رجوع إلى الفتاوى الصيام

إثبات الهلال بين الرؤية والحساب واختلاف المطالع

فتوى٢٧٥٣زيارة٠مشاركة
السؤال

ما الدراسة والمناقشة المنقولتان في إثبات الهلال ووحدة المطالع؟

خلاصة الجواب

[5] المرداوي، علاء الدين. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. تحقيق التركي. ج7، ص335-336. [6] ابن قدامة، موفق الدين. المغني. تحقيق التركي والحلو. ط 1417هـ. ج4، ص328. [7] الباجي، أبو الوليد. المنتقى شرح الموطأ. ط دار الكتاب الإسلامي. ج2، ص37. [8] العراقي، زين الدين. طرح التثريب في شرح التقريب. ط دار الفكر العربي.

الجواب المفصَّل

رؤيةُ هلالِ رمضان بين الرُّؤية البصرية والحساب الفلكي: دراسة فقهية أصولية مقارنة في واقع الخلاف المعاصر

ا.د.محد طه حمدون السامرائي

تتجدد في كل عام مع إطلالة شهر رمضان المبارك مسألةُ إثبات دخول الشهر، ويحتدم الخلاف بين المسلمين في أقطار شتى حول بداية الصيام، فيصوم فريقٌ يوم الأربعاء ويصوم آخرون يوم الخميس، بل ربما بلغ التفاوت ثلاثة أيام بين بعض البلدان الإسلامية.

وهذا الخلاف، وإن كان له جذوره في التراث الفقهي، إلا أن تحوّله إلى ساحة للتخطئة واتهام النوايا والتبديع هو أمرٌ لا يليق بأمة يأمرها ربها بالاعتصام بحبله وعدم التفرق.

وتسعى هذه الدراسة إلى بيان أن المتكآت الفقهية المتاحة للقول بدخول الشهر متعددة ومعتبرة، وأن الخلاف الحاصل اليوم لا مبرر له من حيث التشنيع والإنكار، إذ المسألة برمتها من المظنون الذي يسع فيه الخلاف.

المبحث الأول: الأصل الشرعي في إثبات دخول شهر رمضان

اتفق الفقهاء من مختلف المذاهب على أن الأصل في إثبات دخول شهر رمضان هو رؤية الهلال، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً عند تعذر الرؤية.

وهذا الاتفاق مبنيٌّ على نصوص قطعية الثبوت من الكتاب والسنة:

١. من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185).

٢. من السنة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (رواه البخاري: 4/119، ومسلم: 7/193 بشرح النووي)

٣. وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ» (رواه البخاري ومسلم، الموطأ: 1/269)

فهذه النصوص تُثبت أن الشارع الحكيم جعل الرؤية وسيلةً لإثبات دخول الشهر، وجعل إكمال العدة بديلاً عند تعذرها.

وقد اختلف الفقهاء بعد ذلك في فروع هذه المسألة، وأهمها: هل تلزم رؤية بلدٍ ما سائرَ البلدان؟ وهل يصح الاعتماد على الحساب الفلكي؟

المبحث الثاني: مسألة اختلاف المطالع ووحدتها ـ عرض مقارن

وقع الخلاف بين الفقهاء فيما إذا رُئي الهلال في بلد ولم يُرَ في بلد آخر، وتعود أقوالهم في ذلك إلى اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول: عدم اعتبار اختلاف المطالع (وحدة الرؤية)

وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة، ورواية عن الإمام مالك، وقول عند الشافعية.

ومؤداه أن رؤية الهلال في أي بلد من بلاد المسلمين تُلزم سائر البلدان بالصيام متى بلغهم الخبر بطريق شرعي معتبر.

في المذهب الحنفي: جاء في فتح القدير لابن الهمام: «وإذا ثبت في مصرٍ لزم سائرَ الناس، فيلزم أهلُ المشرق برؤية أهل المغرب، في ظاهر المذهب» (فتح القدير: 2/243)

. وزاد ابن عابدين في حاشيته: «وهو المعتمد عندنا» (حاشية رد المحتار: 2/393)

في المذهب الحنبلي: جاء في الإنصاف للمرداوي: «وإذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، لزم الناسَ كلَّهم الصومُ ... وإن اختلفت المطالع، فالصحيح من المذهب لزوم الصوم أيضاً» (الإنصاف: 7/335-336)

. وفي المغني لابن قدامة: «وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصومُ، وهذا قول الليث» (المغني: 4/328)

في المذهب المالكي: روى ابن القاسم وابن وهب عن الإمام مالك أنه إذا رأى أهل البصرة هلال رمضان ثم بلغ ذلك أهل الكوفة والمدينة واليمن: «لزمهم الصيامُ، أو القضاء إن فات الأداء» (المنتقى شرح الموطأ للباجي: 2/37)

في المذهب الشافعي: نقل العراقي في طرح التثريب أن القاضي أبا الطيب والروياني ذهبا إلى أنه «إذا رُئي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصومُ»، وقال الروياني: «إنه ظاهر المذهب، واختاره جميع أصحابنا»، وحكاه البغوي عن الشافعي نفسه (طرح التثريب: 4/116) .

واستدل أصحاب هذا الاتجاه بعموم الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته»، إذ هو خطاب للأمة كافة لا لأهل بلد بعينه.

كما استدلوا بالمعقول، فإن الشهر اسم لما بين الهلالين، فإذا ثبت أن هذا اليوم من رمضان بشهادة الثقات في أي مكان، فكذلك في كل مكان، والتفرقة تحكمٌ يحتاج إلى دليل (المغني: 4/329)

الاتجاه الثاني: اعتبار اختلاف المطالع

وهو المعتمد عند جمهور الشافعية، وقول عند الحنابلة اختاره ابن تيمية، وقال به بعض الحنفية وبعض المالكية.

ومؤداه أن لكل بلد رؤيته، أو على الأقل أن البلاد المتباعدة لا يلزم بعضها برؤية بعض.

جاء في المجموع للنووي: «إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يرَوْه في غيره، فإنْ تقارَب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد ... وإن تباعدا فوجهان مشهوران ... أصحهما: لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى» (المجموع: 6/280-281)

.واستدل أصحاب هذا القول بحديث كريب المشهور الذي رواه مسلم (ح 1087)، حيث رأى أهل الشام الهلال ليلة الجمعة، ورآه أهل المدينة ليلة السبت، فلم يعتد ابن عباس رضي الله عنهما برؤية أهل الشام، وقال: «لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه»، ولما قيل له: أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: «لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»

خلاصة المبحث

يتبين مما سبق أن المسألة خلافية اجتهادية قديمة، وأن لكل اتجاه أدلته المعتبرة.

والأهم من ذلك أن كلا القولين يصلح متكأً فقهياً للقول بدخول الشهر. فمن ثبتت عنده الرؤية في أي بلد من بلاد المسلمين، سواء في الخليج العربي أو في ألاسكا أو في أي مكان آخر، فقد استند إلى قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وقول عند الشافعية، وهو قول ملزم عندهم.

ومن لم تثبت عنده الرؤية في بلده وأتم شعبان ثلاثين، فقد استند إلى قول معتبر أيضاً.

المبحث الثالث: ولادة الهلال فلكياً ـ متكأ فقهي ثالث

إلى جانب الرؤية البصرية ومسألة المطالع، ظهر في العصر الحديث اتجاه فقهي يرى جواز الاعتماد على الحساب الفلكي القطعي في إثبات دخول الشهور القمرية.

وهذا الاتجاه ليس بدعاً من القول، بل له جذور في التراث الفقهي، إذ ذهب إليه أبو العباس بن سريج من كبار أئمة الشافعية، الذي فسّر قوله صلى الله عليه وسلم «فاقدروا له» بمعنى: قدّروه بحساب المنازل، وجعل ذلك خطاباً لمن خصه الله بهذا العلم، بينما قوله «فأكملوا العدة» خطاب للعامة (فتح الباري: 4/104، طرح التثريب: 4/111-113)

وقد تبنى هذا الرأي في العصر الحديث عدد من كبار العلماء، أبرزهم:

العلامة أحمد محمد شاكر (ت 1377هـ) الذي كتب رسالته الشهيرة "أوائل الشهور العربية: هل يجوز إثباتها شرعاً بالحساب الفلكي؟"، وبيّن فيها أن الأمر بالرؤية جاء معللاً بعلة منصوصة، وهي أن الأمة «أمية لا تكتب ولا تحسب»، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا زالت الأمية وأصبحت الأمة تكتب وتحسب، وبلغ الحساب الفلكي درجة القطع واليقين، وجب الرجوع إليه (أوائل الشهور العربية: ص 7-17)

الشيخ يوسف القرضاوي الذي رأى أن الأخذ بالحساب القطعي يجب أن يُقبل من باب "قياس الأولى"، بمعنى أن السنة التي شرعت الأخذ بوسيلة أدنى (الرؤية) لا ترفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفى بتحقيق المقصود. وقد نادى على الأقل بالأخذ بالحساب في النفي لا في الإثبات، مستنداً إلى ما قرره الإمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ) من أن الحساب إذا نفى إمكان الرؤية وجب على القاضي رد شهادة الشهود، «لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظني لا يعارض القطعي فضلاً عن أن يقدم عليه» (فتاوى السبكي: 1/219-220)

الشيخ مصطفى الزرقا الذي كان من المنادين باعتماد الحساب الفلكي في إثبات الأهلة.

وعليه، فإن القول بولادة الهلال فلكياً يصلح هو الآخر متكأً فقهياً للقول بدخول الشهر، وإن كان هذا القول لم يحظَ بموافقة الأكثرين من الفقهاء المعاصرين، إلا أنه قول معتبر له أصوله في التراث الفقهي، وله من يتبناه من أهل العلم المعتبرين.

المبحث الرابع: إشكالية قبول الفلك في النفي دون الإثبات

من أبرز الإشكاليات المنهجية في النقاش المعاصر موقف من يقبل الحساب الفلكي في نفي إمكانية الرؤية، فيرد شهادة الشهود إذا قال الفلكيون إن الهلال لم يولد أصلاً أو غرب قبل الشمس، لكنه يرفض الاعتماد على الحساب نفسه في إثبات دخول الشهر عندما يؤكد الفلك ولادة الهلال وإمكانية رؤيته.

وهذا الموقف، مع وجاهته من حيث الاحتياط، ينطوي على تناقض أصولي يمكن بيانه من وجوه:

الوجه الأول: إن الحساب الفلكي إما أن يكون حجة قطعية أو لا يكون. فإذا كان قطعياً بحيث نرد به شهادة الشهود في حالة النفي، فهو قطعي أيضاً في حالة الإثبات، إذ القطعية وصف ذاتي للعلم لا يتغير بتغير محل الاستعمال. والقول بقبوله في حالة دون أخرى هو تحكّم لا يستند إلى أساس أصولي متين.

الوجه الثاني: إن ولادة الهلال فلكياً هي حقيقة كونية لا تقبل الجدل، فالفلك الذي يُستند إليه في نفي الرؤية هو نفسه الذي يؤكد أن الهلال قد وُلد.

فمن احتج بالفلك في النفي فقد أقر بحجيته، ومن أقر بحجيته لزمه قبوله في الإثبات أيضاً، وإلا كان متناقضاً.

الوجه الثالث: إن هذا التفريق يبقى في دائرة الاجتهاد الظني، وليس حكماً قطعياً لا يسع مخالفته.

فمن قال به فقد اجتهد، ومن خالفه فقد اجتهد أيضاً، ولا يجوز لأحدهما أن يُنكر على الآخر أو يتهمه في دينه.

وعليه، فإن من نفى الرؤية معتمداً على الفلك، والفلك نفسه يؤكد أن الهلال قد وُلد، فإن حجاجه بأن الفلك يُؤخذ به في النفي دون الإثبات هو رأي عليه ما عليه من الملاحظات المنهجية، ويبقى هو رأياً ظنياً وليس قطعياً، لتبقى المسألة كلها من المظنون الذي يسع الخلاف فيه.

المبحث الخامس: المتكآت الفقهية لدخول الشهر ـ جمع وتحرير

يتحصل مما سبق أن هناك متكآت فقهية معتبرة يمكن الاستناد إليها للقول بدخول شهر رمضان، وكل منها له أصله في التراث الفقهي وأدلته المعتبرة.

أولها، الرؤية البصرية في أي بلد كان، وهو ما يُعرف بـ (وحدة المطالع).

ويستند هذا القول إلى عموم حديث «صوموا لرؤيته» باعتباره خطاباً للأمة كافة.

وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (المعتمد)، والحنابلة (الصحيح من المذهب)، والمالكية (في رواية ابن القاسم عن مالك)، وهو قول عند الشافعية (نقله الروياني وأبو الطيب والبغوي عن الشافعي). وقد اختاره من المتأخرين ابن تيمية وغيره. وحكم هذا القول أنه ملزم عند الجمهور لمن ثبتت لديه الرؤية.

ثانيها، ولادة الهلال فلكياً، وهو ما يُعرف بالاعتماد على (الحساب الفلكي). ويستند هذا القول إلى تفسير «فاقدروا له» بالحساب كما ذهب إليه ابن سريج من الشافعية، وإلى أدلة أخرى كقياس الأولى ودوران الحكم مع علته.

وقد تبناه من المعاصرين أحمد شاكر، ويوسف القرضاوي، ومصطفى الزرقا، وغيرهم.

وحكم هذا القول أنه قول معتبر له أصله في التراث، وإن لم يكن قول الأكثرين.

يتبين من هذا العرض أن من صام يوم الأربعاء مثلاً، مستنداً إلى أي من هذه المتكآت ، فقد استند إلى قول فقهي معتبر. ومن أتم شعبان ثلاثين وصام الخميس، مستنداً إلى عدم ثبوت الرؤية في بلده مع اعتبار اختلاف المطالع، فقد استند هو الآخر إلى قول فقهي معتبر.

المبحث السادس: فقه الخلاف وأدب الاختلاف في المسائل الظنية

أولاً: القاعدة الأصولية الحاكمة

قرر علماء الأصول والفقه قاعدة جليلة هي: «لا إنكار في مسائل الاجتهاد».

وهذه القاعدة تعني أن المسائل التي لم يرد فيها نص قطعي الثبوت والدلالة، أو إجماع صحيح ثابت، وإنما اختلف فيها المجتهدون بناءً على أدلة ظنية، لا يجوز فيها الإنكار على المخالف، وإن جاز التباحث والمناظرة بالتي هي أحسن

وقد نقل الإمام النووي عن العلماء قولهم: «إنما ينكر ما أُجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه».

وقال الإمام أحمد: «لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه».

وقال ابن تيمية: «مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بالقول الآخر لم يُنكر عليه».

ثانياً: تطبيق القاعدة على مسألتنا

إن مسألة إثبات هلال رمضان بجميع فروعها ـ من اختلاف المطالع ووحدتها، ومن الاعتماد على الحساب الفلكي أو رفضه ـ هي من المسائل الاجتهادية الظنية بلا خلاف بين أهل العلم. فليس في المسألة نص قطعي الدلالة يحسم الخلاف، وليس فيها إجماع ثابت يمنع الاجتهاد. وعليه:

فمن صام يوم الأربعاء بناءً على ثبوت الرؤية في بلد ما، أو بناءً على ولادة الهلال فلكياً، فقد عمل بقول فقهي معتبر، ولا يجوز تخطئته أو اتهامه في نيته.

ومن أتم شعبان ثلاثين وصام الخميس لعدم ثبوت الرؤية عنده، فقد عمل هو الآخر بقول فقهي معتبر، ولا يجوز تخطئته أو اتهامه في نيته.

والواجب على الجميع هو حسن الظن بإخوانهم المسلمين، وعدم تحويل الخلاف الفقهي المعتبر إلى ساحة للتراشق والاتهام. فالمسألة درج عليها الخلاف منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم، كما يدل عليه حديث كريب، حيث اختلف ابن عباس مع معاوية رضي الله عنهما في بداية الشهر، ولم يُنكر أحدهما على الآخر، ولم يتهم أحدهما الآخر في دينه.

ثالثاً: الخطأ في مثل هذا مغتفر

ومما يؤكد سعة الأمر في هذه المسألة ما قرره الفقهاء من أن الخطأ في إثبات الهلال مغتفر.

فلو أخطأ الشاهد وترتب على ذلك صيام يوم من شعبان أو إفطار يوم من رمضان، فإن الله تعالى لا يؤاخذ عباده بالخطأ، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: 286).

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» (رواه الترمذي: 697، وأبو داود: 2324)

. قال الإمام الخطابي: «معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد».

المبحث السابع: نحو وحدة في الشعائر واحترام في الخلاف

إن السعي إلى وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم أمر مطلوب شرعاً ومقصد من مقاصد الشريعة.

ولكن تحقيق هذه الوحدة لا يكون بإلغاء الاجتهاد أو قمع الرأي المخالف، وإنما يكون بالتزام كل بلد بما تقرره سلطته الشرعية المسؤولة عن إثبات الهلال، سواء كانت محكمة عليا أو دار إفتاء أو هيئة شؤون دينية.

فيكون الالتزام بالشعائر كصلاة الجماعات و يبقى لكل مسلم الأخذ بأحد الاجتهادين بعيد عن الصراع و التنابز.

وكان الأول. أن لا تنقسم أمة الاسلام ، فيصوم فريق ويفطر آخر، فهذا مخالف لمقصد الشريعة في جمع الكلمة ووحدة الصف.

فإذا لم تتحقق الوحدة الكلية بين أقطار المسلمين، فلا أقل من تحقيق الوحدة باحترام النصوص و اجتهادات الفقهاء .

الخاتمة والخلاصة

تخلص هذه الدراسة إلى النتائج التالية:

أولاً: إن دعوى ثبوت رؤية الهلال في أي مكان من العالم، سواء في الخليج العربي أو في احدى دول العالم أو في غيرهما، هي دعوى صحيحة تصلح متكأً فقهياً للقول بدخول الشهر، وهي ملزمة على رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وقول عند الشافعية.

ثانياً: إن اعتماد ولادة الهلال فلكياً في إثبات دخول الشهر هو قول معتبر له أصوله في التراث الفقهي عند ابن سريج وغيره، وتبناه عدد من كبار العلماء المعاصرين كأحمد شاكر والقرضاوي والزرقا، وهو يصلح هو الآخر متكأً فقهياً للقول بدخول الشهر.

ثالثاً: إن القول بقبول الحساب الفلكي في النفي دون الإثبات هو رأي اجتهادي عليه ما عليه من الملاحظات المنهجية، إذ الحجة القطعية لا تتجزأ. ومن نفى الرؤية معتمداً على الفلك، والفلك نفسه يؤكد ولادة الهلال، فإن موقفه يبقى رأياً ظنياً وليس قطعياً.

رابعاً: إن المسألة برمتها من المسائل الاجتهادية الظنية التي يسع فيها الخلاف، ولا يجوز فيها الإنكار على المخالف أو اتهام نيته.

فمن صام الأربعاء أو أتم شعبان وصام الخميس، فكلاهما على خير، وكلاهما مستند إلى قول فقهي معتبر.

خامساً: إن الخلاف الحاصل اليوم لا مبرر له إذا تحول إلى تخطئة وتشنيع واتهام للنوايا، فهو خلاف درج عليه الفقهاء منذ عصر الصحابة، والواجب هو احترام التنوع الاجتهادي في إطار قواعد الشرع ومقاصده، والسعي نحو توحيد الكلمة ما أمكن.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصادر والمراجع

[1] البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الصوم (1909)؛ مسلم، صحيح مسلم، كتاب الصيام (1081)، مع شرح النووي: 7/193.

[2] البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الصوم؛ مسلم، صحيح مسلم؛ مالك، الموطأ: 1/269.

[3] ابن الهمام، كمال الدين. فتح القدير. ط 1397هـ. ج2، ص243.

[4] ابن عابدين، محمد أمين. حاشية رد المحتار على الدر المختار. ج2، ص393.

[5] المرداوي، علاء الدين. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. تحقيق التركي. ج7، ص335-336.

[6] ابن قدامة، موفق الدين. المغني. تحقيق التركي والحلو. ط 1417هـ. ج4، ص328.

[7] الباجي، أبو الوليد. المنتقى شرح الموطأ. ط دار الكتاب الإسلامي. ج2، ص37.

[8] العراقي، زين الدين. طرح التثريب في شرح التقريب. ط دار الفكر العربي. ج4، ص116.

[9] ابن قدامة. المغني. ج4، ص329.

[10] النووي، محيي الدين. المجموع شرح المهذب. ج6، ص280-281.

[11] مسلم، صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم (ح 1087)؛ مسلم بشرح النووي: 7/197.

[12] ابن حجر العسقلاني. فتح الباري شرح صحيح البخاري. ج4، ص104؛ العراقي. طرح التثريب. ج4، ص111-113.

[13] شاكر، أحمد محمد. أوائل الشهور العربية: هل يجوز إثباتها شرعاً بالحساب الفلكي؟ نشر مكتبة ابن تيمية. ص7-17.

[14] السبكي، تقي الدين. فتاوى السبكي. نشر مكتبة القدس بالقاهرة. ج1، ص219-220؛ القرضاوي، يوسف. "الحساب الفلكي وإثبات أوائل الشهور". موقع الشيخ يوسف القرضاوي.

[15] المجيدي، عبد السلام مقبل. لا إنكار في مسائل الاجتهاد. مجلة الوعي الإسلامي، الكويت؛ وانظر: النووي، شرح صحيح مسلم؛ ابن تيمية، مجموع الفتاوى.

[16] الترمذي، سنن الترمذي (697)؛ أبو داود، سنن أبي داود (2324)؛ ابن ماجه، سنن ابن ماجه (1660).

معلومة للمشايخ الكرام: هناك اتفاق في زمان د.احمد عبدالغفور رحمه الله تعالى مع المشايخ أن الرؤية تعتمد على رأي جمهور الفقهاء بوحدة المطالع .

ومازال العمل عليه جار الا ماشذ فيه مشعان العام في رؤية هلال شوال العام الفائت مجاملة لساسة الشيعة .

ولذا هناك هجمة دوما من الطرف الاخر تسمع :انكم تبع للسعودية .

اعتقد موضوع سنة العراق حساس جدا و أن تبقى لهم سنة التمايز و هويتهم الواضحة خشية التذويب مع اتكاءهم على رأي جمهور الفقهاء مهم جدا على الأقل في هذه المرحلة .

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الصيام
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top