رجوع إلى البحوث الحديث وعلوم السنة

أربعة آلاف حديث: بين التحديد والتقريب

مقالةٌ حديثيّةٌ تخصّصيّةٌ في تحريرِ القولِ بعددِ الأحاديثِ الصحيحةِ المرفوعةِ وتفكيكِ العُقدةِ المنهجيّةِ في الإحصاءِ الحديثيّ

الحديث وعلوم السنة١٥ دقيقة للقراءة٢٬٥٥٣ كلمة

ما زالَ عددُ الأحاديثِ الصحيحةِ المرفوعةِ إلى النبيِّ ﷺ مَعْقِدَ بحثٍ دقيقٍ بين أهلِ الصِّناعةِ الحديثيّةِ، تتجاذبُه أنظارُ النُّقّادِ بين التوسيعِ والتضييقِ، وبين إرادةِ الأصولِ المُجرَّدةِ وإرادةِ المتابعاتِ والشواهدِ. و قد شاعَ في كثيرٍ من المجالسِ العلميّةِ أنّ الأحاديثَ الصحيحةَ لا تتجاوزُ أربعةَ آلافِ حديثٍ، وهو قولٌ له أصلٌ مرويٌّ عن أئمّةٍ كبارٍ من حُفّاظِ السُّنّةِ، غيرَ أنّه يحتاجُ إلى تحريرٍ دقيقٍ وتنزيلٍ سليمٍ على مرادِ قائليه. والإشكاليّةُ المعرفيّةُ التي تطفو باستمرارٍ في الخطابِ الثقافيِّ المعاصرِ تتلخَّصُ في التساؤلِ المُلِحِّ: كيف نُوفِّقُ بين تصريحاتِ جهابذةِ الجرحِ والتعديلِ عن استظهارِهم لمئاتِ الآلافِ من المرويّاتِ، وبين ما يُقرِّرُه التحقيقُ العلميُّ من أنّ أصولَ الأحاديثِ الصحيحةِ الخالصةِ تُقاربُ أربعةَ آلافِ حديثٍ؟

وهذه المقالةُ تروم تحريرَ هذا القولِ من جهةِ الإسنادِ والمتنِ معًا؛ أي: مَن قالَه مِن الأئمّةِ وما سندُه، وما مرادُهم بهذا العددِ تحقيقًا لا تقريبًا، مع تفكيكِ العُقدةِ المنهجيّةِ الكامنةِ في التباينِ بين الكثافةِ الإسناديّةِ والوحدةِ المتنيّةِ، ثمّ عرضِ ما أسفرَت عنه المقارباتُ الرقميّةُ المعاصرةُ من نتائجَ مُذهلةٍ.

المبحثُ الأوّلُ: الأثرُ المرويُّ ومَن قالَ بهذا العدد

أوّلًا: الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل (ت ٢٤١هـ)

أشهرُ مَن نُقِلَ عنه تحديدُ هذا العددِ هو إمامُ أهلِ السُّنّةِ أحمدُ بنُ محمّدِ بنِ حنبلٍ الشيبانيُّ رحمه الله. فقد رَوى أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ في رسالتِه إلى أهلِ مكّةَ قال: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: «أصولُ السُّنَنِ عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوُ أربعةِ آلافِ حديثٍ ومئتَي حديثٍ» وهذا الأثرُ مِن أوثقِ ما رُوِيَ في هذا البابِ؛ لأنّ راويَه أبو داودَ صاحبُ السُّنَنِ، وهو مِن أجَلِّ تلامذةِ الإمامِ أحمدَ وأعرفِهم بمذهبِه في الحديثِ والعِلَل. وقد رواه الخطيبُ البغداديُّ أيضًا بأسانيدَ أُخرى في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (٢/٢٥٤)، وابنُ الجوزيِّ في «المنتظم» في ترجمةِ الإمامِ أحمدَ.

ثانيًا: الإمامُ أبو داودَ السِّجِسْتانيّ (ت ٢٧٥هـ) — تصريحٌ مباشر

ولم يكتفِ أبو داودَ بنقلِ قولِ شيخِه أحمدَ، بل صرَّحَ هو نفسُه بنتيجةِ استقرائِه الشخصيِّ بعد أن انتخبَ مدوَّنتَه «السُّنَن» من أصلِ نحوِ نصفِ مليونِ مرويّةٍ، فنصَّ في رسالتِه لأهلِ مكّةَ قائلًا: «نظرتُ في الحديثِ المُسنَدِ، فإذا هو أربعةُ آلافِ حديثٍ، ثمّ نظرتُ فإذا مَدارُ الأربعةِ آلافِ الحديثِ على أربعةِ أحاديثَ...» وهذا النصُّ بالغُ الأهمّيّةِ؛ لأنّه يكشفُ أنّ هذا التقديرَ ليس تخمينًا نظريًّا، بل هو ثمرةُ عمليّةِ فَرزٍ وتصفيةٍ واستقراءٍ ميدانيٍّ باشرَها ناقدٌ من الطبقةِ الأولى، وأنّ هذه الكتلةَ التشريعيّةَ الصُّلبةَ تتمحورُ في نهايةِ المطافِ حولَ أربعةِ أحاديثَ جوامعَ هي أقطابُ الدِّينِ. ذكرَه ابنُ رجبٍ الحنبليُّ في «جامع العلوم والحكم» (١/٧٤)، وأصلُه في «رسالة أبي داود إلى أهل مكة» (ص ٢٧).

ثالثًا: إسحاقُ بنُ راهَوَيه (ت ٢٣٨هـ)

رُوِيَ عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ مَخْلَدٍ الحنظليِّ — المعروفِ بابنِ راهَوَيه — ما يقاربُ هذا المعنى. فقد نقلَ البيهقيُّ في «المدخل إلى السنن الكبرى» عنه أنّه قال: «أحفظُ سبعينَ ألفَ حديثٍ عن ظهرِ قلبي، وصحيحُها نحوُ أربعةِ آلافٍ» وإسحاقُ بنُ راهَوَيه كان قرينَ الإمامِ أحمدَ في الحفظِ والنقدِ، وكانا يتذاكرانِ الحديثَ ويتناظرانِ في عِلَلِه، فتوافُقُهما على هذا التقديرِ ليس اتّفاقًا عَرَضيًّا بل هو ثمرةُ استقراءٍ من حافظَين ناقدَين جليلَين.

رابعًا: سفيانُ الثّوريُّ (ت ١٦١هـ)

رُوِيَ عن سفيانَ بنِ سعيدٍ الثوريِّ — أميرِ المؤمنينَ في الحديثِ — أنّه قال: «ليست السُّنَنُ إلّا نحوُ أربعةِ آلافِ حديثٍ ومئتَين»وهذا الأثرُ نقلَه ابنُ رجبٍ الحنبليُّ في «شرح علل الترمذي» (١/٢٥)، وأسندَه بعضُهم من طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ عن سفيانَ.

خامسًا: عبدُ اللهِ بنُ المباركِ (ت ١٨١هـ)

نُقِلَ عن الإمامِ عبدِ اللهِ بنِ المباركِ المَرْوَزيِّ — وهو مِن شيوخِ الطبقةِ التي تَلَتْ أتباعَ التابعينَ — ما يدلُّ على هذا المعنى، إذ كان يقولُ في سياقِ بيانِ قِلّةِ الصحيحِ بالنسبةِ إلى مجموعِ المرويّاتِ ما معناه أنّ الأحاديثَ الصِّحاحَ المُسنَدةَ محدودةُ العددِ قليلةٌ بالقياسِ إلى السَّيلِ الروائيِّ الضخمِ الذي يشملُ الضعيفَ والموضوعَ.

سادسًا: الإحصاءُ الجماعيُّ للطبقةِ المؤسِّسة

والأمرُ يتعدّى الأفرادَ إلى ما يُشبِهُ الإجماعَ الاستقرائيَّ؛ فقد نقلَ أئمّةُ الشأنِ إحصاءً متنيًّا بالغَ الدقّةِ عن الجيلِ المؤسِّسِ من نُقّادِ الحديثِ — كسفيانَ الثوريِّ، وشُعبةَ بنِ الحجّاجِ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطّانِ، وعبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ، والإمامِ أحمدَ — حيث قرَّروا مجتمعين: «إنّ جُملةَ الأحاديثِ المُسنَدةِ عن النبيِّ ﷺ — يعني الصحيحةَ بلا تكريرٍ — أربعةُ آلافٍ وأربعُمئةِ حديثٍ»

ذكرَه الحافظُ ابنُ حجرٍ في «النُّكَت على كتاب ابن الصلاح» (١/٣٠٠)، نقلًا عن كتابِ «التمييز» للإمامِ أبي جعفرٍ البغداديِّ. وتوافُقُ العددِ عند هؤلاء الأئمّةِ — مع تباعُدِ ما بينهم زمنًا وتفاوُتِهم في الشيوخِ والبلدانِ — يُؤكِّدُ أنّ هذا التقديرَ كان نتيجةَ سَبْرٍ واستقراءٍ تامٍّ، لا مجرَّدَ تخمينٍ عابرٍ.

المبحثُ الثاني: تفكيكُ العُقدةِ المنهجيّةِ — التباينُ بين الكثافةِ الإسناديّةِ والوحدةِ المتنيّة

هذا المبحثُ هو لُبُّ المقالةِ ومَعقِدُ الإشكالِ، إذ لا يصحُّ فَهمُ كلامِ هؤلاء الأئمّةِ إلّا بتحريرِ مصطلحاتِهم على وَفقِ اصطلاحِ المتقدّمين لا المتأخّرين. وإنّ الخطيئةَ المنهجيّةَ الكبرى التي يقعُ فيها كثيرٌ من المعاصرين تكمنُ في إسقاطِ الاصطلاحِ المعاصرِ على المدلولِ التراثيِّ المتقدِّمِ.

أوّلًا: المرادُ بـ«الحديث» في الإحصاءِ المتقدِّم

ففي المنظومةِ النقديّةِ المبكّرةِ، يُطلَقُ مصطلحُ «الحديث» على الوحدةِ الإسناديّةِ (الطريق)، وليس على الوحدةِ المتنيّةِ (النصّ المرفوع) فحسبُ. فالمتنُ النبويُّ الواحدُ، كحديثِ «إنّما الأعمالُ بالنِّيّاتِ»، إذا رُوِيَ من مئةِ طريقٍ إسناديٍّ، عَدَّه السلفُ مئةَ حديثٍ، بينما نَعُدُّه اليومَ في فَرزِنا المعاصرِ حديثًا واحدًا.

أُضِفْ إلى ذلك أنّهم كانوا يُدرِجونَ في إحصائِهم الشاملِ: الموقوفاتِ (فتاوى الصحابةِ)، والمقاطيعَ (أقوالَ التابعينَ)، والمعلَّقاتِ، ممّا يُضخِّمُ الرقمَ الإجماليَّ تضخيمًا هائلًا.

ثانيًا: تحريرُ الذهبيِّ لهذا الاشتباك

وقد حرَّرَ هذا الاشتباكَ بعبقريّةِ الناقدِ الخبيرِ الإمامُ شمسُ الدينِ الذهبيُّ (ت ٧٤٨هـ) حين وقفَ على مقولةِ الإمامِ البخاريِّ الشهيرةِ: «أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتَي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ»، فكتبَ الذهبيُّ كاشفًا سِرَّ الصنعةِ: «هذه حكايةٌ صحيحةٌ، وكانوا يَعُدُّون ذلك بالمكرَّرِ، والأثرِ، وفتوى التابعيِّ، وما ضُعِّفَ إسنادُه، وإلّا فالصِّحاحُ لا تبلغُ مِعشارَ ذلك»

قاله في «سِيَر أعلام النبلاء» (١٢/٤١٥). وهذا النصُّ الذهبيُّ البديعُ مفتاحٌ ذهبيٌّ لحلِّ الإشكالِ كلِّه؛ فـ«مِعشارُ» المئةِ ألفٍ هو عشرةُ آلافٍ، وقولُه «لا تبلغُ مِعشارَ ذلك» يُبرهِنُ نصًّا أنّ المتونَ المرفوعةَ الصافيةَ أَدنى من هذا السقفِ بكثيرٍ، وهو ما ينسجمُ تمامًا مع تقديرِ الإمامِ أحمدَ بالأربعةِ آلافٍ.

ثالثًا: الفرقُ بين «الأصول» و«المجموع الكلّيّ»

ولفظةُ «الأصول» عند المحدِّثين المتقدّمين لا تعني مجموعَ الأحاديثِ الصحيحةِ مطلقًا، وإنّما تعني:

  1. الأحاديثُ المُجرَّدةُ عن التكرار: أي: المتونُ المختلفةُ التي لا يُعَدُّ فيها الحديثُ الواحدُ المرويُّ من طُرُقٍ متعدّدةٍ إلّا مرّةً واحدةً. فإذا رُوِيَ حديثُ «إنّما الأعمالُ بالنِّيّاتِ» من عشرةِ طرقٍ عن عمرَ رضي الله عنه، فهو في حسابِ الأصولِ حديثٌ واحدٌ.
  2. الأحاديثُ الأمّهاتُ التي تدورُ عليها أبوابُ الفقهِ والأحكام: وهذا المعنى أدقُّ وأخصُّ؛ لأنّه يُخرِجُ منه كثيرًا من أحاديثِ الفضائلِ والرَّقائقِ والمناقبِ والمغازي والتفسيرِ ممّا هو صحيحٌ لكنّه ليس من «أصولِ السُّنَنِ» بالمعنى الأحكاميّ.

وقد نبَّه على هذا التفريقِ الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ (ت ٨٥٢هـ) في «النُّكَت على كتاب ابن الصلاح» (١/٣٠٤) حيث قال ما مفادُه إنّ مرادَ الإمامِ أحمدَ بالأصولِ هي الأحاديثُ التي تدورُ عليها أبوابُ العلمِ لا جميعُ ما صحَّ.

رابعًا: الطُّرُقُ والمتابعاتُ — الجدارُ الإسناديُّ الحافظ

وبيانُ ذلك: أنّ الحديثَ الواحدَ قد يكونُ له متابعاتٌ (أن يرويَه راوٍ آخرُ عن شيخِ الراوي الأصليِّ)، وشواهدُ (أن يرويَ صحابيٌّ آخرُ حديثًا بمعناه)، وطُرُقٌ متعدّدةٌ في الإسنادِ. فإذا أضفنا المتابعاتِ والشواهدَ والطُّرقَ إلى الأصولِ تضاعَفَ العددُ أضعافًا كثيرةً. وهذه الكثافةُ الإسناديّةُ الهائلةُ ليست عبثًا ولا تكرارًا لا طائلَ تحتَه، بل هي بمثابةِ الجدارِ الإسناديِّ الدفاعيِّ الذي أسَّسَه صيارفةُ الحديثِ وجهابذتُه لحمايةِ تلك المتونِ التأسيسيّةِ من أيِّ اختراقٍ أو زيادةٍ أو تحريفٍ عبرَ تعاقبِ القرونِ؛ إذ بتعدُّدِ الطُّرقِ يُكشَفُ الخطأُ ويتبيَّنُ الوهمُ ويتميَّزُ الزائدُ من الأصيلِ.

المبحثُ الثالث: مناقشةُ القولِ بالأربعةِ آلافٍ ومذاهبُ العلماءِ فيه

أوّلًا: مَن وافقَ هذا التقدير

ذهبَ جماعةٌ من المحقّقين إلى أنّ هذا التقديرَ قريبٌ من الصوابِ إذا أُريدَ به الأصولُ المجرَّدةُ. ومِمّا يُستأنَسُ به:

  1. أنّ «صحيحَ البخاريّ» يحتوي على نحوِ ٧٥٦٣ حديثًا بالمكرَّرِ، وبحذفِ المكرَّرِ ينزلُ إلى نحوِ ٢٦٠٢ حديثٍ كما حرَّره الحافظُ ابنُ حجرٍ في «هَدْي الساري» (ص ٦٥٦). وقال بعضُهم: هي نحوُ أربعةِ آلافٍ بالمعلَّقاتِ والمتابعاتِ.
  2. أنّ «صحيحَ مسلمٍ» يحتوي بدونِ المكرَّرِ على نحوِ ٣٠٣٣ حديثًا كما ذكرَ النوويُّ (ت ٦٧٦هـ) في مقدّمةِ «شرح مسلم» (١/٤٧).
  3. فإذا جُمِعَ ما في الصحيحَين بعد حذفِ المشتركِ بينهما — وهو ما اصطُلِحَ عليه بـ«المتَّفَق عليه» — خَرَجَ مجموعُ الأصولِ الصحيحةِ في حدودِ أربعةِ آلافٍ ونيّفٍ، وهو ما يتّفقُ مع تقديرِ الإمامِ أحمدَ.

ثانيًا: مَن رأى أنّ العددَ أكثرُ من ذلك

في المقابلِ، ذهبَ فريقٌ من أهلِ العلمِ إلى أنّ الأحاديثَ الصحيحةَ أكثرُ من أربعةِ آلافٍ بكثيرٍ، وأنّ تقديرَ الأئمّةِ المتقدّمين محمولٌ على ما استقرَّ عندهم، ولا يعني أنّ الصحيحَ محصورٌ في هذا العددِ. ومِن أقوى حُجَجِهم:

  1. قولُ أبي زُرْعةَ الرازيِّ (ت ٢٦٤هـ): حيث سُئِلَ عن عددِ ما في «المسنَد» للإمامِ أحمدَ، فقال: «ثلاثونَ ألفًا»، ثمّ قال: «وهو قد انتخبَه من أكثرَ من سبعِ مئةِ ألفٍ وخمسينَ ألفًا». وقال أبو زُرعةَ أيضًا عن نفسِه: «أحفظُ مئتَي ألفِ حديثٍ كما يحفظُ الإنسانُ (قُلْ هو اللهُ أحَد)». رواه الخطيبُ في «الجامع» (٢/٢٣٤).
  2. أنّ الحاكمَ أبا عبدِ اللهِ النَّيسابوريَّ (ت ٤٠٥هـ) جَمَعَ في «المستدرك على الصحيحين» نحوَ ٨٨٠٣ أحاديثَ زعمَ أنّها على شرطِ الشيخَين أو أحدِهما ولم يُخرِّجاها. وإن كان الذهبيُّ (ت ٧٤٨هـ) قد تعقَّبَه في كثيرٍ منها، إلّا أنّ وجودَ هذا الكمِّ من الأحاديثِ الصحيحةِ خارجَ الصحيحَين يدلُّ على أنّ المجموعَ الكلّيَّ يتجاوزُ الأربعةَ آلافٍ.
  3. قولُ الحافظِ ابنِ حجرٍ في «النُّكَت» (١/٣٠٦): إنّ الأحاديثَ الصحيحةَ التي ليست في الصحيحَين كثيرةٌ، وإنّ البخاريَّ ومسلمًا لم يستوعِبا الصحيحَ ولا التزما ذلك. وقد صرَّح البخاريُّ نفسُه بقولِه: «ما أدخلتُ في كتابي الجامعَ إلّا ما صحَّ، وتركتُ من الصِّحاحِ حتّى لا يطولَ». رواه ابنُ عَدِيٍّ في مقدّمةِ «الكامل» (١/٣١).
  4. تقديرُ نجمِ الدينِ القُمُوليِّ (ت ٧٢٧هـ): وهو نصٌّ بالغُ الأهمّيّةِ، إذ قرَّرَ في قولٍ مُحكَمٍ:

«مجموعُ ما صحَّ من الحديثِ أربعةَ عشرَ ألفَ حديثٍ»

نقلَه الحافظُ ابنُ حجرٍ في «النُّكَت» (١/٣٠٠). وهذا الرقمُ يمثِّلُ المجموعَ الموسوعيَّ الشاملَ الذي يتجاوزُ دائرةَ الأصولِ التشريعيّةِ إلى كلِّ ما صحَّ في العقائدِ والسِّيَرِ والشمائلِ والفضائلِ وأشراطِ الساعةِ.

ثالثًا: التحقيقُ والترجيح

والذي يظهرُ — واللهُ أعلمُ — أنّ القولَ بأربعةِ آلافٍ صحيحٌ باعتبارٍ، مرجوحٌ باعتبارٍ آخرَ: فهو صحيحٌ إذا أُريدَ به النواةُ الدستوريّةُ التشريعيّةُ — أي أصولُ الأحاديثِ الأحكاميّةِ المُجرَّدةُ الخاليةُ من أيِّ تكريرٍ إسناديٍّ أو متنيٍّ، والتي تدورُ عليها أبوابُ الفقهِ والحلالِ والحرامِ. وهو مرجوحٌ إذا أُريدَ به حصرُ جميعِ ما صحَّ عن النبيِّ ﷺ في هذا العددِ مطلقًا؛ فإنّ المتتبِّعَ لِما في «المسند» و«السنن الأربعة» و«صحيح ابن حِبّانَ» و«صحيح ابن خُزَيمةَ» و«المستدرك» وغيرِها يجدُ أنّ مجموعَ المتونِ الصحيحةِ والحسنةِ يتجاوزُ هذا العددَ تجاوزًا ظاهرًا. وقد حرَّر هذا المعنى الحافظُ جلالُ الدينِ السيوطيُّ في «تدريب الراوي شرح تقريب النواوي» (١/٤٤-٤٥) حيث ذكرَ أنّ القولَ بالأربعةِ آلافٍ محمولٌ على أصولِ الأحاديثِ لا على جميعِ ما صحَّ.

المبحثُ الرابع: المقاربةُ الرقميّةُ المعاصرةُ — تصديقُ الحَدسِ الاستقرائيِّ التراثيّ

من أمتعِ ما أسفرَت عنه الجهودُ المعاصرةُ في دراساتِ السُّنّةِ، هو ذلك التطابقُ المُذهِلُ بين الحَدسِ الاستقرائيِّ التراثيِّ للأئمّةِ الأوائلِ ومخرجاتِ الفرزِ النصّيِّ والحوسبةِ الدلاليّةِ في يومِنا هذا. ويتجلّى ذلك في مشروعَين مرجعيَّين: أوّلًا: مشروعُ «معالم السنّة النبويّة» — الاستصفاءُ المتنيُّ

في مشروعٍ رائدٍ، أخضعَ العلّامةُ المحقّقُ الشيخُ صالحٌ أحمدُ الشاميُّ أربعةَ عشرَ ديوانًا من أمّهاتِ السنّةِ — تحوي مجتمعةً ١١٤,١٩٤ مرويّةً بالأسانيدِ — لعمليّةِ هندسةٍ عكسيّةٍ منهجيّةٍ: فبعد تصفيةِ الأسانيدِ، واستبعادِ الواهي والموضوعِ والموقوفِ، ودمجِ الشواهدِ والمتابعاتِ بحذفِ التكرارِ اللفظيِّ والمعنويِّ، خَلَصَ إلى أنّ المتونَ التأسيسيّةَ الصافيةَ التي يدورُ عليها التشريعُ بلغَت:

٣,٩٢١ حديثًا فريدًا متّصلًا (انظر: الشامي، «معالم السنة النبوية»، دار القلم، دمشق، ط١، ١٤٤٢هـ، ١/١٨-٢٥). وهو تطابقٌ رياضيٌّ مُذهِلٌ مع استقراءِ الإمامِ أبي داودَ (أربعة آلاف) قبل اثنَي عشرَ قرنًا! ممّا يُبرهِنُ أنّ ذلك الاستقراءَ المتقدِّمَ لم يكن حَدسًا تقريبيًّا بل كان سَبرًا تامًّا بأدواتِ العقلِ الحديثيِّ الصِّرف.

ثانيًا: مشروعُ «الجامع الكامل» — الاستيعابُ الموسوعيُّ

وإذا رُمنا تجاوزَ دائرةِ الأصولِ التشريعيّةِ نحوَ الموسوعيّةِ المطلقةِ — بحيثُ نجمعُ كلَّ ما صحَّ وحَسُنَ في العقائدِ وتفاصيلِ السِّيرةِ والشمائلِ وأشراطِ الساعةِ والمُكرَّراتِ ذاتِ الزياداتِ اللفظيّةِ المؤثِّرةِ — فإنّ الرقمَ يرتفعُ لكنّه يظلُّ مضبوطًا. وهذا ما حقَّقَه ميدانيًّا مشروعُ العلّامةِ الدكتورِ ضياءِ الرحمنِ الأعظميِّ في موسوعتِه الكبرى «الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل»، التي صَفَت له بعد التجريدِ التامِّ على: ١٦,٥٤٦ حديثًا (انظر: الأعظمي، «الجامع الكامل»، دار السلام، الرياض، ط١، ١٤٣٧هـ، ١/١٥). وهذا الرقمُ — على سَعَتِه — يُقاربُ ما ذهبَ إليه القُمُوليُّ (ت ٧٢٧هـ) من أنّ مجموعَ ما صحَّ أربعةَ عشرَ ألفَ حديثٍ، مع اعتبارِ ما يزيدُ عليه من الأحاديثِ الحسنةِ والزياداتِ اللفظيّةِ. وبذلك يتبيَّنُ أنّ الخارطةَ الإحصائيّةَ للسنّةِ النبويّةِ تنتظمُ في ثلاثِ دوائرَ متداخلةٍ: الدائرة الوصف العدد التقريبيّ النواةُ التشريعيّةُ أصولُ أحاديثِ الأحكامِ المجرَّدةُ ≈ ٤,٠٠٠

المجموعُ الصحيحُ الشامل كلُّ ما صحَّ في جميعِ الأبوابِ ≈ ١٤,٠٠٠ – ١٦,٥٠٠ المرويّاتُ الكلّيّة بالطُّرقِ والأسانيدِ والموقوفاتِ مئاتُ الآلافِ

المبحثُ الخامس: فوائدُ حديثيّةٌ مُتمِّمة

١. التفريقُ بين الصحيحِ لِذاتِه والصحيحِ لغيرِه

إنّ العددَ يختلفُ اختلافًا بيِّنًا بحسَبِ المرادِ: فإن أُريدَ الصحيحُ لِذاتِه — وهو ما اتّصلَ سندُه بنقلِ العَدلِ التامِّ الضبطِ عن مثلِه إلى منتهاه من غيرِ شذوذٍ ولا عِلّةٍ — فالعددُ أقلُّ. وإن أُضيفَ إليه الحسنُ لِذاتِه والصحيحُ لغيرِه (وهو الحسنُ الذي تعدَّدَت طرقُه) زادَ العددُ زيادةً ملحوظةً.

٢. مفهومُ «الصحيح» عند المتقدّمين والمتأخّرين

يجبُ التنبُّهُ إلى أنّ مفهومَ «الصحيح» عند المتقدّمين — كالبخاريِّ وأحمدَ ويحيى بنِ مَعينٍ وعليِّ بنِ المَدينيِّ — أضيقُ منه عند كثيرٍ من المتأخّرين. فالمتقدّمون يعتمدونَ على نقدِ العِلَل الخفيّةِ ويُعِلُّونَ أحاديثَ ظاهرُها الصحّةُ بعِلَلٍ دقيقةٍ قد لا يُدرِكُها المتأخِّرُ، وهذا ما يُعرَفُ في الاصطلاحِ بـعِلمِ عِلَلِ الحديثِ وهو أشرفُ علومِ الحديثِ وأدقُّها كما قال ابنُ الصلاحِ (ت ٦٤٣هـ) في «المقدّمة» (ص ٨٩).

٣. التكثيفُ الرقميُّ وجوامعُ الكَلِم

إنّ حصرَ النواةِ التشريعيّةِ في أربعةِ آلافِ حديثٍ ليس دليلًا على ضياعِ الموروثِ كما قد يُتوهَّمُ، بل هو التجسيدُ الفعليُّ لإعجازِ «جوامعِ الكَلِم» النبويّةِ التي أخبرَ عنها ﷺ بقولِه: «بُعِثتُ بجوامعِ الكَلِمِ» (رواه البخاري، كتاب التعبير، ٧٠١٣)؛ فبهذا العددِ الدستوريِّ الدقيقِ تأسَّست أعظمُ وأشملُ حضارةٍ تشريعيّةٍ مكتملةِ الأركانِ، تسهلُ على الأمّةِ حفظًا واستيعابًا وعملًا.

٤. العلاقةُ بين العددِ وحُجّيّةِ السُّنّة

إنّ تحديدَ عددِ الأحاديثِ الصحيحةِ لا يَمَسُّ حُجّيّةَ السُّنّةِ في شيءٍ؛ فسواءٌ كان العددُ أربعةَ آلافٍ أو عشرةَ آلافٍ فإنّ كلَّ حديثٍ ثبتَت صحّتُه فهو حُجّةٌ شرعيّةٌ ملزِمةٌ، والعبرةُ بالثبوتِ لا بالكثرةِ. وقد قال الإمامُ الشافعيُّ (ت ٢٠٤هـ): «إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي» — رواه النوويُّ في «المجموع» (١/٦٣).

خاتمة

خلاصةُ ما تقدَّمَ أنّ القولَ بأنّ الأحاديثَ الصحيحةَ أربعةُ آلافٍ قولٌ مأثورٌ عن أئمّةٍ كبارٍ في مقدّمتِهم سفيانُ الثوريُّ والإمامُ أحمدُ وإسحاقُ بنُ راهَوَيه وأبو داودَ السِّجستانيُّ، بل هو محلُّ شبهِ اتّفاقٍ بين الطبقةِ المؤسِّسةِ من نُقّادِ الحديثِ، وأنّه محمولٌ على النواةِ الدستوريّةِ التشريعيّةِ المجرَّدةِ لا على مجموعِ ما صحَّ مطلقًا. وقد جاءت المقارباتُ الرقميّةُ المعاصرةُ — كمشروعِ «معالم السنّة النبويّة» للشاميِّ (٣,٩٢١ حديثًا) — لتُصدِّقَ هذا الحدسَ الاستقرائيَّ العبقريَّ تصديقًا رياضيًّا مُذهِلًا. أمّا المجموعُ الشاملُ لِما صحَّ فيتراوحُ بين أربعةَ عشرَ ألفًا وستّةَ عشرَ ألفًا، كما قدَّره القُمُوليُّ قديمًا والأعظميُّ حديثًا.

وهذه المسألةُ تُعلِّمُنا أمرَين منهجيَّين بالغَي الأهمّيّةِ: أوّلُهما ضرورةُ تحريرِ مرادِ الأئمّةِ من كلامِهم قبلَ الاستدلالِ به. وثانيهما أنّ كثافةَ الأسانيدِ والطُّرقِ ليست تكرارًا عابثًا، بل هي المنظومةُ الحِصنيّةُ التي حفظَ اللهُ بها سُنّةَ نبيِّه ﷺ تحقيقًا لوعدِه: ﴿إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ﴾ (الحجر: ٩).

المصادرُ والمراجعُ

  1. ابنُ الصلاح (ت ٦٤٣هـ): «مقدّمة ابن الصلاح في علوم الحديث»، تحقيق: نور الدين عتر، دار الفكر، دمشق.
  2. النوويّ (ت ٦٧٦هـ): «شرح صحيح مسلم»، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  3. ابنُ حجرٍ العسقلانيّ (ت ٨٥٢هـ): «هَدْي الساري مقدّمة فتح الباري»، دار المعرفة، بيروت.
  4. ابنُ حجرٍ العسقلانيّ: «النُّكَت على كتاب ابن الصلاح»، تحقيق: ربيع بن هادي عمير، دار الراية، الرياض، ط١، ١٤٠٤هـ.
  5. ابنُ رجبٍ الحنبليّ (ت ٧٩٥هـ): «شرح علل الترمذي»، تحقيق: نور الدين عتر، دار الملّاح، دمشق.
  6. ابنُ رجبٍ الحنبليّ: «جامع العلوم والحكم»، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٧، ١٤٢٢هـ.
  7. السيوطيّ (ت ٩١١هـ): «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي»، تحقيق: عبد الوهّاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية، بيروت.
  8. أبو داود السِّجِسْتانيّ (ت ٢٧٥هـ): «رسالة أبي داود إلى أهل مكّة في وصف سُنَنِه»، تحقيق: محمّد الصبّاغ.
  9. الذهبيّ (ت ٧٤٨هـ): «سِيَر أعلام النبلاء»، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسّسة الرسالة، بيروت، ط١١، ١٤١٧هـ.
  10. الخطيبُ البغداديّ (ت ٤٦٣هـ): «تاريخ بغداد»، تحقيق: بشّار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي.
  11. الخطيبُ البغداديّ: «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، تحقيق: محمود الطحّان، مكتبة المعارف، الرياض.
  12. البيهقيّ (ت ٤٥٨هـ): «المدخل إلى السنن الكبرى»، تحقيق: محمّد ضياء الرحمن الأعظمي.
  13. ابنُ عَدِيّ (ت ٣٦٥هـ): «الكامل في ضعفاء الرجال»، تحقيق: عادل أحمد وعلي محمّد، دار الكتب العلمية.
  14. الحاكمُ النَّيسابوريّ (ت ٤٠٥هـ): «المستدرك على الصحيحين»، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية.
  15. الشاميّ، صالح أحمد: «معالم السنة النبوية»، دار القلم، دمشق، ط١، ١٤٤٢هـ.
  16. الأعظميّ، ضياء الرحمن: «الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل»، دار السلام، الرياض، ط١، ١٤٣٧هـ.

شارك المقالة

Scroll to Top