ثبات الحلال والحرام وتغير الحكم بالعوارض والأحوال
هل الحلال مطلق ام نسبي؟ وهل الحرام مطلق ام نسبي؟ هل ترد على الحلال والمباح استثناءات في الزمان والمكان فتعطي له صفة الحرمة، وللمباح صفة المنع؟
وهل ان هذه الاستثناءات يمكن ان تغير الحرام الى مباح؟
انتظر جوابكم الكريم.
خالص تقديري لكم
•خلاصة القول: إن الأحكام الشرعية ليست كلها على درجة واحدة من الثبات. فمنها ما هو ثابت ومطلق لا يتغير أبدًا، وهي أصول الدين ومقاصده الكبرى والمحرمات لذاتها.
مقدمة في ثبات الشريعة ومرونتها:
إن الشريعة الإسلامية التي ختم الله بها الرسالات، تتسم بالثبات والخلود، فهي صالحة لكل زمان ومكان. ومن تمام صلاحيتها أنها جمعت بين أمرين متكاملين: الثبات في الأصول والكليات، والمرونة في الفروع والجزئيات.
فالعقائد وأصول العبادات والمحرمات القطعية هي من الثوابت التي لا تتغير.
أما الأحكام الاجتهادية المبنية على الأعراف والمصالح المتغيرة، فهي التي تظهر فيها مرونة الشريعة وقدرتها على مواكبة مستجدات الحياة. وكما يقول الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها" .
أولًا: هل الحرام مطلق أم نسبي؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من التفريق بين نوعين من المحرمات، وهو تقسيم دقيق أوضحه أهل العلم.
النوع الأول هو الحرام المطلق، ويُقصد به ما حُرِّم لذاته، ولا يمكن أن يُباح بأي حال من الأحوال، لا لضرورة ولا لغيرها، لأنه يمثل مفسدة محضة.
وهذا النوع من التحريم ثابت وقطعي لا يقبل التغيير ولا ترد عليه استثناءات.
ومن أمثلته: الشرك بالله، والفواحش كالزنا، والقول على الله بغير علم، والظلم المحض.
النوع الثاني هو الحرام النسبي (أو المقيّد)، وهو ما حُرِّم لعلة أو لسبب عارض، وليس لذاته.
وهذا النوع يمكن أن يُباح في أحوال استثنائية عند انتفاء علة التحريم أو وجود مصلحة راجحة تقتضي إباحته.
وبالتالي، فهو قابل للتغير في حالات الضرورة أو الحاجة الملحة، مع بقاء أصل التحريم قائمًا في الأحوال العادية.
ومن أمثلته: أكل الميتة ولحم الخنزير، وشرب الخمر.
يوضح هذا التقسيم أهل العلم، حيث يرون أن المحرمات التي لا تُباح بحال هي أربعة ذكروها القرآن: الشرك، والفواحش، والقول على الله بغير علم، والظلم.
أما ما دون ذلك، كأكل الميتة والدم، فهي محرمات تباح للضرورة، مما يجعلها في دائرة الحرام النسبي.
ثانيًا: هل يمكن أن يصبح الحرام مباحًا؟
نعم، ولكن هذا لا ينطبق على الحرام المطلق، بل يقتصر على الحرام النسبي، وذلك في حالات استثنائية محددة بضوابط شرعية دقيقة.
وأهم قاعدة تحكم هذا الانتقال هي قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات".
ومعناها أن الإنسان إذا وقع في حالة ضرورة قصوى، كخوف الهلاك جوعًا أو عطشًا، فإنه يُباح له ارتكاب المحظور (الحرام النسبي) بالقدر الذي يرفع عنه تلك الضرورة فقط.
أمثلة وضوابط:
أكل الميتة للمضطر: من أشرف على الهلاك جوعًا ولم يجد طعامًا حلالًا، أبيح له أن يأكل من الميتة بمقدار ما يسد رمقه وينقذ حياته. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3].
•التلفظ بكلمة الكفر للمُكرَه: من أُكره على الكفر بالتعذيب أو القتل، وقلبه مطمئن بالإيمان، جاز له أن يتلفظ بكلمة الكفر نجاةً لنفسه. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].
•وهذا الإباحة مقيدة بقاعدة أخرى وهي "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"، فلا يجوز التوسع في ارتكاب المحظور، بل يقتصر على الحد الأدنى الذي تندفع به الضرورة.
ثالثًا: هل يمكن أن يصبح الحلال والمباح حرامًا؟
نعم، يمكن للحلال أو المباح أن يكتسب صفة الحرمة أو المنع في ظروف معينة، وهذا من دلائل حكمة الشريعة وسعيها لتحقيق المصالح ودرء المفاسد. ويحدث هذا التحول في عدة حالات،
منها:قاعدة سد الذرائع: الذريعة هي الوسيلة. ومعنى القاعدة أن كل فعل مباح في أصله، إذا كان سيؤدي بشكل شبه مؤكد إلى الوقوع في الحرام، فإنه يُمنع ويصبح حرامًا.
الهدف هو منع المفسدة قبل وقوعها.
1.مثال: بيع العنب لمن يُعرف عنه أنه سيصنعه خمرًا.
البيع في أصله حلال، ولكنه يصبح حرامًا في هذه الحالة لأنه وسيلة مباشرة لمعصية.
ودليل القاعدة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].
فالله نهى عن سب آلهة المشركين - مع أنه في ذاته قد يبدو تعبيرًا عن البراءة من الشرك - لأنه ذريعة إلى مفسدة أعظم وهي سب الله جل وعلا.
•إذا أدى المباح إلى ضرر: كل مباح إذا ثبت أنه يؤدي إلى ضرر محقق على النفس أو الغير، فإنه يُمْنَع. فالقاعدة أن "الضرر يزال".
2.مثال: الإسراف في تناول الطعام والشراب المباح قد يؤدي إلى أمراض وأضرار صحية، فيصبح الإسراف حرامًا لهذا السبب.
•إذا تعلق به حق للغير: قد يكون الفعل مباحًا للشخص في نفسه، لكنه يُمنع إذا كان يترتب عليه إضاعة حق واجب لغيره.
3.مثال: الانشغال المفرط بالتجارة أو الترفيه المباح إذا أدى إلى تضييع حقوق الأسرة الواجبة من رعاية ونفقة.
•خلاصة القول:
إن الأحكام الشرعية ليست كلها على درجة واحدة من الثبات.
فمنها ما هو ثابت ومطلق لا يتغير أبدًا، وهي أصول الدين ومقاصده الكبرى والمحرمات لذاتها.
ومنها ما هو نسبي ومقيّد، وهو ما يقبل التغير والتبدل في الفتوى بحسب تغير الزمان والمكان والأحوال والأعراف، وهذا هو مجال الاجتهاد الفقهي الذي تظهر فيه مرونة الشريعة وحكمتها.
فالحرام المطلق لا يصير حلالاً أبدًا، أما الحرام النسبي فقد يباح للضرورة بقدرها.
والمباح قد يصير حرامًا إذا كان ذريعة إلى مفسدة أو ترتب عليه ضرر.
وهذا التوازن الدقيق بين الثبات والمرونة هو سر خلود الشريعة وصلاحيتها لكل عصر.
