حدثنا الحارث بن همام قال: لما كان في ليلة من ليالي ربيع الأول الأنور، وقد أقبل الليل بظلامه الأسود الأكدر، وأدبر النهار بأحلامه وأضوائه وأنواره، وسكنت الرياح عن هبوبها وذهابها وإيابها، وهدأت الطيور في عشوشها ووكوبها وأوكارها وأوطانها، إذ رأيت في صحوتي رؤية عجيبة غريبة، ومشهداً من المشاهد الغريبة العجيبة، فكأني في روضة غناء فيحاء، وبستان وضاء بهاء، تتدفق فيه الأنهار الجارية الصافية، وتتألق فيه الأنوار الزاهية الوافية، وتترنم فيه الأطيار الشادية العافية، وتتعطر فيه الأزهار الذكية الشافية.
فبينما أنا في تلك الروضة أتنزه وأتفرج، وبجمالها أتبهج وأتبرج، وبحسنها أتمتع وأتدرج، إذ أقبل علي شيخ جليل القدر عظيم، بهي الطلعة كريم، عليه من الوقار ما يهيب ويروع، ومن الجلال ما يريب ويخضع، ومن البهاء ما يعجب ويطيب ويمتع، ومن الحسن ما يسحر ويخلب ويقنع. فسلم علي بتحية الإسلام الزكية الطيبة، وحياني بأحسن الكلام وأعذب الخطاب وأطيب الكلمة، ثم قال لي بصوت كالرعد في إقباله وإدباره، والبرق في إشراقه وإسفاره، والبحر في تدفقه وانحداره:
"يا هذا الفتى الأريب، والشاب اللبيب، هل تدري أي ليلة هذه من الليالي الزاهرات؟
وأي مناسبة هذه من المناسبات الباهرات الفاخرات؟ هذه والله ليلة أشرق فيها على الكون نور الأنوار الزاهرة، وأطل فيها على الوجود بدر الأبرار الطاهرة، وولد فيها سيد الأخيار والأبرار، ومصباح الأبصار والأفكار، ومفتاح دار القرار والأسرار، محمد المختار من بين الأخيار، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار الأبرار، وصحبه الأخيار الأحرار، ما تعاقبت الليالي والأيام والأعصار، وما تواترت الشهور والأعوام والأدهار." فقلت له وقد أخذني العجب والدهش، وملكني الطرب والطرش: يا سيدي الجليل الوقور، وشيخي النبيل المشهور، وأستاذي الحكيم المأثور، حدثني عن هذا الميلاد العظيم الجليل، والحدث الجسيم النبيل، بما يشفي الغليل ويبرد الأوام، ويروي العليل ويذهب السقام، ويفرح القلب الكليل ويزيل الأحزان والآلام، ويطرب الروح ويذهب الأوهام. فاستوى الشيخ في جلسته، وأشرق وجهه في بسمته، وقال بصوت تهتز له الأفئدة، وترقص له الأكبدة:
"اعلم يا بني، أيدك الله وهداك، وسدد في الخير خطاك، أن ميلاد النبي المصطفى، والرسول المجتبى، كان حدثاً عظيماً هز أركان الكون هزاً، وأضاء ظلمات الوجود إضاءة وبرزاً، وبدد غياهب الجهل تبديداً وعزاً، وأشرق على البشرية بنور لا ينطفئ أبداً، ولا يخبو سرمداً، ولا يذوي أمداً.
ففي تلك الليلة المباركة الميمونة، والساعة المشرقة المأمونة، حين كانت الدنيا تتخبط في ظلمات الضلال والعماية، وتتيه في متاهات الجهل والغواية، وتغرق في بحار الكفر والجاهلية، وتسبح في أوحال الشرك والوثنية، أشرق على الوجود نور محمد الهادي، وضياء أحمد المرشد الحادي، فكان إشراقه كإشراق الشمس بعد ليل دامس، وكبزوغ البدر بعد ظلام قاتم، وكانبلاج الفجر بعد دجى باهت. ولقد سبق ميلاده الشريف المبارك بشارات الأنبياء الكرام، وإرهاصات الرسل العظام، فبشر به موسى الكليم في التوراة والأحكام، وأنبأ عنه عيسى الروح في الإنجيل والأعلام، وأخبر عنه إبراهيم الخليل في الصحف والأقلام، وترقبته الأمم والأقوام، وانتظرته القلوب والأفهام، وتشوقت إليه الأرواح والأجسام.
فلما أطل على الدنيا بطلعته البهية، وأشرق عليها بغرته الندية، وأضاء أرجاءها بأنواره الزكية، فرحت السماوات السبع بميلاده، وابتهجت الأرضون بإيلاده، وسجدت الملائكة لجلاله، وسبحت الأفلاك لكماله، وهللت النجوم لجماله، ورقصت الأشجار لإقباله، وترنمت الأطيار لاستقباله، وتعطرت الأزهار لاستهلاله. وكان ميلاده صلى الله عليه وسلم معجزة في ذاته، وآية في صفاته، وبرهاناً على عظمة الله وقدرته، ودليلاً على حكمته ورحمته، فقد ولد يتيماً ليكون أباً لليتامى، وولد فقيراً ليغني الفقراء والبؤساء، وولد في أمة أمية ليخرجها من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم والحكمة، ومن غياهب الضلال إلى مشارق الهدى والرحمة.
وما كان ميلاده إلا رحمة من الله للعالمين، ونعمة على الخلق أجمعين، وهدية من السماء للأرضين، فقد جاء رحمة للصغير والكبير، والقريب والبعيد، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان، والحاضر والغائب، والماضي والمستقبل، فكانت رحمته شاملة كاملة، وعامة تامة، لا تخص قوماً دون قوم، ولا تقتصر على زمان دون زمان، ولا تنحصر في مكان دون مكان. وبميلاده الشريف المبارك تغير مجرى التاريخ، وانقلبت موازين القوى، وتبدلت أحوال الدنيا، فأصبحت الأمة الأمية أمة قارئة كاتبة، والقبائل المتناحرة أمة متآخية متحابة، والشعوب المتفرقة أمة موحدة متماسكة، وانتشر بميلاده نور العلم بعد ظلمة الجهل، وضياء الحق بعد غبش الباطل، وشعاع العدل بعد ظلام الظلم، ونسيم الرحمة بعد عواصف القسوة.
فكان ميلاده نهاية عصر الظلمات وبداية عصر الأنوار، وختام حقبة الضلال وافتتاح حقبة الهداية والاستبصار، وانقضاء زمان الجاهلية وإطلالة زمان الإسلام والإيمان والإقرار، به انتهت عبادة الأصنام والأوثان، وبدأت عبادة الواحد الديان، وانقضت سيادة الظلم والطغيان، وأشرقت شمس العدل والإحسان. وبميلاد النبي المعظم أشرق على البشرية نور الهداية الذي لا ينطفئ، وضياء الحق الذي لا يخبو، ومشعل الإيمان الذي لا يخمد، وسراج الإسلام الذي لا ينكسف، فكان نوره يهدي الحائر إلى طريقه، والتائه إلى سبيله، والضال إلى منهجه، والغافل إلى ربه، والعاصي إلى توبته، والمذنب إلى مغفرته. لقد ولد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الخوف إلى الأمان، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكراهية إلى المحبة، ومن العداوة إلى الأخوة، ومن الحرب إلى السلام، ومن الفوضى إلى النظام." فلما انتهى الشيخ من حديثه العذب، وكلامه الطيب العجب، قال لي بصوت حنون رقيق، وكلام معسول أنيق:
"فاللهم كما أكرمتنا بميلاد هذا النبي الكريم، وأنعمت علينا بطلعة هذا الرسول العظيم، فاجعلنا من أتباعه المخلصين، ومن أحبابه الصادقين، ومن أمته المهتدين، واجعل حبه في قلوبنا راسخاً، واتباعه في أعمالنا ظاهراً، وذكره على ألسنتنا دائماً، وشفاعته لنا يوم الدين حاصلة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين." قال الحارث: فلما انتهى الشيخ من دعائه، وختم كلامه ونداءه، استيقظت من منامي، وقد امتلأ قلبي بحب النبي وغرامي، وفاضت عيناي بدموع الشوق والهيام، فحمدت الله على هذه الرؤية المباركة، والصحبة الطيبة المباركة، وسألته أن يجعلني من أتباع النبي المصطفى، والرسول المجتبى، في الدنيا والآخرة، وأن يحشرني في زمرته الطاهرة.
