تتوهمُ كثيرٌ من العقول، وتزِلُّ الأقدام في مزالقِ الظنون، حين يُنزِلُ الناسُ مقولةَ الحافظ ابن عساكر: «لحومُ العلماءِ مسمومة، وعادةُ اللهِ في هتكِ أستارِ مُنتقِصيهم معلومة» على كلِّ مَن ارتدى زِيَّاً شرعياً، أو اعتلى منبراً، أو تزيّا بعمامة! كما يسودُ وهمٌ آخر أشدُّ فتكاً، وهو ظنُّ العوامِّ أنَّ كلَّ عالمٍ بالضرورةِ ناجٍ وفائزٌ عند الله.
والحقُّ الذي لا مِراء فيه، أنَّه ليس كلُّ مَن لبس ثوبَ العلماءِ عُدَّ في مصافِّهم، ولا كلُّ مَن ارتقى المنابرَ صار فقيهاً، ولا كلُّ من تصدَّر الشاشاتِ ووسائلَ التواصلِ كان لبيباً، ولا كلُّ من ادعى الزهدَ كان من الصادقين.
وقد أجادَ حافظ إبراهيم حين قال محذراً من الاغترار بظاهر العلم دون جوهره:
لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ ... ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ والعِلمُ إن لَم تَكتَنِفهُ شَمائِلٌ ... تُعليهِ كانَ مَطِيَّةَ الإِخفاقِ
فالعالِمُ الحقُّ هو ذاك الذي حازَ العلومَ، وعملَ بمقتضى عِلمِه، وواطأ قلبُه لسانَه، وهذا الصنفُ في الزمانِ أندرُ من "الكبريتِ الأحمر". فالعمامةُ ليست ختماً بالولاية، والمظهرُ ليس صكاً بالنجاة؛ وكم من مُدَّعٍ للعلمِ هو فتنةٌ للناس، يصدُّهم عن سبيل الله بلسانِ حالِه وإن دعاهم بلسانِ مقالِه.
ثم إنَّ الخطرَ على العلماءِ أعظمُ وأشد؛ فكلُّ عالمٍ مرتهنٌ بإخلاصه، وموقوفٌ بين يدي ربه، حتى يُقال له يوم القيامة في أول من تُسعَّر بهم النار: «كذبتَ، ولكنكَ تعلَّمتَ ليُقالَ عالم، وقرأتَ القرآنَ ليُقالَ قارئ، فقد قيل»، ثم يُسحبُ على وجهه إلى النار. فكم من عالمٍ اكتسبَ بعلمه حطامَ الدنيا، وتزلَّف به إلى أربابِ السلطة والمال، واتخذه سُلَّماً للشهرة، واستمالةِ وجوه الناس، ولذّةِ أن يُشار إليه بالبنان.
وفي هذا المعنى يقول الشاعر القديم:
ولنا في سِيَرِ الصادقين عبرة؛ فهذا الإمامُ الجلال المَحَلّي (صاحب التفسير)، كان يتركُ درسَ العلمِ ومجلسَ الفقه لإسعافِ محتاجٍ أو قضاءِ حاجةِ أرملةٍ أو مساعدةِ فقير، فلما قيل له: "أتتركُ درسَ العلم وهو أشرف؟"، أجاب ببصيرةِ الناقد الخبير: «قلّما رُؤيَ عالمٌ بعد موته نجا بعلمه، فالتمسُوه بكذا وكذا»، أي التمسوا النجاةَ بكسرِ النفسِ وخدمةِ الخلق، لا بمجردِ سردِ المسائل.
وأعظمُ شاهدٍ على هذه المخاطر، اعترافُ حجةِ الإسلام الإمام الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، حيث شرّح نفسه بمشرطِ الصدق قائلاً عن فترة تدريسه قبل عزلته:
«ثم لاحظتُ أحوالي، فإذا أنا منغمسٌ في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظتُ أعمالي - وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبلٌ على علومٍ غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكرتُ في نيتي في التدريس، فإذا هي غيرُ خالصةٍ لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلبُ الجاه وانتشارُ الصيت، فتيقنتُ أني على شفا جُرفٍ هار، وأني أشفيتُ على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال». لقد أدرك الغزالي أن مجلسَ التدريس قد يكون مجلساً يُعصى الله فيه بالقلب، وإن كان الظاهرُ ذكراً وتفسيراً!
وختاماً، فإنَّ العبرةَ ليست بكثرةِ الرواية، بل بصحةِ البدايةِ وصدقِ النهاية. وعن محمد بن يوسف الفريابي - رحمه الله - قال: سمعتُ سفيان الثوري يقول:
«ما عملٌ أفضلُ من طلبِ الحديث، إذا صحَّت النيةُ فيه». فقال الإمام أحمد للفريابي: «وأيُّ شيءٍ النية؟». قال: «أن تريدَ به وجهَ الله والدارَ الآخرة».
فاللهم إنا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن عمامةٍ تخفي تحتها رغبةً في الدنيا وزخرفها.
