بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي جعلَ صحابةَ نبيِّه نجومًا يُهتَدى بها في دَياجيرِ الظَّلام، وسِياجًا مُحكَمًا دونَ حِياضِ الشريعةِ لا يُرام؛ حَفِظَ بهم الدِّينَ فبلَّغوه غَضًّا كما أُنزِل، وأدَّوا الأمانةَ فما بدَّلوا منه شيئًا ولا حَوَّلوا؛ فرَضِيَ عنهم في مُحكَمِ التنزيل، وأثنى عليهم بأصدقِ التنويهِ والتبجيل. والصلاةُ والسلامُ على مَن طهَّرَ اللهُ بيتَه من الرِّجسِ تطهيرًا، وفرَضَ على الأمّةِ في قُرباه مودّةً وتوقيرًا؛ وعلى آلِه الأطهارِ الميامين، وأصحابِه الغُرِّ المحجَّلين، الذين جمعَ اللهُ بهم بينَ شرفِ الصُّحبةِ وشرفِ القرابة، فما فرَّقَ بينهما إلّا مَخذولٌ زاغَ عن سَنَنِ الإصابة.
أمّا بعدُ: فقد وقفتُ على مقالةٍ سَوَّدَ بها صاحبُها صحيفتَه، وحَسِبَ أنه أحسنَ صَنيعتَه؛ فإذا هو قد هَدَمَ وهو يَظُنُّ أنه يَبني، وطَعَنَ في خيرِ القرونِ وهو يَحسَبُ أنه يَقتَني ثمرَ الهُدى ويَجني! زعَمَ أنه لا سُنِّيٌّ ولا شيعيٌّ، وأنه في بَرزَخٍ بينَ ذَينِك عَصِيٌّ، ثم مَلأَ صحيفتَه سَبًّا لأصحابِ النبيِّ الكريم، وتَنقُّصًا لِمَن أثنى عليهم الربُّ الرحيم، وتلاعُبًا بنصوصِ الأئمّة؛ حتى بلَغَ به الأمرُ أن يُصرِّحَ — غيرَ مُحتَشِمٍ — بأنه «تصرَّفَ» في أبياتِ إمامٍ من أئمّةِ الأمّةِ «ليُوافقَ ما يعتقِد»! فكانت هذه كلمةً قاصمةً لظهرِ دعواه، هادمةً لصَرحِ مُفتَراه؛ بها يُصَكُّ سمعُه، ويُلجَمُ فمُه، ويُرَدُّ عليه كيدُه في نَحرِه، ويَنكشِفُ زَيفُ ما موَّهَ به من أمرِه.
وإني — نُصحًا للأمّة، وذَبًّا عن حِياضِ السُّنّة، وغَيرةً على أعراضِ مَن رَضِيَ اللهُ عنهم — كاتبٌ في نَقضِ شُبُهاتِه وَقَفاتٍ مُحرَّراتٍ، على مِنهاجِ أهلِ السُّنّةِ والجماعةِ ثابتات؛ لا أُجاوِزُ فيها العدلَ إلى البَغي، ولا الحقَّ إلى الهَوى والغَيّ؛ فإنّ الذَّبَّ عن الأصحابِ لا يكونُ بسَبِّ أحدٍ، ولا بالجَورِ في القولِ والقصد، بل بالبرهانِ الساطع، والحقِّ الصادع. وباللهِ التوفيق، وهو حَسبي ونِعمَ الوكيل.
الوقفةُ الأولى: في هدمِ فِريةِ «السُّنّيِّ الأمويِّ»، وتقريرِ منهجِ أهلِ السُّنّةِ في الأصحاب زعَمَ الكاتبُ أنه نشأَ في وسَطٍ «سُنِّيٍّ أمويٍّ» يُقدِّسُ الصحابةَ جميعًا؛ فرَكَّبَ لفظًا ما أنزلَ اللهُ به من سُلطان، وجعلَه فَزّاعةً يُنفِّرُ بها عن أهلِ السُّنّةِ ذَوي العِرفان! وهذا التركيبُ إنما هو من مِيراثِ خصومِ السُّنّةِ من الرافضة، اقتبسَه منهم فرَدَّده، وزَخرَفَ به قولَه ونَضَّده. فليُعلَمْ أنّ أهلَ السُّنّةِ والجماعةِ ما قدَّسوا بني أميّة، ولا نصَبوا لأحدٍ من الملوكِ رايةً عُبِّيّة، ولا عَصَموا أميرًا، ولا رَفَعوا سُلطانًا إلى منزلةِ التنزيه؛ وإنما هو منهجٌ عدلٌ وسَط: تَعديلُ الصحابةِ في جُملتِهم لِما نطَقَ به الوحيُ من تعديلِهم، والإمساكُ عمّا شَجَرَ بينهم من الفتنة، وحُسنُ الظنِّ بهم فيما تأوَّلوا فيه واجتهَدوا. قال ربُّنا في وصفِ صحابةِ نبيِّه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وقال جلّ ثناؤه:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وهي الآيةُ التي أقرَّ الكاتبُ نفسُه بأنها لولاها لكان له «كلامٌ أوضحُ»! فانظُرْ كيف شهِدَ على نفسِه بأنّ في صدرِه ما لو أطلَقَه لصادَمَ نصَّ القرآنِ صِراحًا؛ فأيُّ تقيّةٍ أبينُ من هذه، وأيُّ إضمارٍ أفضحُ من ذاك؟!
وأمّا عقيدةُ القومِ في أصحابِ نبيِّهم فقد لخَّصَها إمامُ أهلِ السُّنّةِ أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ — وهو حَنَفيٌّ، سَلَفُ القومِ في المذهب — بقولِه في عقيدتِه المشهورة: «ونُحبُّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ، ولا نُفرِّطُ في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نَتبرّأُ من أحدٍ منهم، ونُبغِضُ مَن يُبغِضُهم وبغيرِ الخيرِ يَذكُرُهم، ولا نَذكُرُهم إلّا بخير؛ وحبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسان، وبُغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطُغيان».
فهذا هو مِيزانُ القوم، لا ما افتراه المُدَّعي عليهم من التقديسِ والغُلوِّ في الملوك؛ فأينَ هذا من ذاك؟ وكم بينَ الثَّرى والثُّرَيّا من فَراغٍ ودَرَك!
الوقفةُ الثانية: في النهيِ القاطعِ عن سبِّ الأصحاب، وأنّ اتّخاذَ ذلك دِينًا مَسلَكُ الزائغين
إنّ الذي مَلأَ به الكاتبُ صحيفتَه من الطعنِ في معاويةَ وعَمرٍو، وابنِ الزبيرِ والنُّعمانِ والمِسوَر — رِجالٍ لهم صُحبةٌ ورِواية — لَهُوَ عينُ ما نهى عنه النبيُّ ﷺ نهيًا مُغلَّظًا، إذ قال — فيما اتّفقَ الشيخانِ على إخراجِه من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه —: «لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيدِه لو أنّ أحدَكم أنفقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما بلَغَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصيفَه».
فتأمَّلْ هذا الوعيد، وقِسْ عليه صنيعَ مَن جعلَ سبَّهم بِضاعة، وتَنقُّصَهم في المجالسِ صِناعة! ثم اسمَعْ قولَ إمامِ الحنفيّةِ الطَّحاويِّ آنفًا: «وبُغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطُغيان»؛ فهل بعدَ هذا البيانِ بيان؟ على أنّ أهلَ السُّنّة — وهم يُحبُّونَ عليًّا وعموم أهل البيت من أزواج وصحابة حبَّ الفريضةِ لا حبَّ المُداهنة — لا يَجترِئونَ على سبِّ مَن خالفَه من الصحابةِ ولا تكفيرِهم؛ لأنهم يَرَونَ ما جرى بينهم اجتهادًا، للمُصيبِ فيه أجران، وللمُخطِئِ أجرٌ واحد؛ وقد رفَعَ اللهُ أقدارَهم عن أن تُخاضَ دماؤُهم بالألسُنِ بعدَ أن كفَّ عنها السيوف. وفي الأثرِ المشهورِ عن بعضِ أئمّةِ السَّلَفِ لمّا سُئلَ عن تلكَ الحروب قال: «تلكَ دماءٌ طهَّرَ اللهُ منها أيديَنا، فلا نُخَضِّبُ بها ألسنتَنا». فما بالُ هذا المُدَّعي يُخَضِّبُ لسانَه بما طهَّرَ اللهُ منه الأيديَ والألسُن؟!
الوقفةُ الثالثة: في تهافُتِ قائمةِ المطعونين، وأنّ الطاعنَ جاهلٌ بمن يَطعَنُ فيهم
وهذه وقفةٌ تَكشِفُ أنّ صاحبَنا رمى القومَ عن جهلٍ بأحوالِهم، وطعَنَ فيهم وهو لا يَدري مَواقعَ أقدارِهم: فأمّا المِسوَرُ بنُ مَخرَمةَ الزُّهريُّ — الذي عَدَّه في «قادةِ النَّصب» — فهو الصحابيُّ الجليل، راوي الحديثِ في الصحيحين، وهو بعينِه الذي روى عن النبيِّ ﷺ قولَه في فاطمةَ عليها السلام: «فاطمةُ بَضعةٌ منّي، يُريبُني ما رابَها، ويُؤذيني ما آذاها»! فيا للعَجَب! كيف يكونُ مُبلِّغُ منقبةِ فاطمة، والذائدُ عن حُرمتِها، رأسًا في النَّصبِ على آلِ البيت؟! أوَ يُعقَلُ أن يُنقَلَ فضلُ البِضعةِ الطاهرةِ على لسانِ ناصبٍ لها؟! هذا تناقُضٌ يَفضَحُ صاحبَه، ويَشهَدُ عليه بأنه يَخبِطُ في الظُّلَمِ خَبطَ العَشواء.
وأمّا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ رضي الله عنهما — أوّلُ مولودٍ للمهاجرينَ بالمدينة، وابنُ حَواريِّ رسولِ الله، وسِبطُ الصِّدّيق، وابنُ ذاتِ النِّطاقين، وابنُ أختِ عائشةَ أمِّ المؤمنين، العابدُ القوّامُ الصوّام — فقد عدَّه المُدَّعي في «الأُمويّينَ» النواصب! وهذه أُعجوبةُ العَجائب؛ فإنّ ابنَ الزبيرِ إنما ثارَ على بني أميّةَ وحارَبَهم، وامتنعَ من بَيعةِ يزيد، حتى قتَلَه الحجّاجُ عاملُهم بأمرِ خليفتِهم! فكيف يُجعَلُ ألدُّ أعداءِ بني أميّةَ من رؤوسِ الأمويّين؟! ألا إنّ هذا خَلطٌ يَنقُضُ بعضُه بعضًا، ويَدُلُّ على أنّ صاحبَه إنما يَقذِفُ الأسماءَ رَجمًا بالغَيب، بلا تحقيقٍ ولا رَوِيّة. وأمّا النُّعمانُ بنُ بشيرٍ رضي الله عنهما — أوّلُ مولودٍ للأنصارِ بعدَ الهجرة، وصاحبُ الحديثِ المتّفقِ عليه: «إنّ الحلالَ بيِّن، وإنّ الحرامَ بيِّن، وبينهما مُشتبهاتٌ...» — فما ذنبُه إلّا أنه صحابيٌّ ابنُ صحابيّ؛ عَدَّه في قائمةِ الطعنِ لِيُكثِّرَ سَوادَ المطعونين، لا لِعِلمٍ قامَ عندَه، ولا لِحُجّةٍ صحَّت لديه.
وأمّا مروانُ فلستُ أُلحِقُه بمن قبلَه في الجَلالة؛ فإنّ صُحبتَه مُختلَفٌ فيها، وله فض وعمل كما قد نُقِمَ عليه في سِيرتِه ما نُقِم؛ وأهلُ السُّنّةِ لا يَغلُونَ فيه غُلُوَّ مَن يُقدِّسُ الملوك، ولا يَجورونَ عليه جَورَ مَن يَسُبُّ الصحابة؛ بل يُنزِلونَ كلَّ أحدٍ منزلتَه بالعدلِ والقِسطاس. وفي هذا التفصيلِ رَدٌّ على المُدَّعي من وجهين: فهو يَحسَبُ أنّ أهلَ السُّنّةِ يُسوُّونَ بينَ كلِّ أحدٍ في «التقديس»، وهذا كذبٌ عليهم؛ إذ يُفرِّقونَ بينَ الصحابيِّ الثابتةِ صُحبتُه وبينَ مَن دونَه، وبينَ السابقِ والمفضول، بالبرهانِ لا بالهوى. فانظُرْ كيف بُنِيَ «نقدُه» على جهلٍ بمن يُنكِرُ عليهم، حتى خَلَطَ العدوَّ بالوليّ، والأمويَّ بضِدِّه، وراوي فضائلِ أهل البيتِ بمن يَنصِبُ لهم! وهل يُؤتَمَنُ على الأحكامِ مَن هذا مَبلَغُ عِلمِه بالرِّجال؟
الوقفةُ الرابعة — القاصمة: في اعترافِه بتحريفِ نظمِ الإمامِ الشافعيِّ، وتقريرِ عقيدتِه الحقّة وهذه هي الطامّةُ الكبرى، والفاضحةُ العُظمى؛ إذ خَتَمَ الكاتبُ مقالتَه بقولِه — بمِلءِ فيه، غيرَ مُستَحٍ ولا وَجِل —: «تصرَّفتُ قليلًا جدًّا ببعضِ الأبياتِ لتُوافقَ ما أعتقِد»! فاسمَعوا — رحمكم الله — هذا الإقرار، وزِنوه بميزانِ العلمِ والأمانة: رجلٌ يَنسِبُ إلى إمامٍ من أئمّةِ الإسلامِ نظمًا، ثم يُقِرُّ أنه غيَّرَ فيه وبدَّلَ «ليُوافقَ ما يعتقِد»، ثم يُقدِّمُه للناسِ على أنه قولُ الإمام! أفبعدَ هذا يُؤتَمَنُ على نقلٍ، أو يُوثَقُ له بحرف؟! مَن استجازَ تحريفَ بيتين ليُنطِقَ الإمامَ بلسانِ هَواه، فما الذي يَمنعُه من تحريفِ روايةٍ، أو تبديلِ أثرٍ، أو ليِّ عُنُقِ نصٍّ ليُوافقَ مَذهبَه؟ إنّ الأمانةَ في النقلِ عِرضُ العلم، ومَن خانَها في بيتٍ خانَها في كلِّ شيء. وهذه — لعَمرُ الحقِّ — كلمةٌ تَصُمُّ سَمعَه، وتَلجُمُ فمَه، وتُسقِطُ عدالتَه في الروايةِ من أصلِها.
على أنّ الديوانَ المنسوبَ إلى الإمامِ الشافعيِّ مِمّا لا تَقومُ به حُجّةٌ في العقائد؛ إذ في نِسبةِ كثيرٍ منه إليه نظرٌ ومَقالٌ عندَ أهلِ التحقيق؛ فكيفَ إذا انضافَ إلى وَهنِ النِّسبةِ تصرُّفُ المُدَّعي وتحريفُه؟ فاجتمعَ في استدلالِه بَلاءان: وَهنُ الأصل، وخيانةُ الناقل.
ثم إنّ عقيدةَ الإمامِ الشافعيِّ — رحمه الله — معلومةٌ مُدوَّنة، نقَلَها عنه أصحابُه، وجمَعَها أربابُ مناقبِه كالإمامِ البيهقيِّ في «مناقبِ الشافعيِّ»؛ فمذهبُه في التفضيلِ أنّ خيرَ الأمّةِ بعدَ نبيِّها أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم عليٌّ، رضي الله عنهم أجمعين؛ ومذهبُه في الفتنةِ الإمساكُ والكفّ، لا الطعنُ والسبّ. فأينَ شافعيُّ المُدَّعي المُحرَّفُ من شافعيِّ الأمّةِ المُحقَّق؟!
وأمّا محبّةُ أهل البيتِ فهي عندَ الشافعيِّ وعندَ أهلِ السُّنّةِ فريضةٌ محكمة، لا يُنازِعُهم فيها مُنازِع؛ فهذا هو حبُّ الصحابة و أهل البيت من الأزواج و الصحابة القرابة الذي دانَ به الشافعيُّ وأهلُ السُّنّة: توقيرٌ وإجلال، وصلاةٌ عليهم في كلِّ ركعة، من غيرِ أن يَستلزِمَ ذلك سبَّ صحابيٍّ أو تَنقُّصَه. أمّا البيتُ الذي يُلوِّحُ به القومُ في «الرَّفض» فمع ما في نِسبتِه من النظر، فإنّ معناه — لو صحَّ — إنكارُ تسميةِ محبّةِ الآلِ رَفضًا، لا إقرارٌ بمذهبِ الرافضةِ في سبِّ الأصحاب؛ فمن حمَلَه على غيرِ ذلك فقد حرَّفَه كما حرَّفَ أخواتِه.
الوقفةُ الخامسة: في التقيّةِ التي أنكرها، وهو أوّلُ أهلِها وأحقُّهم بها
عَجَبًا للمُدَّعي! يُنكِرُ أن يُنسَبَ إلى التقيّة، ويَصيحُ أنه «فارسٌ مُقاتلٌ مُصارع» لا يَستجيزُها؛ وهو في مقالتِه بعينِها أوضحُ الناسِ تقيّة، وأبيَنُهم مُداراةً وتَستُّرًا! وأصلُ التقيّةِ التي جُعِلَت دِينًا ومَذهبًا إنما هو شِعارُ فِرقةٍ معلومة، رفَعَتها إلى مَصافِّ الأصول؛ فأمّا أهلُ السُّنّةِ فليس عندَهم إلّا رُخصةٌ ضيّقةٌ في كتمانِ الإيمانِ عندَ الإكراهِ المُلجِئِ الذي يُخافُ منه على النفس، كما في قولِه تعالى: ﴿ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ وهو ما استشهدَ به هو في صدرِ مقالتِه! والآيةُ إنما وردَت في اتّقاءِ الكفّارِ عندَ الخوف، لا في اتّخاذِ الكتمانِ صِناعةً ودَيدَنًا.
ثم تأمَّلْ صنيعَه: يقولُ «لستُ سُنِّيًّا ولستُ شيعيًّا»، ويَقِفُ في بَرزَخٍ مُلتبِس، ويُصرِّحُ بأنّ في نفسِه ما لولا آيةُ الرِّضا لأفصَحَ عنه، ويُحرِّفُ نظمَ الإمامِ «ليُوافقَ ما يعتقِد» فيُنطِقَ الإمامَ بما لا يَجرُؤُ هو على التصريحِ به باسمِه! أفليس هذا كلُّه من التقيّةِ في أجلى صُوَرِها؟ فإنّ مَن يُضمِرُ اعتقادًا ويُلبِسُه لَبوسَ إمامٍ ليَحتَمِيَ باسمِه، فقد اتّقى وكتَمَ ودارى؛ فإنكارُه التقيّةَ بلسانِه، وإتيانُه بها بفعلِه، هو الدليلُ الناطقُ عليه، والشاهدُ العدلُ لديه.
وهكذا يُؤخَذُ المرءُ من فِيه، ويُحاكَمُ بما جَرى به قلمُه ويَراعُه.
الوقفةُ السادسة: في تقريرِ الحقِّ الوسط — الجمعُ بينَ محبّةِ الآلِ وتوقيرِ الأصحاب، وأنّ ذلك هو التوسُّطُ الحقّ
وبعدُ؛ فإنّ داءَ القومِ كلَّه في فِريةٍ واحدة: أنهم ظنُّوا أنّ محبّةَ أهل البيتِ لا تَتِمُّ إلّا بِبُغضِ الأصحاب، وأنّ الولاءَ للعِترةِ لا يَصفو إلّا بالبَراءةِ من الصحابة! وهذا هو الميزانُ المقلوب، والصراطُ المنكوس. وأهلُ السُّنّة — وهم الأمّةُ الوسَطُ حقًّا، لا انتحالًا ولا دَعوى — جَمَعوا الحُبَّينِ في قلبٍ واحد، وأمسَكوا الحبلَ من طرفيه بلا تفريطٍ ولا إفراط: فهم يُعظِّمونَ أهل البيتِ من أزواج وقرابة بما عظَّمَهم اللهُ ورسولُه؛
وهم في الوقتِ نفسِه يُوقِّرونَ الأصحابَ أجمعين، ويَرَونَ حبَّهم دينًا، وسبَّهم طُغيانًا؛ فلا يُقدِّمونَ حبَّ أهل البيت قربانًا على مذبحِ سبِّ الأصحاب، ولا يَجعلونَ الوَلاءَ لبيتِ النبوّةِ ذريعةً إلى هَتكِ أستارِ أصحابِه. فالصُّحبةُ والقرابةُ شرَفانِ اجتمعا في مِشكاةِ النبوّة، فمن رامَ التفريقَ بينهما، وضربَ أحدَهما بالآخر، فقد جَهِلَ مِنهاجَ اللهِ في عبادِه، وخالفَ سبيلَ المؤمنين.
هذا هو التوسُّطُ الذي يَتشدَّقُ به المُدَّعي وهو منه بَراء؛ فإنّ التوسُّطَ ليس أن تقِفَ بينَ حقٍّ وباطل، ثم تَنحازَ في الحقيقةِ إلى الباطلِ وأنتَ تَزعُمُ الحِياد! بل التوسُّطُ أن تُوفِيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه: الآلَ و الأهل والأصحابَ جميعًا، بلا غُلوٍّ في هؤلاء، ولا جفاءٍ لأولئك. فمن أعطى الأهل والقرابة حقَّهم وبخَسَ الأصحاب، فليس بوَسَط، وإنما هو غالٍ في جانب، جافٍ في جانب، وإن تسمَّى بالوسطيّةِ وتَرَدَّى بِرِدائها.
الخاتمة
فهذا ما حضَرَ في نَقضِ تلكَ الشُّبُهات، ودَحضِ ما بُنِيَ عليها من التُّرَّهات؛ أوردتُه على سبيلِ الإيجازِ المُغني، والاختصارِ المُبيِّنِ لا المُخِلِّ ولا المُعمي؛ ذَبًّا عن أصحابِ نبيِّنا الأطهار، ونُصرةً لآلِه الأخيار، وبيانًا لمنهجِ الأمّةِ الوسَطِ بينَ الغُلوِّ والجفاء، والإفراطِ والإزراء. ونسألُ اللهَ أن يُثبِّتَنا على محبّةِ الآلِ والأصحاب، وأن يَحشُرَنا في زُمرتِهم يومَ الحساب، وأن يُجنِّبَنا مَزالِقَ الأهواء، ومَداحِضَ الآراء، وأن يَرزُقَنا العدلَ في القول، والإنصافَ في الحُكم، والأمانةَ في النقل؛ فإنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. وصلّى اللهُ وسلّمَ على سيّدِنا محمدٍ، وعلى آلِه الطيّبينَ الطاهرين، وأصحابِه الغُرِّ الميامين، ومن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين. والحمدُ لله ربِّ العالمين.
