العلم الذي تقوم به الحجة على صاحبه
ما التوجيه العلمي المنقول في أثر العلم ومسؤولية حامله؟
ليست المأساة أن يجهل الإنسان الطريق إلى الله؛ فربما تعلَّم بعد جهل، وانتبه بعد غفلة. ولكنَّ المأساة الكبرى أن يعرف الطريق، ثم يجعل علمه طريقاً إلى نفسه! أن يتحدَّث عن الله، وقلبُه معلَّق بنظر الناس. أن يدعو إلى الآخرة، وهو يطلب من دعوته دنيا خفيَّة: اسماً، أو جاهاً، أو صدارةً، أو تصفيقاً!
حين يتحوَّل العلم إلى حُجَّةٍ على صاحبه
ا. د. محمد طه حمدون السامرائي
أيها الأحبة…
ليست المأساة أن يجهل الإنسان الطريق إلى الله؛ فربما تعلَّم بعد جهل، وانتبه بعد غفلة.
ولكنَّ المأساة الكبرى أن يعرف الطريق، ثم يجعل علمه طريقاً إلى نفسه!
أن يتحدَّث عن الله، وقلبُه معلَّق بنظر الناس.
أن يدعو إلى الآخرة، وهو يطلب من دعوته دنيا خفيَّة: اسماً، أو جاهاً، أو صدارةً، أو تصفيقاً!
ليس كلُّ مَن حمل العلم حمله العلمُ إلى الله.
وليس كلُّ من جلس على كرسي الوعظ كان من أهل القرب.
وليس كلُّ من أبكى الناس قد بكى قلبُه من خشية الله!
قد يكون اللسان في المحراب، والقلب في سوق الشهرة.
وقد يكون الكلام عن الزهد، والمتكلِّم أشدَّ الناس تعلقاً بمدح الناس وثنائهم.
وهنا يأتي الحديث النبويُّ المخيف، الحديث الذي ينبغي لكل عالم وداعية وخطيب ومدرِّس أن يقف عنده طويلاً:
رجل تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فيُسأل يوم القيامة: ماذا صنعت؟
فيقول: تعلَّمت فيك العلم وعلَّمته.
فيقال له: كذبت؛ إنما تعلَّمت ليقال: عالم، وقرأت ليقال: قارئ، فقد قيل!
تأملوا هذه الكلمة:
فقد قيل!
أردتَ أن يقول الناس: عالم، فقالوا.
أردتَ أن يقولوا: خطيب، فقالوا.
أردتَ الشهرة، فنلتَها.
أردتَ التصفيق، فسمعتَه.
أردتَ أن تتقدَّم المجالس، فتقدَّمت.
لكنَّك استوفيت أجرك في الدنيا، ولم تدَّخر للآخرة شيئاً!
يا لها من خسارة!
عمرٌ في القراءة، وسهرٌ في البحث، وتعبٌ في التدريس، ثم يكون الناتج هباءً؛ لأنَّ المقصد كان فاسداً!
ليست المشكلة في قلَّة العلم، بل في قلَّة الإخلاص.
وليست المشكلة في ضعف البيان، بل في مرض الجَنان.
وليست المشكلة في المنبر، بل في القلب الذي صعد المنبر!
أيها الأحبة…
لقد كان الإمام أبو حامد الغزالي في قمة المجد العلمي؛ يتصدَّر المدرسة النظامية في بغداد، وتزدحم حلقته بالطلاب، ويقصده العلماء والأعيان.
كان يملك كلَّ ما يتمناه طالب الشهرة: علماً، ومنصباً، وتأثيراً، ومكانة.
لكنه توقف يوماً، وسأل نفسه السؤال الذي نهرب منه جميعاً:
لمن أفعل هذا؟
نظر إلى قلبه، فلم يخدع نفسه بالألقاب، ولم يقل: أنا حجة الإسلام، وقد انتفع بي الناس.
بل اعترف بأن باعثه في التدريس قد خالطه طلب الجاه وانتشار الصيت.
فعرف أن الخطر ليس خارج المدرسة، بل داخل صدره!
ولم يحتج إلى درس جديد في الفقه، بل احتاج إلى تصحيح النيَّة.
ولم يحتج إلى أن يهزم خصومه، بل إلى أن يهزم نفسه.
فترك منصبه وجاهه وطلابه، وخرج يفتِّش عن قلبه!
إنه درسٌ عظيم:
قد يحتاج العالم أحياناً إلى أن ينزل عن كرسي التعليم؛ ليجلس بين يدي نفسه تلميذاً.
وقد يحتاج الواعظ إلى أن يصمت؛ ليسمع ما يقوله قلبه.
وقد يحتاج الداعية إلى خلوة؛ يسأل فيها نفسه:
أأنا أدعو إلى الله، أم أدعو الناس إليَّ؟
أأحزن لأن الدين لم ينتصر، أم لأن اسمي لم يظهر؟
أأغضب للحق، أم أغضب لمكانتي حين تُمسّ؟
ومن هنا نفهم أنَّ أخطر الأصنام ليست دائماً أصنام الحجر؛ بل قد يكون أخطرها صنمٌ خفيٌّ اسمه: أنا.
أنا العالم.
أنا الخطيب.
أنا المؤلف.
أنا الذي ملأت المجالس.
أنا الذي لا يجوز أن يُقدَّم عليَّ أحد!
وما أكثر من كسَّر أصنام الناس، ثم ترك الصنم الأكبر منتصباً في قلبه!
أيها الأحبة…
وفي مشهد آخر، نرى الإمام جلال الدين المحلي، العالم الكبير، صاحب التصانيف والدروس، يترك مجلسه ليقضي حاجة امرأة عجوز.
استغرب طلابه:
أتترك الدرس من أجل امرأة تريد زيتاً من السوق؟
فكان جوابه بالفعل قبل القول:
نعم؛ لأن حاجتها الآن أولى.
وكان يطوف في الليالي الباردة الممطرة على عجائز الحي، يسألهن عن حوائجهن، فيأتيهن بالطعام أو النار أو ما يحتجن إليه.
لم يرَ أنَّ خدمة عجوز تقلِّل من هيبة العلم.
بل رأى أنَّ العلم الذي لا يحملك إلى خدمة الناس علمٌ لم يبلغ غايته.
إنه لم يترك التدريس في تلك اللحظة؛ بل قدَّم لطلابه أعظم درس!
علَّمهم أن العالم لا يكون عظيماً بكثرة من يجلسون عند قدميه، بل بكثرة من يمشي هو في حوائجهم.
علَّمهم أن حمل كيسٍ لفقير قد يكون أثقل في الميزان من حمل لقب كبير.
علَّمهم أنَّ دمعة أرملة مسألة فقهية عاجلة، وأنَّ جبر خاطر منكسر باب من أبواب العبادة.
العلم ليس كلماتٍ تتراكم في الذاكرة.
العلم رحمة.
العلم تواضع.
العلم خوف من الله.
العلم يدٌ تمتد إلى المحتاج.
وقدمٌ تمشي إلى الملهوف.
وقلبٌ ينكسر بين يدي الله، كلما ازداد صاحبه فهماً ومعرفة.
وما قيمة عالمٍ يتحدث عن الرحمة، ثم يضيق بفقير طرق بابه؟
وما قيمة خطيبٍ يبكي الناس، ثم لا يبكيه يتيمٌ جائع؟
وما قيمة من يحفظ أبواب الإخلاص، ثم يغضب إذا لم يُذكر اسمه؟
قد يؤلف الإنسان كتاباً في التواضع، وهو لا يحتمل أن يتقدَّم عليه أحد.
وقد يلقي محاضرةً في الزهد، ثم تكون دنياه الخفيَّة عددَ المشاهدات والمتابعين.
وقد يتكلم عن خدمة الأمة، ثم يستثقل حاجة عجوز، أو سؤال طالب، أو استغاثة ملهوف!
فاسأل نفسك بعد كل درس، وبعد كل خطبة، وبعد كل كتاب:
كم قلباً جبرت؟
كم مهموماً نفَّست كربه؟
كم طالباً حفظت كرامته؟
كم فقيراً أعنت دون أن يعلم الناس؟
كم عملاً أخفيته، فلم تصوِّره، ولم تنشره، ولم تنتظر عليه ثناءً؟
إنَّ الأعمال الخفيَّة هي الامتحان الحقيقي للإخلاص.
لأنَّ النفس لا تجد فيها تصفيقاً تتغذى عليه.
قد يكون رغيفٌ يحمله عالم إلى عجوز في ليلة باردة أثقلَ في الميزان من مجلسٍ ضخم؛ لأنَّ الرغيف كان لله، والمجلس ربما تزاحمت عليه حظوظ النفس!
لسنا ندعو العلماء إلى ترك التعليم.
ولا الخطباء إلى ترك المنابر.
ولا المؤلفين إلى ترك الكتابة.
بل ندعوهم إلى تطهير المقاصد.
نريد علماً يقود إلى الله، لا علماً يقود إلى صاحبه.
نريد منابر تهدم الكِبر، لا منابر تبنيه.
نريد علماء إذا ازدادوا علماً ازدادوا تواضعاً، وإذا ارتفعت أسماؤهم انخفضت نفوسهم، وإذا كثُر طلابهم ازداد خوفهم من الله.
ليس الخطر أن يمدحك الناس؛ فقد يضع الله لك القبول.
ولكنَّ الخطر أن يصبح المدح هو الوقود الذي تعمل به:
إن مدحوك نشطت.
وإن أهملوك كسلت.
وإن قدَّموا غيرك غضبت.
وهنا اعلم أنَّك ربما تعمل لنفسك، لا لربك!
اللهم طهِّر مقاصدنا.
اللهم لا تجعل علمنا حجةً علينا.
اللهم ارزقنا علماً يورث خشية، وخشيةً تورث رحمة، ورحمةً تحملنا على جبر المنكسرين وقضاء حوائج المحتاجين.
فالربانية ليست أن يعرف الناس اسمك.
الربانية أن يعرف الله صدقك.
وليست أن تصعد في أعين الخلق.
بل أن ترتفع عند الحق.
ولعلَّ عملاً صغيراً أخفيتَه، وحاجةً قضيتَها، وقلباً جبرتَه، يكون هو الباب الذي تدخل منه إلى رحمة الله.
خاتمة:
إذا ما العلمُ لم يُثمرْ خشوعاً
فويلٌ للعليمِ من ادِّعاءِ
وإنَّ القصدَ إن فسدتْ خفاهُ
أحالَ العلمَ ضرباً من هباءِ
فجَبْرُ الخاطرِ المكسورِ نورٌ
يفوقُ بصدقِه زهوَ الثناءِ
إلهي طهِّرِ النياتِ فينا
وزيِّن علمَنا ثوب الصفاءِ
