ا.د.
مَن يُلْقِ اليومَ نظرةً في فضاءِ الأثير، ويُقلِّبُ صفحاتِ التواصلِ وما فيها يصير، يَرَهُ هَوْلُ ما آلَ إليهِ حالُنا، ويُدركُ عُمْقَ الجرحِ الذي أصابَ مجتمعَنا. فلقد دبَّ في جسدِ الأمةِ داءُ الانقسام، وتفشَّى فيها الشقاقُ والخصام، حتى غدا الجسدُ الواحدُ أشلاء، والمودةُ بينَ الأهلِ عداء. فالانقسامُ الكبيرُ بينَ المكوناتِ قد بَلَغَ مَداه، ثم تشعَّبَ كلُّ مكونٍ على هواه، فانقسمَ إلى فئاتٍ تتصارعُ وتتطاحن، وتتناحرُ وتتباغن، في معتركٍ سياسيٍّ ودينيٍّ ومذهبي، وفكريٍّ واجتماعيٍّ وعشائريٍّ مُتعِبِ. وفي هذا الخِضَمِّ الهائجِ المائج، ترى القومَ قد أضاعوا المناهج، فبعضُهم يُسقِطُ بعضاً في حَلَباتِ الكلام، ويُنهِشُ لحمَ أخيهِ دونَ ذِمام. وأصبحَ انتهاكُ العِرْضِ أمراً مُباحا، والافتراءُ على البريءِ فِعْلاً مُتاحا.
وصارَ الصدقُ بِدعةً تُجْتَنَب، وقولةُ الحقِّ تهمةً تُكْتَسَب، فمن نطقَ بالإنصافِ قيلَ هذا مُحابي، ومن دعا إلى الحِيادِ قيلَ ذاكَ مُرابي، فتنهالُ عليهِ السهامُ من كلِّ حَدَبٍ وصَوْب، وينالُهُ من التجريحِ ما يُدمي القلوب. لقد تلوَّثَ الهواءُ بزفراتِ الحِقْد، وتكدَّرَ الماءُ بمراراتِ الفَقْد، وأصبحتِ المنغصاتُ تترى كالسيلِ العَرِم، تُزيلُ كلَّ قيمةٍ وتُهْدِمُ كلَّ حَرَم. وضاعت في زحمةِ الضجيجِ أصواتُ الحكماء، وخَفَتَتْ في لُجَّةِ الظلامِ أنوارُ العُلماء، فلا لِعالمٍ وقار، ولا لِشيخٍ اعتبار، ولا لِذي رأيٍ سديدٍ مكانةٌ أو قرار. فيا أحفادَ سومرَ وبابلَ وآشور، ويا من بنيتم للحضارةِ أعظمَ الجسور، أما آنَ لهذا الليلِ أن ينجلي؟ ولهذا الجرحِ الغائرِ أن يندملِ؟ إنَّ الوطنَ يستصرخُ ضمائرَكم الحية، ويدعوكم إلى نبذِ هذهِ العصبيةِ المقيتة. فلو كانت الأقلامُ بلسماً شافيا، لا سيفاً داميا، ولو كانت الكلماتُ جسراً للمحبةِ والتلاقي، لا سوطاً للفرقةِ والشقاقِ.
أعيدوا للرافدين صفاءَ مائِهِ، ولنخيلِهِ شموخَ عطائِهِ، قبلَ أن يأتيَ يومٌ نقولُ فيهِ يا ليت، وينقضيَ العمرُ ولا ينفعُ التمني لو بقيت.
