رجوع إلى الفتاوى اللباس والزينة والتصوير

حكم النقاب ومناقشة بعض الاعتراضات

فتوى٤٣٠٣زيارة٠مشاركة
السؤال

هل تغطية الوجه واجبة أو مستحبة؟ وكيف تفهم أقوال المذاهب، واستدلالات النقاب، وعلاقة الحكم بواقع النساء ودعوى الفتنة؟

خلاصة الجواب

مسألة تغطية الوجه (النقاب) للمرأة هي من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً، ومذهب جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية معتبرة عند الحنابلة) هو أن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة، وبالتالي فإن الحجاب الشرعي الواجب هو ستر جميع البدن ما عدا الوجه والكفين، وتغطية الوجه مستحبة أو من…

الجواب المفصَّل

مسألة تغطية الوجه (النقاب) للمرأة هي من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً، ومذهب جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية معتبرة عند الحنابلة) هو أن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة، وبالتالي فإن الحجاب الشرعي الواجب هو ستر جميع البدن ما عدا الوجه والكفين، وتغطية الوجه مستحبة أو من باب الفضل، وليست فرضاً تأثم تاركته.

1. موقف أئمة المذاهب وفهم النصوص

لم يغب عن أئمة المذاهب الكبرى أي نص شرعي، بل انطلقوا من أصول استنباط محكمة:

تفسير القرآن الكريم: فسر كبار الصحابة كعبد الله بن عباس وعائشة رضي الله عنهم قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] بأن ما ظهر منها هو الوجه والكحل والخاتم والكفان.

مذهب أبي حنيفة: الوجه والكفان ليسا بعورة لأن الحاجة تدعو إلى كشفهما في المعاملات والأخذ والعطاء.

مذهب مالك: الوجه والكفان ليسا بعورة، وكشفهما جائز إلا إذا خُشيت الفتنة بالمرأة لذاتها.

مذهب الشافعي: الأصل أن الوجه والكفين ليسا بعورة في الصلاة وخارجها في أصل المذهب، وإن استحب كثير من متأخري الشافعية التغطية عند خوف الفتنة أو عموم الفساد.

مذهب أحمد: المشهور في المذهب وجوب التغطية، وثمة رواية أخرى عنه توافق الجمهور في أن الوجه والكفين ليسا بعورة.

2. الأدلة الصريحة من السنة النبوية

اعتمد جمهور العلماء على شواهد نبوية متعددة تؤكد أن كشف الوجه كان واقعاً ممارساً في عهد النبي ﷺ دون نكير:

حديث الخثعمية (في حجة الوداع): سألت امرأة وضيئة من خثعم النبي ﷺ، فجعل الفضل بن العباس ينظر إليها وتنظر إليه، فصرف النبي ﷺ وجه الفضل إلى الشق الآخر. ووجه الاستدلال: لو كان ستر الوجه واجباً لأمرها النبي ﷺ بتغطيته، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولكنه اكتفى بأمر الفضل بغض البصر تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.

حديث صلاة العيد: روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ وعظ النساء فقامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ (في خديها تغير أو سواد) وسألته، وهذا يدل على أن وجهها كان مكشوفاً يراه الحاضرون.

العبادات (الصلاة والإحرام): إجماع الفقهاء على كشف الوجه في الصلاة، ونهي النبي ﷺ المحرمة عن لبس النقاب والقفازين (في قوله ﷺ: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين») يؤكد أن الوجه ليس عورة أصلية كالجسد، إذ لو كان عورة لما جاز كشفه أمام الله في أعظم المقامات.

خصوصية أمهات المؤمنين: نص القرآن الكريم على أحكام خاصة بأزواج النبي ﷺ لم يشاركهن فيها غيرهن، ومنها الحجاب المشدد من وراء ستار، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53]، وقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: 32].

3. واقع الأمة وصحة حجاب السواد الأعظم

لا يمكن القول شرعاً أو عقلاً ببطلان حجاب مئات الملايين من نساء المسلمين اللاتي يلتزمن بالحجاب الشرعي (ستر الرأس والبدن عدا الوجه والكفين)؛ فهن متبعات لجمهور فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة في أصول مذاهبهم.

اتفاق جماهير الأمة عبر القرون على جواز كشف الوجه للمرأة في البيع والشراء والشهادة والتعليم والتقاضي يجعل حجابهن صحيحاً وتاماً شرعاً بلا ريب.

4. مقاصد الشريعة، التيسير، والدعوة

رفع الحرج: بُنيت الشريعة الإسلامية على نفي الحرج: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. وكشف الوجه يتيح للمرأة أداء دورها الأسري والمجتمعي، والتعلم والعمل وممارسة شؤون الحياة الطبيعية بيسر.

فقه الدعوة: عند دعوة غير المسلمين، يُعرض الإسلام بأركانه وفرائضه القطعية، والتيسير في مسائل الفروع الاجتهادية أصل نبوي؛ إذ قال النبي ﷺ: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا».

سد ذرائع التشويه: إبراز سعة الفقه الإسلامي ورأي الجمهور يحمي الخطاب الديني من التشدد الذي يُستغل في تشويه صورة الشريعة وتقديمها على أنها تعطل نصف المجتمع.

الخلاف في المسألة فقهي اجتهادي قديم؛ من اختارت تغطية وجهها طلباً للفضل والاحتياط فلها ذلك، ومن اقتصرت على كشف الوجه والكفين ملتزمة بالحجاب الساتر لجميع بدنها، فهي مؤدية للواجب الشرعي على مذهب جمهور أئمة الإسلام وفقهاء الم لذاهب المعتبرة.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب اللباس والزينة والتصوير
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top