في مثل هذه الصور، حيث يعطي الشخص الدقيق والمال اليوم ويستلم الخبز لاحقاً)، فإن الأخذ بمذهب الحنفية يكون هو المتعين لمن أراد سلوك هذا السبيل دفعاً للحرج.

سبيل الاحتياط والخروج من الخلاف مع القول بسعة الأمر وجواز الأخذ بأحد الأقوال المجيزة عند الحاجة، فإن سبيل الورع والاحتياط للدين يقتضي الخروج من الخلاف ما أمكن ذلك.

والطريق الأسلم لتصحيح هذه المعاملة وتجنب الشبهات بالكلية ، وهو أن يعطي الشخص الدقيق للخباز على سبيل الأمانة، ويتفق معه على أن يخبز له هذا الدقيق بعينه، ويأخذ الخباز أجرة معلومة على عمله هذا (صناعته للخبز). فهذه معاملة إجارة صحيحة لا إشكال فيها، وليست بيعاً أصلاً، وبذلك يخرج المسلم من دائرة الخلاف والاشتباه المتعلق بالربا. فمتى ما أمكن سلوك هذا الطريق فهو الأولى والأحوط للدين.

خاتمة: نسأل الله تعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يرزقنا اتباع الحق والعمل به، وأن يجنبنا مواطن الشبهات. إن مسألة مبادلة الدقيق بالخبز مع دفع مبلغ مالي هي من المسائل الدقيقة التي تظهر سعة الفقه الإسلامي وعمق نظر علمائه، كما تبرز أهمية مراعاة مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج عن الناس في معاملاتهم اليومية. والله تعالى أعلى وأعلم.

نعم الراجح الجواز للاسباب الثلاثة المذكورة.

لكن لا بد من ذكر الجائز و الافضل

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الإجارة والعمل والأجور
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top