الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين الحمدُ لله الذي أنارَ بمحمدٍ الدُّجى، وأزالَ بنوره العمى، وجعلَه للعالمين هُدى، ونورًا يُقتدى، وسراجًا منيرًا في ظُلمات الردى والبلوى. والصلاةُ والسلامُ على مَن كان خُلقُه القرآن، وسيرتُه البرهان، ونهجُه الإيمان، وطريقُه الإحسان، ودينُه الإسلام، محمدٍ خير الأنام، وسيد الكرام، وإمام الأئمة الأعلام، وخاتم الرسل العظام. أما بعد، فإن الحديث عن فضائل المصطفى صلى الله عليه وسلم حديثٌ تعجز عنه الألسن وتكل، وتقصر دونه الأقلام وتمل، وتتيه في بحاره العقول وتضل، وتحار في أنواره الأفهام وتذل. فهو النبي المختار، والرسول المصطفى الطاهر، والهادي البشير النذير، الذي اصطفاه الله من بين البشر، وجعله خاتم الأنبياء والرسل، ورحمة للعالمين في كل عصر ومصر، وضياء للسالكين في كل فجر وسحر. في كمال الخَلق والخُلق:
لقد خلق الله محمدًا صلى الله عليه وسلم في أحسن تقويم وأجمل تكوين، فكان آية في الجمال وغاية في الكمال، ومعجزة في الحسن ونهاية في الإحسان، تشع من وجهه أنوار النبوة وتفيض، وتفيض من قسماته بهاء الرسالة وتريض. وأما خُلقه فكان القرآن الناطق والإيمان الصادق، والإسلام الماشي والهدى الباقي، يجمع بين الرحمة والحزم، والحلم والعزم، والتواضع والعظمة، والبساطة والهيبة، والرفق والحكمة.
في رحمته للعالمين:
وما أرسله الله إلا رحمة للعالمين، رحمة تشمل الإنس والجن، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، والقريب والبعيد، والصغير والكبير. رحمة في دعوته ومعاملته، ورحمة في قضائه وعدالته، ورحمة في عفوه وصفحه، ورحمة في حلمه وأناته. كان يرحم الصغير لصغره ويرفق، والكبير لكبره ويوقر، والضعيف لضعفه ويعين، والقوي ليكون للضعفاء معين. حتى الحيوان نال من رحمته نصيبًا وافرًا، والجماد حظي من عطفه حظًّا باهرًا.
في هدايته للبشرية: جاء صلى الله عليه وسلم والدنيا غارقة في ظلمات الجهل والضلال، والناس تائهون في متاهات الكفر والإشراك والإفك والافتراء، فأضاء لهم طريق الهداية وأنار، وأنار لهم سبيل الرشاد وأبصر، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الردى إلى النجاة. فكان نوره يضيء للحائر طريقه ومسلكه، وللتائه سبيله ومنهجه، وللضال هداه ومرشده. في أثره الخالد: ومضى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وترك أثرًا خالدًا لا يبلى ولا يفنى، ونورًا ساطعًا لا ينطفئ ولا يخبو، ومنهجًا قويمًا لا يعوج ولا يميل، وذكرًا عطرًا لا يذبل ولا يزول. فما زال نوره يضيء للسالكين ويهدي، وهديه يرشد الطالبين ويقودي، وسنته تهدي المهتدين وترشد، وذكره يعطر المجالس ويشرف، ومحبته تملأ القلوب وتطهر، وشفاعته ترجى يوم الدين وتنتظر.
فاللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الكريم والرسول العظيم، الذي أنار الله به الطريق وهدى، وهدى به إلى الحق واقتدى، وأخرج به الناس من الضيق إلى السعة، ومن الظلمة إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى النعمة. وارزقنا اللهم حبه واتباعه، والسير على نهجه والاقتداء بهداه، والحشر في زمرته، والشرب من حوضه، والشفاعة بشفاعته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
