رجوع إلى البحوث الحديث وعلوم السنة

حديث صيام الست من شوال: تحليل نقدي وترجيح

الحديث وعلوم السنةدقيقتان للقراءة٤٠٠ كلمة

وجه النقد المعتبر

لا ينبغي لطالب العلم المنصف أن يتجاوز اعتراضات النقَّاد في هذا الحديث بمجرَّد القول إنَّه في صحيح مسلم، فإنَّ العلماء قديمًا وحديثًا نقدوا أحاديث في الصحيحين وأعلُّوها، وقد أفرد الدارقطني كتابًا في التتبُّع على الصحيحين ذكر فيه أحاديث رأى أنَّها معلَّلة. وحديث الستِّ من شوال من الأحاديث التي لها وجهٌ من النقد لا يُدفع: فسعد بن سعيد ضعَّفه أعلم الناس بالرجال في عصره — يحيى بن معين —، والنسائي الذي اشتُهر بشدَّة شروطه، وأبو حاتم الرازي الذي عُرف بالتشدُّد في التوثيق. وتفرُّد مثل هذا الراوي بحديثٍ فيه فضلٌ عظيم مظنَّة العلَّة عند المتقدِّمين من النقَّاد. وموقف الإمام مالك — وهو إمام السنَّة في المدينة — يُعطي للنقد ثقلًا إضافيًّا لا يُستهان به.

متَّكأ المشروعيَّة القويُّ

ومع ذلك فإنَّ القول بمشروعيَّة صيام الستِّ من شوال واستحبابه له متَّكأٌ قويٌّ لا يُدفع من وجوه:

الوجه الأوَّل: تخريج مسلم للحديث في صحيحه يُعدُّ حكمًا ضمنيًّا بصحَّته، ومسلمٌ من أعلم الناس بالعلل والرجال، ولم يكن ليُخرِّج حديثًا لا تطمئنُّ نفسه إلى ثبوته. الوجه الثاني: تعدُّد طرق الحديث — وإن كان في بعضها مقال — يرفعه عن مرتبة الغرابة المطلقة، والمقرَّر في علم المصطلح أنَّ الحديث الحسن لغيره يثبت بمجموع الطرق التي لا تخلو من ضعفٍ محتمل. الوجه الثالث: حديث ثوبان رضي الله عنه في تفسير معنى حديث أبي أيوب يُعدُّ شاهدًا قويًّا يُعضِّد المتن ويدلُّ على أنَّ المعنى محفوظٌ وليس ممَّا تفرَّد به سعدٌ وحده. الوجه الرابع: موافقة المتن للقواعد العامَّة في الشريعة، فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها نصٌّ قرآنيٌّ (الأنعام: 160)، والحساب المذكور في الحديث يتَّسق مع هذا الأصل اتِّساقًا تامًّا، ممَّا يدلُّ على أنَّ المتن ليس بمنكر. الوجه الخامس: عمل جمهور الأمَّة عبر القرون على استحباب هذا الصيام يُعدُّ قرينةً ترجيحيَّة قويَّة، فلو كان الحديث واهيًا لما استمرَّ عمل هذا الكمِّ من العلماء والفقهاء به.

الترجيح النهائي

والذي تطمئنُّ إليه النفس بعد هذه الدراسة — والعلم عند الله تعالى — أنَّ حديث صيام الستِّ من شوال حديثٌ ثابتٌ بمجموع طرقه وشواهده، وأنَّ الإعلال بسعد بن سعيد وحده لا يكفي لردِّه مع وجود المتابعات والشواهد وتخريج مسلم له. والحكم الفقهيُّ المترتِّب على ذلك هو استحباب صيام هذه الأيَّام الستِّ من شوال، سواء صامها متتابعةً أو مفرَّقة. مع الاعتراف — من باب الإنصاف العلمي — بأنَّ لمن ذهب إلى عدم استحبابها سلفًا من كبار الأئمَّة ومستندًا لا يُحتقر، وأنَّ الأمر في دائرة الاجتهاد الذي يسع فيه الخلاف. فلا يُنكَر على من تركها اتِّباعًا لمالك، ولا على من صامها اتِّباعًا للشافعي وأحمد وجمهور العلماء. وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم

شارك المقالة

Scroll to Top