في رحاب آية كريمة تهز القلوب وتوقظ الضمائر، نقف اليوم عند قول الله تعالى في ختام سورة محمد: "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" (محمد: 38). هذه الآية، على قصرها، تحمل في طياتها قانونًا إلهيًا صارمًا، وسنة ربانية ماضية لا تتبدل ولا تتحول. إنها رسالة لكل مؤمن في كل زمان ومكان، تضع أمامه حقيقة جوهرية: شرف خدمة هذا الدين هو مغنم لك، والتولي عنه هو خسارة عليك وحدك، أما دين الله فباقٍ ومنصورٌ بك أو بغيرك. سياق الآية ودلالاتها العميقة : تأتي هذه الآية الخاتمة لسورة القتال بعد أن حثت المؤمنين على البذل والإنفاق في سبيل الله، مبينة أن من يبخل فإنما يبخل على نفسه، وأن الله هو الغني المطلق بينما البشر هم الفقراء إليه في كل شؤونهم. يقول تعالى: "هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ" (محمد: 38).
وفي هذا السياق، يأتي التحذير الإلهي كضربة قاصمة على وتر الغفلة والتقاعس. فالتولي ليس مجرد إعراض عن أمر جزئي، بل هو انصراف عن منهج الله، وتقصير في حمل الأمانة التي شرفت بها هذه الأمة. لقد فهم الصحابة الكرام، وهم خيرة الخلق بعد الأنبياء، هذا المعنى العميق. ورغم أن الخطاب كان موجهًا إليهم ابتداءً، إلا أنه لم يكن تهديدًا لشخوصهم بقدر ما كان ترسيخًا لمبدأ عظيم. فالله سبحانه وتعالى لا يحابي أحدًا، والكرامة عنده بالتقوى والعمل الصالح والقيام بحق الدين. يقول الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية: "وإن تتولوا أيها الناس عن هذا الدين الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم، فترتدوا راجعين عنه، يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين غيركم بدلا منكم يصدقون به، ويعملون بشرائعه" .تفسير الطبري، سورة محمد، الآية 38. من هم القوم المستبدلون؟ قد يتبادر إلى الذهن سؤال: من هم هؤلاء القوم الذين سيستبدلهم الله بمن يتولى؟ لقد أجابت الآية نفسها بجزء من صفاتهم: "ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ".
أي أنهم لن يكونوا مثل المتولين المعرضين، بل سيكونون على النقيض من ذلك تمامًا. سيكونون أكثر طاعة لله ورسوله، وأشد حبًا لدينه، وأكثر بذلًا وعطاءً. كما يوضح الإمام ابن كثير في تفسيره، فإنهم "يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره" .[تفسير ابن كثير، سورة محمد، الآية 38.] إلا أن خدمة الدين ليست حكرًا على عرق أو جنس، بل هي ميدان مفتوح لمن صدق في طلبه وبذل في سبيله. بين الاستخدام والاستبدال: من هنا، نفهم الدعاء المأثور الذي يردده الصالحون: "اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا". إنه دعاء ينم عن فهم عميق لهذه السنة الربانية، وخوف من أن يكون المرء في عداد المتولين، ورجاء في أن يكون من جند الله العاملين. فالاستخدام شرف وتكريم، واصطفاء من الله لعبده ليجعله مفتاحًا للخير، وسببًا في نصرة دينه وإعلاء كلمته. أما الاستبدال فهو خذلان وحرمان، وعقوبة إلهية لمن لم يقدر النعمة حق قدرها، وظن أن الدين بحاجة إليه.
إن حضورك في ساحة العمل والبذل والعطاء هو مغنم لك أنت، يرفع قدرك عند الله، ويثقل ميزانك، ويدخر لك الأجر العظيم. وغيابك وتوليك هو خسارة محققة لك أنت، تفوت بها على نفسك أبوابًا من الخير والفضل لا تحصى. أما دين الله، فله رجال يقيضهم الله له في كل حين، يحملون رايته، ويذودون عن حياضه، ويجددون معالمه. كما قال تعالى في موضع آخر: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ" (المائدة: 54).
خاتمة: نداء إلى كل مؤمن في ختام هذه الوقفة، لنتأمل في حالنا وعلاقتنا بهذا الدين.
هل نحن في صفوف العاملين المستخدمين، أم أننا على شفا جرف هار من التولي والاستبدال؟ إنها دعوة لتجديد العهد مع الله، وللنهوض بواجبات الأمانة التي حملناها. دعوة لنبذ البخل والشح، والإقبال على البذل والعطاء. دعوة لنكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة. ولنلهج دائمًا بذلك الدعاء الخاشع: "اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا، واجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين".
