في خطورة الكلمة في رحاب الشريعة الغراء، تقف "الفتوى" منارةً يهتدي بها السائرون، وكلمةً فاصلةً تُبنى عليها مصالح وتُدرأ بها مفاسد. إنها توقيع عن رب العالمين، وميراث الأنبياء والمرسلين، ومسؤولية لا ينهض بأعبائها إلا من ترسّخ في العلم قدمه، واشتعل بالورع والتقوى قلبه. ولكن، ماذا لو أن هذه المنارة الشامخة أُسيء استخدامها؟ وماذا لو أن هذه الكلمة الفصل صدرت في غير موضعها، ومن غير أهلها؟ هنا تكمن الكارثة، وتتحقق المجازفة، حين يلج الفقيه، العالم بأصول الدين وفروعه، غمار السياسة والشأن العام، وهو لم يُحكم أدواتها، ولم يسبر أغوارها، ولم يفقه واقعها المعقد المتشابك.
إنها لمصيبةٌ عظيمة أن نرى من نجلّ علمه الشرعي ونحترم مكانته الفقهية، يخوض في نوازل الأمة الكبرى وقضاياها السياسية المصيرية بفتوى لا تستند إلى فهم دقيق للواقع، ولا إلى إدراك عميق للمآلات. فليس كل من أحاط بكتب الفقه والأصول، وأتقن علم الرجال والجرح والتعديل، هو بالضرورة خبيرٌ في تحليل موازين القوى الدولية، أو فهم خبايا الاقتصاد، أو إدراك التكتيكات السياسية. ولذلك، نسمع بين الفينة والأخرى طاماتٍ وكوارث، فتاوى تُحدث في الأمة شقاقاً، وتُورث في المجتمعات اضطراباً، وتُلبس الحق بالباطل، وكل ذلك باسم الدين، والدين منه براء.
منهجية الفتوى: علم لا هوى
إن الفتوى ليست رأياً شخصياً أو انطباعاً عابراً، بل هي صناعة علمية دقيقة لها أصولها وقواعدها. وهذه المنهجية في أربعة أسئلة جوهرية لا بد للمفتي من الإجابة عنها قبل أن ينطق بكلمة واحدة:"عندما نعمِّق النظر في مكونات الفتوى نجدها تتكون من جملة من العناصر المتكاملة... ويمكن حصرها في 4 أسئلة، وهذه الأسئلة هي:
هل؟ أي هل ثبت في هذه المسألة نصٌّ شرعيٌّ...
ماذا؟ وتعني: ما المراد من هذا النَّص؟...
لماذا؟ وتتعلق بمسألة التعليل؛ أي لماذا شرع الله سبحانه وتعالى عبادة معينة أو حكمًا معينًا...
كيف؟ ونعني به: كيفية إنزال الحكم على الواقع" . إن هذا السؤال الأخير، "كيف"، هو مكمن الخطر ومزلة الأقدام. فـ"إنزال الحكم على الواقع" يتطلب علماً بالواقع لا يقل أهمية عن العلم بالحكم الشرعي نفسه. وهنا يفترق الطريق بين الفقيه المتخصص في فنه، والخبير السياسي المحلل لواقعه. فالأول يملك الحكم، والثاني يملك تصور الواقع الذي سيُنزل عليه الحكم. فإذا انفرد الأول بالفتوى دون استشارة الثاني، كانت الفتوى عرجاء، وربما كانت سبباً في ضرر أكبر من النفع المرجو منها.
"رب حامل فقه وليس بفقيه":
نداء النبوة باحترام التخصص
لقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة الدقيقة في قوله: "رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ ليس بفَقِيهٍ، ورُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أَفْقَهُ منه" . فليس كل من حمل نصوص الشريعة وحفظها، هو فقيه بحق، قادر على فهم مراميها وتنزيلها على الوقائع المختلفة. وهذا ما فهمه سلف الأمة وعلماؤها الأجلاء، فهذا الإمام الغزالي، حجة الإسلام، يضع قاعدة ذهبية في أدب الفقيه والمفتي فيقول:"إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها فليس بفقيه" . فالفقيه الحق هو الذي يعرف حدود علمه، ويقف عندما ينتهي اختصاصه، ويعلم أن الجهل بالواقع السياسي المعقد عذر له في الصمت، وليس مسوغاً له في الكلام. إن الحكمة ليست في أن يلج العالم كل باب، ويفتي في كل حادثة، بل الحكمة في أن يعرف المرء قدر نفسه، ويلتزم فنه الذي أتقنه.
حين تتكلم الأهواء: نماذج من فتاوى الكوارث
والتاريخ، قديماً وحديثاً، مليء بالشواهد على خطورة تجاوز التخصص في ميدان الفتوى.
فمن منا ينسى تلك الفتاوى التي صدرت في عصور مضت بتحريم تعليم الفتاة، أو تحريم استخدام المخترعات الحديثة كالبرق والتلفاز، والتي لو أخذت بها الأمة لتخلفت عن ركب الحضارة قروناً؟ ومن منا لا يذكر تلك الفتاوى المعاصرة التي أباحت باسم الدين تدمير الآثار التاريخية التي هي جزء من ذاكرة الإنسانية، أو تلك الفتاوى السياسية المتناقضة التي أحدثت في صفوف الأمة انقساماً وتشرذماً حول المشاركة في الانتخابات أو الموقف من أحداث سياسية كبرى؟ إن هذه الفتاوى، على اختلاف أزمنتها وموضوعاتها، تشترك في سمة واحدة: أنها صدرت عن أناس ربما كانوا من أهل العلم بالشرع، ولكنهم قطعاً لم يكونوا من أهل العلم بالواقع الذي أفتوا فيه. لقد غاب عنهم فهم مآلات فتواهم، وتصور الأضرار التي ستترتب عليها، فكانت النتيجة وبالاً على الدين والدنيا.
وفي هذا يقول المتخصص محذراً:"العبث كلُّ العبث في إسناد أمر الفتوى، وخاصة في الشأن العام إلى غير المتخصص أو غير المؤهَّل لهذه المهمة، وهي أمانة... ولا تكون وسيلةً للظهور الشخصي لتحقيق مكاسب شخصية، أو كالتي تسعى إلى تغيير المستقر وإنكار المجمَع عليه" . الخاتمة: ارحمونا... وكلوا الأمر إلى أهلهإنها صرخة نطلقها من قلوب مخلصة، غيورة على دينها وأمتها: ارحمونا أيها العلماء، وارحموا هذا الدين الذي تحملون أمانته. ليكن علمكم الشرعي منارة تضيء لنا دروب العبادة والأخلاق والمعاملات، ولكن كلوا الأمر إلى أهله حين يتعلق الأمر بالسياسة ودهاليزها، والاقتصاد وتعقيداته، والشأن العام وتشعباته.
إن صمتكم في غير فنكم هو عين الحكمة والورع، وجهلكم بحقائق الأمور عذر لكم في السكوت، وليس دافعاً للولوج في كل باب والفتوى في كل نازلة.إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى التكامل بين علمائها ومفكريها وخبرائها. هي بحاجة إلى الفقيه الذي يضبط لها حكم الشرع، وإلى السياسي الذي يفهم لها لغة الواقع، وإلى الاقتصادي الذي يرسم لها طريق النماء. فإذا عمل كل في مجاله، وتكاملت الجهود، صلحت الأحوال واستقامت الأمور.
أما إذا تجاوز كلٌّ حدوده، وأفتى كلٌّ في غير فنه، فما علينا إلا أن ننتظر المزيد من الطامات والكوارث. فارحمونا، وكلوا الأمر إلى أهله، يرحمكم الله.
