حَدّثني الزّمانُ حديثَ العارفِ الخبير، وناجاني مناجاةَ المُشفِقِ النذير، فقال: يا هذا.. انظر إلى أديمِ الغبراء، وتأمّل في مَصارعِ الأقوياء. لقد مَرّ على هذا الثّرى ملايينُ من البَشر، كانوا ملءَ السمعِ والبَصَر، فصاروا أحاديثَ وخَبَر. آلافٌ من القُرونِ خَلَت، وأممٌ عظيمةٌ قد ولّت. كم من مُلوكٍ قُبِروا، وجبابرةٍ دُثِروا، وتيجانٍ كُسِرت، وعروشٍ نُثِرَت! وجيوشٍ جرّارةٍ أُبيدت، وحصونٍ منيعةٍ مادت. غادرَ هذه الدّارَ الكِبارُ والصّغار، وتداولتهم يدُ الليلِ والنّهار، فأموالُهم التي جمعوا قُسِّمَت، وديارُهم التي شادوا خُلِيَت، ومَحاسِنُهم في الأكفانِ طُوِيَت، فأصبحوا إمّا ذُكِروا فاعتُبِروا، أو نُسُوا كأن لم يكونوا شيئاً مَذكورا.
ثُمّ أخبَرني الدّهرُ ناصحاً، وبحقيقةِ المصيرِ مُصارحاً، فقال: اعلم أنّك على الأثرِ لاحِق، وللكأسِ ذاتِها ذائِق. سترحلُ عن دُنياك كما رحلوا، وينقطعُ بكَ الأملُ كما انقطعَ بهم الأملُ، وتُترَكُ وحيداً كما تُرِكوا، وتُنسى في غياباتِ الثّرى كما هَلِكوا. غيرَ أنّكَ -يا مسكين- رهينُ عَمَلِك، وأسيرُ ما خَطّهُ في صُحفِكَ قَلَمُك، فلا مالٌ يَنفع، ولا جاهٌ يَشفع، فَقَدِّم خيراً تلقَه، واعمل بِرّاً توفّه، قبلَ أن يزفَّ الرّحيل، ولا تجدَ إلى العودةِ من سبيل.
فهمسَ لي الشّرعُ مُبشِّراً، ولظلامِ اليأسِ كاسراً، فقال: هَوِّن عليك، فإنّ الذّكرَ الحقيقيَّ ليس في صُحفِ الفانين، بل هو ذِكرُك في الملأِ الأعلى وفي دارِ الخلودِ واليقين. اعلم أن سَعادتَكَ الكُبرى في جنّاتِ السّعود، حيثُ النعيمُ غيرُ المحدود، وإنّ مُنتهى الأُنسِ ولذّةَ الأرواح، يومَ تلقى اللهَ تعالى في روضاتِ الأفراح، فتجتمعَ بأهلِ الصّفوةِ الأخيار، في مقعدِ صِدقٍ عندَ العزيزِ الغفّار.
وخَتَمَ حديثَه نَظماً عذباً على بحرِ الوافرِ يُجلّي هذه المعاني:
