نعم في تجليات إيمان العجائز
كثيرًا ما يجد المتأمل في تاريخ المذاهب والفرق شيئًا من العجب أمام تلك القاعدة الصارمة التي يضعها كل تيار لنفسه؛ مقولة قاطعة تدعي العصمة وتختزل الصواب في زاويتها الضيقة: "نحن الفرقة الناجية، وما دوننا هالك". هذا الادعاء، الذي يلبس اجتهادات البشر ثوب القداسة، يُحوّل الفضاء الروحي الواسع إلى خنادق متقابلة، يقف فيها كل فريق ملوحًا بامتلاكه الحصري للحقيقة المطلقة. وهم احتكار الحقيقة المطلقة نعم فعلى امتداد التاريخ، بنت كل فرقة حول نفسها أسوارًا من النصوص المؤولة والأدلة المنتقاة، جاعلة من فهمها الخاص مقياسًا وحيدًا للنجاة. إنها حالة من تضخم الذات الفكرية، حيث يعتقد أصحاب كل مقالة أنهم وصلوا إلى منتهى العلم، وأن من خالفهم فقد ضل سواء السبيل.
وفي هذا الزحام الأيديولوجي، تُنسى حقيقة أساسية: أن الحقيقة المطلقة هي لله وحده، وأن كل محاولة بشرية للإحاطة بها تبقى محاولة نسبية، قابلة للخطأ والنقصان، مهما بلغت من إحكام في الصياغة والتنظير.
صراع النخب واحتكار الفهم
وإذا ما أمعنّا النظر في جوهر هذه الاختلافات العميقة، تتكشف لنا حقيقة أعمق؛ وهي أن هذه المعارك الطاحنة هي في الغالب صراعات نخب. إنها صراعات تدور في أروقة المتكلمين، وبين زعماء الطوائف، وأصحاب التصنيفات الذين يتنازعون على الريادة، والنفوذ، والوجاهة المعرفية. تعمد هذه النخب إلى ابتكار مصطلحات معقدة، وتضع أطرًا منهجية صارمة وقواعد جافة لا تختلف كثيرًا في قسوتها عن قيود بعض اللغويين في مقولاتهم المتصلبة، محاولين تأطير المطلق في قوالب ضيقة لتصنيف الناس بين "ناجٍ" و"هالك". في هذا المضمار، يصبح الدين أداة للمساجلة، وسلاحًا في معركة إثبات الذات، أكثر من كونه طريقًا للهداية والرحمة.
ملاذ الفطرة: إيمان العجائز
وفي خضم هذا الضجيج الكلامي، وغبار المعارك الفلسفية والمذهبية، تقف "العامة" في وادٍ آخر تمامًا. أولئك الذين لم تلوثهم لوثات الجدل العقيم، ولم تُقسِ قلوبهم معارك التنظير. هنا يبرز ويتجلى مفهوم "إيمان العجائز". إنه ذلك الإيمان الفطري النقي، الخالي من تعقيدات المتكلمين ومراء المجادلين. إيمان يبنى على التصديق الجازم، والمحبة الخالصة، والتسليم الهادئ للخالق، دون الخوض في الكيفيات أو التمترس خلف المسميات الطائفية. النخب: تمزق جسد الأمة بحثًا عن انتصار لأفكارها، وتغرق في تفاصيل التفاصيل. العامة (أصحاب إيمان العجائز) يخيطون هذا التمزق بصلوات صادقة، ودعوات ترفعها قلوب لم تعرف الحقد المذهبي أو التعصب الفكري. النجاة عند النخبویين تُقاس بمدى صحة الدليل المنطقي والتبعية الصارمة لقواعد الفرقة، بينما تجد العامة النجاة في سلامة الصدر، وطهارة الروح، ودمعة تسقط في خلوة الليل.
خلاصة القول
إن دعاوى احتكار النجاة غالبًا ما تكون أوهامًا تصنعها النخب لتبرير استمراريتها وسلطتها المعرفية. ويبقى الدين في جوهره أسمى من أن يُحصر في فرقة، وأوسع رحمة من أن تحتكره طائفة. ولعل النجاة الحقيقية لا تكمن في قوالب المتكلمين المنمقة، ولا في صراعات إثبات الأفضلية، بل في العودة إلى الينابيع الأولى.. حيث الصفاء والنقاء، وحيث يشرق في القلوب ذلك اليقين المطمئن: إيمان العجائز.
