رجوع إلى الفتاوى الأطعمة والأشربة وأحكام الحيوان

دفع أذى الطيور والحيوانات عن الزرع

فتوى٤٠٥٢زيارة٠مشاركة
السؤال

ما التفصيل الفقهي المنقول في دفع أذى الحيوانات والطيور التي تأكل الزرع؟

خلاصة الجواب

والراجح الذي تتفق عليه نصوص الفقهاء قديمًا وحديثًا هو جواز قتل الطيور والحيوانات التي تفسد الزروع والمحاصيل، ولكن هذا الجواز مقيد بالضوابط التالية: ١. أن يكون الضرر الذي تسببه هذه الحيوانات فعليًا ومؤثرًا. ٢. أن يتم استنفاد الوسائل السلمية لدفع ضررها أولًا، كالمطاردة والتخويف ووضع الحواجز. ٣.

الجواب المفصَّل

حكم قتل الطيور والحيوانات التي تأكل الزرع

دراسة فقهية مقارنة

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

وبعد:

تعتبر مسألة التعامل مع الحيوانات والطيور التي تُلحِق الضرر بالمزروعات والممتلكات من المسائل الواقعية التي تواجه المزارعين وأصحاب الأراضي، وتقتضي بيانًا للحكم الشرعي يوازن بين مبدأ الرحمة بالحيوان الذي هو أصل في الشريعة الإسلامية، وبين مبدأ دفع الضرر وحفظ المال الذي هو من مقاصد الشريعة الكبرى.

الأصل الشرعي في التعامل مع الحيوان:

الأصل في الشريعة الإسلامية هو الإحسان إلى الحيوان والرفق به، وتحريم قتله أو إيذائه بغير حق. وقد وردت نصوص كثيرة تؤكد هذا المبدأ، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ» (متفق عليه).

كما حذرت الشريعة من القسوة على الحيوان، وجعلت ذلك سببًا لدخول النار، كما في حديث المرأة التي حَبست هرة حتى ماتت.

وهذا الأصل العام هو القاعدة التي ينطلق منها الفقهاء في نظرهم إلى ما يتفرع عن هذه المسألة من أحكام.

حكم قتل الحيوان المؤذي:

قاعدة دفع الضررعلى الرغم من أن الأصل هو حرمة إيذاء الحيوان، إلا أن الشريعة جاءت بقاعدة كلية عظيمة، وهي "الضرر يزال"، و"دفع الضرر" مقدم على جلب المصالح أحيانًا.

فإذا ثبت أن حيوانًا ما يسبب ضررًا محققًا على النفس أو المال، فإن الشريعة تبيح اتخاذ الإجراءات اللازمة لدفع هذا الضرر.

والدليل الأساسي الذي استند إليه الفقهاء في هذا الباب هو ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» (متفق عليه).

وقد فهم العلماء من هذا الحديث أنه ليس قاصرًا على هذه الخمسة المذكورة، بل هو تنبيه على العلة، وهي "الإيذاء والضرر".

فكل حيوان يشترك مع هذه الخمس في علة الإيذاء، فإنه يأخذ حكمها في جواز القتل لدفع ضرره. وقد حُكي الاتفاق على هذا المبدأ العام.

أقوال المذاهب الفقهية الأربعة:

اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على مشروعية قتل الحيوان المؤذي الذي يلحق الضرر بالناس أو بممتلكاتهم، وإن اختلفت عباراتهم وتفريعاتهم في بعض التفاصيل.

مذهب الحنفية:

يرى الحنفية جواز قتل كل ما يضر ويؤذي، قياسًا على الفواسق الخمس المنصوص عليها.

جاء في "المبسوط" للسرخسي: "وفي المؤذي إذا ابتدأ بالأذى، أو ما يغلب عليه الإيذاء، فقتله المحرم لا شيء عليه" (المبسوط للسرخسي، 4/81).

وقسّموا الحيوان إلى ما هو خطر بطبعه كالكلب العقور، وما هو متعدٍّ، وفي كلتا الحالتين إذا وقع الضرر ولم يمكن دفعه إلا بالقتل، جاز قتله.

جاء في "الفقه الإسلامي وأدلته" للدكتور وهبة الزحيلي نقلًا عن الحنفية: "وأما إن كان الحيوان خطراً: كالثور والكلب العقور، فيضمن صاحبه أو حارسه ما يتلفه إذا لم يحفظه..." (الفقه الإسلامي وأدلته، 7/5779)، مما يدل على أن أصل أذيته يبرر اتخاذ الإجراءات اللازمة لدفعه.

مذهب المالكية:

نص المالكية على جواز قتل كل ما فيه أذى.

وقد سُئل الإمام مالك رحمه الله عن قتل الكلاب فقال: "أرى أن يؤمر بقتل ما يؤذي منها" (نقله الحطاب في مواهب الجليل، 4/253). وأوضح فقهاء المالكية أن العبرة بتحقق الضرر، فكل ما يضر بالمسلمين في أنفسهم أو أموالهم، فإنه يجوز قتله لدفع ضرره.

قال الحطاب في "شرح مختصر خليل": "الكلاب التي تضر بالمسلمين يجب قتلها".

وهذا الحكم لا يقتصر على الكلاب، بل يشمل كل دابة تحقق منها الضرر.

مذهب الشافعية:

توسع الشافعية في تطبيق القياس على الفواسق الخمس، فصرحوا باستحباب قتل كل ما لا يؤكل ويضر.

قال الإمام النووي رحمه الله في "روضة الطالبين": "ويستحب قتل كل ما يضر من الحيوان ولا يؤكل" (روضة الطالبين وعمدة المفتين، 3/146). وأشار إلى أن الإجماع منعقد على قتل المؤذيات. فالشافعية يرون أن العلة هي الإيذاء، فكل حيوان غلب عليه الإيذاء، أو كان طبعه الأذى، فإنه يلحق بالفواسق الخمس في الحكم.

مذهب الحنابلة:

يرى الحنابلة استحباب قتل كل ما كان طبعه الأذى من الحشرات وغيرها، وإن لم يوجد منه أذى في الحال، قياسًا على الفواسق الخمس.

قال المرداوي في "الإنصاف": "ويستحب قتل كل ما كان طبعه الأذى من الحشرات، وإن لم يوجد منه أذى، قياسًا على الفواسق الخمس" (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، 3/346).

وهذا يدل على أن الحيوانات التي تُعرف بإفساد الزروع، كبعض أنواع الطيور أو القوارض، تدخل في هذا الحكم عندهم من باب أولى إذا تحقق ضررها بالفعل.

ضوابط قتل الحيوان المؤذي:

مع اتفاق الفقهاء على جواز قتل الحيوان المؤذي، إلا أنهم وضعوا لذلك ضوابط مهمة، مستمدة من روح الشريعة وقواعدها العامة، ومن أهم هذه الضوابط:

١. التحقق من وقوع الضرر: لا يجوز قتل الحيوان بمجرد الشك أو الوهم، بل لا بد من التحقق من أنه يسبب ضررًا فعليًا ومؤثرًا على الزرع أو الممتلكات.

٢. .أن يكون القتل هو الوسيلة الأخيرة: أجمع الفقهاء المعاصرون ودور الإفتاء على أنه لا يُلجأ إلى القتل إلا إذا استُنفدت الوسائل الأخرى لدفع الضرر، مثل وضع الشباك، أو استخدام أدوات التخويف والإبعاد (الفزاعات)، أو بناء الحظائر.

فإن لم تنجح هذه الوسائل، وتعذر دفع الضرر إلا بالقتل، جاز حينئذٍ. وقد نصت على هذا فتوى دار الإفتاء المصرية ودار الإفتاء الأردنية وغيرهما.

٣.الإحسان في القتل: إذا تعين القتل وسيلة لدفع الضرر، وجب الإحسان في طريقة القتل، بحيث تكون أسرع طريقة لإزهاق روحه دون تعذيب.

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (رواه مسلم).

وبناءً على ذلك، يُمنع القتل حرقًا بالنار، أو باستخدام السم إذا كان يعرض حياة الإنسان أو حيوانات أخرى غير مؤذية للخطر.

٤.الاستفادة من المقتول إن أمكن: إذا كان الحيوان المقتول مما يؤكل لحمه، فينبغي أن يُذكى ذكاة شرعية للاستفادة من لحمه، ولا يُترك ليضيع هدرًا، وهذا من تمام حفظ النعمة وعدم إضاعة المال.

•خلاصة وترجيح:

من خلال ما سبق، يتضح أن الشريعة الإسلامية قد وازنت بين قيمة الرحمة بالحيوان وحرمة إيذائه، وبين ضرورة حفظ الأنفس والأموال.

والراجح الذي تتفق عليه نصوص الفقهاء قديمًا وحديثًا هو جواز قتل الطيور والحيوانات التي تفسد الزروع والمحاصيل، ولكن هذا الجواز مقيد بالضوابط التالية:

١. أن يكون الضرر الذي تسببه هذه الحيوانات فعليًا ومؤثرًا.

٢. أن يتم استنفاد الوسائل السلمية لدفع ضررها أولًا، كالمطاردة والتخويف ووضع الحواجز.

٣. إذا لم تنجح الوسائل السابقة، وتعذر دفع الضرر إلا بالقتل، فإنه يجوز حينئذٍ.

٤. يجب الإحسان في طريقة القتل، وتجنب التعذيب أو القتل حرقًا.

٥. إذا كان الحيوان مما يؤكل لحمه، فيُشرع تذكيته للاستفادة منه.

٦. وبهذا يتحقق التوازن الذي هدفت إليه الشريعة، فلا يُعتدى على خلق الله بغير حق، وفي الوقت نفسه لا يُترك الضرر يستشري ليفسد على الناس أرزاقهم وأموالهم.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الأطعمة والأشربة وأحكام الحيوان
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top