رجوع إلى البحوث الأدب والمقامات والشعر

مَقَامَةُ الشُّهْرَةِ الخَالِدَة

الأدب والمقامات والشعر٥ دقائق للقراءة٨٦٢ كلمة

الحَمْدُ لِلهِ خَافِضِ أَقْوَامٍ وَرَافِعِ آخَرِين، وَنَاصِبِ مَوَازِينِ القِسْطِ لِيَوْمِ الدِّين، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُتَوَاضِعِين، وَإِمَامِ الأَتْقِيَاءِ الأَخْفِيَاء، المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين، الَّذِي حَذَّرَ مِنْ كُلِّ مَا يُشْغِلُ القَلْبَ عَنْ رَبِّ العَالَمِين، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَيُمَيَّزُ فِيهِ الصَّادِقُ مِنَ المَائِن.

أَمَّا بَعْدُ،

فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ غُرُورٍ وَفَنَاء، وَمَطِيَّةُ تَقَلُّبٍ وَعَنَاء، تَخْدَعُ بِبَرِيقِهَا الزَّائِف، وَتُغْرِي بِسَرَابِهَا الخَاطِف. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ فِتَنِهَا الَّتِي اسْتَهْوَتْ قُلُوبَ الرِّجَال، وَأَذْهَلَتْ عُقُولَ أُولِي الأَلْبَابِ وَالكَمَال، فِتْنَةَ الصِّيتِ وَالظُّهُور، وَالتَّعَلُّقَ بِأَذْيَالِ الشُّهْرَةِ وَحُبِّ المَدِيحِ مِنَ الجُمْهُور.

فَكَمْ مِنْ نَفْسٍ ظَمِئَتْ لِلتَّصَدُّرِ وَالعُلُوّ، فَسَعَتْ فِي مَهَالِكِ الرِّيَاءِ وَالغُلُوّ، وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ تَعَلَّقَ بِنَظَرِ الخَلْقِ إِلَيْه، فَغَفَلَ عَنْ نَظَرِ الخَالِقِ الَّذِي مَصِيرُهُ إِلَيْه. فَيَا عَجَبًا لِمَنْ يَطْلُبُ الذِّكْرَ فِي دَارِ المَمَرّ، وَيَنْسَى يَوْمَ الحَسْرَةِ فِي دَارِ المُسْتَقَرّ! وَيَا أَسَفًا عَلَى مَنْ يَشْتَرِي ثَنَاءَ النَّاسِ بِغَضَبِ رَبِّ النَّاس، وَيَبِيعُ البَاقِيَ بِالفَانِي فِي سُوقِ الكَسَادِ وَالإِفْلَاس! فَأَيُّ شَرَفٍ هُوَ الشَّرَفُ الحَقِيقِيُّ الأَبْقَى؟ وَأَيُّ وَجَاهَةٍ هِيَ الوَجَاهَةُ الَّتِي تَسْمُو بِصَاحِبِهَا وَتَرْقَى؟

وَلَقَدْ حَدَّثَنِي أَحَدُ أَرْبَابِ البَصَائِر، بِمَا شَهِدَتْهُ مِنْهُ العَيْنُ وَتَأَثَّرَتْ بِهِ الضَّمَائِر، حِكَايَةً تَكْشِفُ عَنْ هَذَا السِّرِّ حِجَابَه، وَتُبَيِّنُ لِذِي لُبٍّ صَوَابَه، فَأَرْعِنِي سَمْعَكَ، وَأَحْضِرْ مَعِيَ قَلْبَكَ، لِتَرَى كَيْفَ تَخْفِضُ المَوَازِينُ وَتَرْفَع، وَكَيْفَ يَضَعُ اللهُ أَقْوَامًا وَيَرْفَع. قَالَ: دُعِيتُ مَرَّةً إِلَى مَحْفِلِ تَكْرِيم، فِي بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ المُسْلِمِين، وَقَدْ أَرَادَ القَائِمُونَ عَلَى الأَمْر، أَنْ يَكُونَ التَّكْرِيمُ ذَا قَدْر، فَجَعَلُوهُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله، بَعْدَ أَنْ أُلْقِيَ عَلَى النَّاسِ مِنْ مَوَاعِظِ الجُمُعَةِ وَذِكْرِ الله. فَغَصَّ المَسْجِدُ بِالحُضُور، وَازْدَانَتْ صُفُوفُهُ الأُولَى بِأَصْحَابِ الصُّدُور، مِنْ وُجَهَاءٍ وَأَعْيَان، وَنُوَّابٍ فِي البَرْلَمَان، يَرْفُلُونَ فِي حُلَلِ الجَاه، وَتَرْمُقُهُمُ الأَبْصَارُ بِإِعْجَابٍ وَانْبِهَار.

فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاة، وَعَلَتِ الأَصْوَاتُ بِالتَّسْبِيحِ وَالدَّعَوَات، قَامَ الإِمَامُ الخَطِيب، وَكَانَ رَجُلًا أَرِيبًا لَبِيبًا، فَقَالَ بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ رَخِيم، وَقَدْ خَيَّمَ عَلَى المَكَانِ صَمْتٌ عَظِيم: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَكَارِم، إِنَّ تَكْرِيمَنَا اليَوْمَ سَيَكُونُ فَرِيدًا فِي بَابِه، جَدِيدًا فِي أَسْبَابِه. فَلَنْ يَتَقَدَّمَ لِتَسْلِيمِ الهَدِيَّةِ وَزِيرٌ أَوْ نَائِب، وَلَنْ يَنَال هَذَا الشَّرَفَ وَجِيهٌ أَوْ صَاحِبُ مَنَاصِب. بَلْ سَيُسَلِّمُهَا رَجُلٌ آخَر، اسْمُهُ عِنْدَنَا مَغْمُور، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ اللهِ مَعْلُومٌ وَمَذْكُور". ثُمَّ أَطْرَقَ لَحْظَةً وَكَأَنَّهُ يَسْتَلْهِمُ السَّمَاء، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالنِّدَاء: "فَلْيَقُمْ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ اليَوْم!"

فَسَادَ صَمْتٌ كَصَمْتِ القُبُور، وَتَلَفَّتَ الحَاضِرُونَ فِي حَيْرَةٍ وَذُهُول، يَمْنَةً وَيَسْرَة، يَبْحَثُونَ عَنْ هَذَا السَّابِقِ بِغَيْرِ شُهْرَة. وَإِذَا بِرَجُلٍ مِنْ بَيْنِ عَامَّةِ النَّاس، قَدْ عَلَاهُ الخَجَلُ وَتَوَارَى بِالحَيَاء، يَقُومُ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ وَوَجَل، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ الأَبْصَار، وَكَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ظَهَرَ فِي وَضَحِ النَّهَار.

مَشَى بِخُطَىً وَئِيدَة، وَنَفْسٍ مُتَهَيِّبَة، حَتَّى بَلَغَ المِنْبَر، فَتَنَاوَلَ الهَدِيَّةَ مِنَ الإِمَامِ الأَكْبَر، ثُمَّ سَلَّمَنِي إِيَّاهَا وَيَدَاهُ تَرْتَجِفَان، وَجَبِينُهُ يَتَصَبَّبُ عَرَقًا كَالجُمَان. ثُمَّ عَادَ أَدْرَاجَهُ إِلَى مَكَانِهِ القَصِيّ، تَتْبَعُهُ القُلُوبُ قَبْلَ الأَعْيُن، وَقَدْ تَرَكَ فِي النُّفُوسِ أَثَرًا لَا يُمْحَى، وَدَرْسًا لَا يُنْسَى. فَيَا لَهَا مِنْ مَوْعِظَةٍ لِلنَّاظِرِين، وَتَذْكِرَةٍ لِلسَّامِعِين! إِنَّ هَذَا المَشْهَدَ البَسِيطَ فِي مَبْنَاه، العَظِيمَ فِي مَعْنَاه، لَيَخْتَزِلُ لَكَ مَشْهَدَ الآخِرَةِ بِأَجْلَى صُوَرِه، وَيَكْشِفُ لَكَ عَنْ حَقِيقَةِ المَوَازِينِ بِأَبْيَنِ عِبَرِه.

فَهَذَا رَجُلٌ مَغْمُورٌ فِي دُنْيَاه، لَا يَأْبَهُ لَهُ أَحَدٌ وَلَا يَعْرِفُهُ سِوَى مَوْلَاه، وَأُولَئِكَ رُمُوزٌ وَأَعْلَام، يَجْلِسُونَ فِي صُدُورِ المَجَالِسِ وَيُشَارُ إِلَيْهِمْ بِالبَنَان، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ المِعْيَارُ رَبَّانِيًّا لَا دُنْيَوِيًّا، وَالاخْتِيَارُ أُخْرَوِيًّا لَا أَرْضِيًّا، قَامَ المَغْمُورُونَ وَقَعَدَ المَشْهُورُون، وَتَقَدَّمَ الأَخْفِيَاءُ وَتَأَخَّرَ الظَّاهِرُون.

وَهَكَذَا وَاللهِ يَكُونُ المِيزَانُ يَوْمَ القِيَامَة، يَوْمَ الحَسْرَةِ وَالنَّدَامَة. فَهُوَ يَوْمُ المَفَاجَآتِ الكُبْرَى، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ بِكَلِمَتَيْنِ تَهُزَّانِ القُلُوبَ هَزًّا، فَقَالَ جَلَّ فِي عُلَاه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 3].

نَعَمْ، خَافِضَةٌ لِأَقْوَامٍ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّةً بِجَاهِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، رَافِعَةٌ لِآخَرِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا ضُعَفَاءَ بِفَقْرِهِمْ وَخُمُولِهِمْ. تَخْفِضُ مَنْ تَعَالَى بِشُهْرَتِهِ وَنَسَبِه، وَتَرْفَعُ مَنْ تَوَاضَعَ بِإِيمَانِهِ وَعَمَلِه. وَصَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذْ يَقُول: «كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (رواه الترمذي وحسنه).

فَأَيُّ قِيمَةٍ لِشُهْرَةٍ تَذْهَبُ مَعَ الرِّيح، وَتُورِثُ صَاحِبَهَا الخِزْيَ وَالتَّبْرِيح؟ وَأَيُّ وَزْنٍ لِأَسْمَاءٍ لَمَعَتْ فِي صُحُفِ الدُّنْيَا الفَانِيَة، ثُمَّ غَدَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا فِي صَحَائِفِ الآخِرَةِ البَاقِيَة؟

لَقَدْ حَذَّرَ القُرْآنُ مِنْ هَذَا الغُرُورِ فَقَالَ عَنِ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105]. فَلَا يُقَامُ لَهُمْ وَزْنٌ، لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الوَزْنَ مِنَ الخَلْق، وَنَسُوا الخَالِقَ الحَقّ. وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبَ الشُّهْرَةِ لِيُرَى، أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ المَذَلَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي الخَبَرِ الأَسْنَى: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا» (رواه أبو داود وابن ماجه).

فَاللهَ اللهَ أَيُّهَا الإِخْوَان، فِي تَحْقِيقِ مَعَانِي الإِيمَان، وَالحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ أَوْهَامِ الشُّهْرَةِ وَفِتْنَةِ الزَّمَان. فَإِنَّ الشَّرَفَ الحَقِيقِيَّ هُنَاكَ لَا هُنَا، وَالوَجَاهَةَ الحَقَّةَ وَجَاهَةُ الآخِرَةِ قَبْلَ الدُّنْيَا.

فَانْشَغِلُوا بِتَسْجِيلِ أَسْمَائِكُمْ فِي سِجِلِّ "الشُّهْرَةِ الخَالِدَة" عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر، لَا فِي صُحُفٍ يَقْرَؤُهَا البَشَر. وَلْيَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللهِ مَعْرُوفًا، وَلَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَجْهُولًا. وَلْتَعْلَمُوا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ نَظُنُّهُمْ اليَوْمَ مَنْسِيِّين، أَوْ مِنْ خَامِلِي الذِّكْرِ مَعْدُودِين، سَتُشَنَّفُ بِأَسْمَائِهِمْ أَسْمَاعُ أَهْلِ المَحْشَر، يَوْمَ يُعَادُ تَرْتِيبُ الأَسْمَاءِ وَيُكْشَفُ المُخْبَر.

فَأَخْمِلْ ذِكْرَكَ مَا اسْتَطَعْت، وَأَمِتْ حُبَّ الظُّهُورِ فِي قَلْبِكَ إِنْ وَعَيْت، وَاجْعَلْ عَمَلَكَ الصَّالِحَ سِرًّا بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّك، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَيُجَازِي عَلَى القَلِيلِ وَيُوَفِّي. وَلَا يَغُرَّنَّكَ مَدْحُ المَادِحِين، وَلَا يَحْزُنْكَ ذَمُّ القَادِحِين، فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا إِلَى زَوَال، وَإِنَّمَا العِبْرَةُ بِحُسْنِ المَآل.

اللَّهُمَّ يَا رَافِعَ دَرَجَاتِ المُتَوَاضِعِين، وَيَا قَابِلَ أَعْمَالِ المُخْلِصِين، ارْزُقْنَا قُلُوبًا سَلِيمَة، وَنِيَّاتٍ خَالِصَة، وَأَعْمَالًا صَالِحَة. وَأَعِذْنَا مِنْ شَرِّ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالعُجْبِ وَالكِبْر، وَاجْعَلْنَا مِنَ الأَتْقِيَاءِ الأَخْفِيَاءِ الأَبْرَار، الَّذِينَ إِذَا حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا، وَإِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا. وَاجْعَلْ شُهْرَتَنَا الحَقِيقِيَّةَ فِي مَلَكُوتِكَ الأَعْلَى، وَذِكْرَنَا الخَالِدَ فِيمَا عِنْدَكَ يَا ذَا العُلَا. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

شارك المقالة

Scroll to Top