ومن السور التي أودع الله فيها من أسرار البيان، ولطائف التبيان، ودقائق المعاني، وبدائع الحكم، ما يجعلها كالنجم الساطع في سماء القرآن، والدر اللامع في عقد الفرقان، سورة "الشرح"، تلك الجوهرة المكية النفيسة، والدرة الثمينة الأنيسة، التي نزلت على قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم، كالماء الزلال على الفؤاد الصادي، والبلسم الشافي على الجرح الدامي، والنور الهادي في الليل الحالك الدامس.
ورغم قصر مبناها، فقد اتسع معناها، وعلى صغر حجمها، فقد عظم نفعها، فكانت كما وصفها أحد المصادر: "سورة قصيرة في عدد آياتها، إلا أنها تحمل في طياتها معاني عظيمة ودلالات بليغة، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً لقلبه" . فهي وإن قلّت آياتها، فقد كثرت بركاتها، وإن قصرت كلماتها، فقد طالت خيراتها.
وإن من ألمع ما يسطع في سماء هذه السورة من نجوم البيان، وأبلغ ما يفيض من ينابيع الحكمة والفرقان، وأعذب ما يترنم به لسان الإيمان، قوله جل في علاه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. آيتان كريمتان، جاءتا كالتوقيع الإلهي على حقيقة كونية، ووعد رباني لا يتخلف، وبشارة سماوية لا تتبدل. تكرارٌ يظنه الظانّ توكيداً، ومعيةٌ يحسبها الحاسبُ قرباً، ولكن وراء الحروف أسرار، وتحت الكلمات أنوار، وفي ثنايا التراكيب حكم وأحكام، لا يكشف عن لثامها إلا من أوتي حظاً من علم البيان، وسلك سبيل أهل العرفان، وذاق حلاوة التدبر والتبيان.
فلنطلق معاً عنان الفكر في رياض هذه الآية الغنّاء، ولنسرح في بساتين معانيها الفيحاء، ولنقطف من أزاهيرها ما يروي غليل الظمآن، ويشفي عليل الحيران، ويبعث الأمل في قلب اليائس الولهان، في دراسةٍ تمزج بين جزالة اللفظ وعمق المعنى، وتجمع بين أصالة التحليل وجمال التعبير، وتؤلف بين دقة البحث وروعة التصوير، لتكون بحق تحفة بلاغية مصفاة، ودراسة لغوية متخصصة، تليق بجلال المقام، وعظمة الكلام.
مقدمةٌ في جلالِ المعنى وجمالِ المبنى
يا مَن ضاقتْ به السُّبلُ، وتكالبتْ عليه الهمومُ، ويا مَن أثقلتْ كاهلَهُ الخطوبُ، وتعاظمتْ في فؤادِهِ الكروبُ، قِفْ هُنا مُتأمِّلاً، وتدبَّرْ مُتفكِّراً، في سورةٍ من سُوَرِ القرآنِ العظيمِ، هي وإنْ قَصُرَتْ آياتُها، فقدْ عَظُمَتْ دلالاتُها، وبَلَغَتْ بلاغتُها أوجَ الكمالِ. إنها سورةُ الشرحِ، تلكَ الجوهرةُ المكنونةُ في كتابِ اللهِ، التي نزلتْ على قلبِ المصطفى صلى الله عليه وسلم في أحلكِ الظروفِ، لتكونَ لهُ سلوةً وعزاءً، ونوراً وهُدىً، ومفتاحاً لكلِّ مغلقٍ، ومخرجاً من كلِّ ضيقٍ.
لقدْ حَمَلَتْ هذه السورةُ المباركةُ في طياتِها من المعاني الجليلةِ، والإشاراتِ البديعةِ، ما يُثبِّتُ الفؤادَ، ويُطمئنُ الروحَ، ويُبشِّرُ بالفرجِ بعدَ الشدةِ، وباليُسرِ بعدَ العسرِ. وإنَّ من أبهى مظاهرِ الإعجازِ اللغويِّ والبلاغيِّ فيها، تكرارَ قولِ الحقِّ تباركَ وتعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. هذا التكرارُ ليسَ محضَ صدفةٍ، ولا مجردَ ترديدٍ، بل هوَ سِرٌّ من أسرارِ البيانِ القرآنيِّ، ولغزٌ من ألغازِ البلاغةِ الربانيةِ، يحملُ في طياتِهِ دلالاتٍ عميقةً، ومعانٍ ساميةً، تستدعي منَّا وقفةَ تدبُّرٍ، ونظرةَ تأمُّلٍ، لنستجليَ خفاياهُ، ونستنبطَ كنوزَهُ. فتعالَ معي أيها القارئُ الكريمُ، لنغوصَ في بحارِ هذه الآياتِ، ونستكشفَ لآلئَها المكنونةَ، مستنيرينَ بنورِ أقوالِ العلماءِ الأجلاءِ، ومستمدينَ من معينِ التفاسيرِ البلاغيةِ واللغويةِ، لنُحلِّلَ هذا التكرارَ العجيبَ، ونُبيِّنَ سرَّهُ البديعَ، في دراسةٍ تخصصيةٍ، تُجلي الحقائقَ، وتُبرزُ الجمالَ، وتُلامسُ شغافَ القلوبِ، وتُحيي الأملَ في النفوسِ.
الأمرالأول: تجليات (مع) بين حقيقة المصاحبة ومجاز المقاربة
دلالةُ "مع"
أيُّ سِرٍّ تُخفيهِ هذهِ الكلمةُ في طياتِها؟ تتراءى لنا في هاتينِ الآيتينِ الكريمتينِ كلمةٌ صغيرةٌ في مبناها، عظيمةٌ في معناها، هيَ كلمةُ ﴿مَعَ﴾. هذهِ الكلمةُ، وإنْ بدتْ بسيطةً، إلا أنها تُثيرُ في الأذهانِ تساؤلاتٍ عميقةً، وتفتحُ آفاقاً واسعةً للتأملِ والتدبرِ. فكيفَ يجتمعُ النقيضانِ، العسرُ واليسرُ، في معيةٍ واحدةٍ؟ وهلْ هيَ معيةٌ حقيقيةٌ، أمْ أنَّ وراءَها سِرّاً بلاغياً، يُخاطبُ العقولَ والقلوبَ؟ لقدْ تباينتْ أنظارُ العلماءِ، وتعددتْ اجتهاداتُهم في فكِّ رموزِ هذهِ المعيةِ، وكلٌّ أدلى بدلوهِ، مستنبطاً منْ بحرِ القرآنِ ما فتحَ اللهُ عليهِ.
إن أول ما يصافح الفكر في هذه الآية الكريمة، هو حرف (مع)، هذا الحرف الذي وُضع في لسان العرب للدلالة على المصاحبة والاقتران، فإذا قلت: "جاء زيد مع عمرو"، دلّ ذلك على اجتماعهما في زمان أو مكان. ولكن كيف يجتمع العسر واليسر، وهما ضدان لا يلتقيان، ونقيضان لا يجتمعان؟ هنا تتجلى عظمة البيان القرآني، وتتعدد وجوه التأويل عند أهل العلم والفرقان، فمنهم من حملها على المجاز، ومنهم من أبقاها على الحقيقة، ولكل وجهة هو موليها.
الوجه الأول: المعية المجازية، أو قرب الوصال بعد طول النضال ومعيةُ القربِ والوشيكِ، لا معيةُ الجمعِ والاقترانِ
ذهب فريق من أهل التفسير، وعلى رأسهم العلامة ابن عاشور، إلى أن المعية هنا ليست على حقيقتها، بل هي مجاز مرسل، علاقته القرب والمجاورة. فكما يرى فريقٌ منْ أهلِ العلمِ والبلاغةِ إلى أنَّ كلمةَ "مع" هنا لا تُفيدُ المعيةَ الحقيقيةَ التي تعني الجمعَ والاقترانَ في آنٍ واحدٍ، فالعسرُ واليسرُ ضدانِ لا يجتمعانِ. فالعسر لا يجتمع مع اليسر في آن، ولكن اليسر يأتي عقب العسر مباشرة، كأنهما متصاحبان لا يفترقان. . بلْ هيَ استعارةٌ بديعةٌ، تُشيرُ إلى قربِ حصولِ اليسرِ عقبَ العسرِ مباشرةً، أو ظهورِ بوادرِهِ. فكأنَّ اليسرَ يُلاحقُ العسرَ، ويُطاردُهُ، فلا يكادُ العسرُ يحلُّ حتى يُشرقَ نورُ اليسرِ منْ بعدِهِ، أو معَ بوادرِهِ. وهذا المعنى يُضفي على الآيةِ طمأنينةً عظيمةً، ويُبثُّ في النفوسِ الأملَ، ويُقوِّي القلوبَ على مواجهةِ الشدائدِ، إذْ لا يأسَ معَ وعدِ اللهِ. وقدْ أشارَ إلى هذا المعنى الإمامُ محمدُ الطاهرُ بنُ عاشورٍ في "التحريرِ والتنويرِ"، بقولِهِ البليغِ: "وكلمةُ ﴿مَعَ﴾ هنا مستعملةٌ في غيرِ حقيقةِ معناها؛ لأنَّ العسرَ واليسرَ نقيضانِ فمقارنتُهما معًا مستحيلةٌ، فتعيَّنَ أنَّ المعيَّةَ مستعارةٌ لقربِ حصولِ اليسرِ عقبَ حلولِ العسرِ، أو ظهورِ بوادرِهِ؛ بقرينةِ استحالةِ المعنى الحقيقيِّ للمعيةِ" . فكأنَّ الآيةَ تُبشِّرُ بأنَّ الفرجَ ليسَ ببعيدٍ، وأنَّ النورَ سيُشرقُ بعدَ الظلامِ، وأنَّ كلَّ شدةٍ إلى زوالٍ، وكلَّ ضيقٍ إلى انفراجٍ.
وهذا الوجه من التأويل، وإن كان له حظ من النظر، إلا أنه يفرّق بين ما جمع الله، ويجعل اليسر تالياً للعسر لا مصاحباً له. وهو ما يتوافق مع قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]. ولكن شتان بين "بعد" و"مع"، فـ"بعد" تفيد التراخي، و"مع" تفيد المصاحبة. فهل يعقل أن يكون البيان القرآني قد استعمل حرفين مختلفين للمعنى نفسه؟ أم أن وراء كل حرف سراً، ولكل كلمة حكمة؟
الوجه الثاني: المعية الحقيقية، أو اليسر الكامن في رحم العسر أو معيةُ الكامنِ والظاهرِ، سِرٌّ في طياتِ العسرِ.
وهنا يتجلى وجه آخر من وجوه الإعجاز، وهو أن المعية على حقيقتها، وأن اليسر كامن في صلب العسر، وموجود في ثناياه. فما من محنة إلا وفيها منحة، وما من بلية إلا وفيها عطية.
ولمْ يكتفِ بعضُ العلماءِ بهذا الفهمِ الظاهرِ، بلْ غاصوا أعمقَ في بحرِ المعنى، فرأوا أنَّ المعيةَ هنا تُشيرُ إلى تلازمٍ أعمقَ، واقترانٍ خفيٍّ، يُفضي إلى أنَّ اليسرَ ليسَ شيئاً يأتي بعدَ العسرِ فحسبُ، بلْ هوَ كامنٌ في العسرِ ذاتِهِ، أو أنَّ أسبابَ اليسرِ ومفاتيحَ الفرجِ تُخبئُها طياتُ الشدةِ. فالعسرُ قدْ يكونُ في ظاهرِهِ بلاءً، وفي باطنِهِ عطاءً، وفي طياتِهِ دروساً وعِبراً، وفرصاً للنموِّ والارتقاءِ. فكمْ منْ محنةٍ كانتْ في حقيقتِها منحةً، وكمْ منْ شدةٍ فتحتْ أبواباً لمْ تكنْ لتُفتحَ لولاها! وهذا المعنى يُعيدُ صياغةَ نظرتِنا إلى البلاءِ، ويُحوِّلُهُ منْ مجردِ عقبةٍ إلى جسرٍ نحوِ الفرجِ، ومنْ مجردِ ألمٍ إلى سبيلٍ نحوِ النورِ.
فلو دقق الإنسان في العسر الذي يمرّ به فسيرى أمورًا من خلالها يمكنه تجاوز الصعاب، والوصول إلى ساحل الأمان... فلو أمعنت النظر في المشكلة (العسر) ستجد الحلّ وطريق الخلاص (اليسر). ولقدْ ضربَوا له أمثلةً بليغةً تُجلي هذا المعنى، فذكروا أنَّ "المرضَ – مثلاً- لهُ وجهانِ، وجهٌ أنَّهُ عسرٌ وابتلاءٌ، ووجهٌ بأنَّهُ يسر التوكل على الله، يسر التوبة والرجوع إلى الله، ويسر الشعور بنعمة الصحة. ويسر الشعور بحال الفقراء والمساكين. يُذكِّرُنا باللهِ تعالى وبنعمةِ العافيةِ والاستعدادِ للموتِ." وأنَّ "الغربةَ لها وجهانِ، وجهُ العسرِ وهوَ الابتعادُ عنِ الوطنِ والأهلِ، ووجهُ اليسرِ تحمل في طياتها يسر العلم والخبرة، ويسر الاعتماد على النفس. وهوَ التمكنُ منْ إكمالِ مشوارِ الدراسةِ أوِ الحصولِ على فرصةِ عملٍ مناسبةٍ وما شابهَ." .
وهذا الفهمُ يتناغمُ معَ قولِ الصالحين: "ما رأيتُ إلا جميلاً"، حيثُ تُدركُ الروحُ المؤمنةُ أنَّ وراءَ كلِّ عسرٍ يسرًا، وأنَّ في باطنِ كلِّ شدةٍ جمالاً، لا يُدركُهُ إلا أصحابُ البصائرِ النافذةِ، والقلوبِ المطمئنةِ . فرغم هول المصيبة، فقد رأوا فيها جمال التضحية في سبيل الله، وجمال الصبر على البلاء. وهذا الوجه من التأويل هو الأقرب إلى روح الآية، والأكثر بعثاً للأمل في النفس. فهو يعلمنا أن لا نيأس من رحمة الله، وأن نبحث عن اليسر في قلب العسر، وأن نوقن بأن مع كل شدة فرجاً، ومع كل ضيق مخرجاً.
الرأيُ الثالثُ: معيةُ الزمانِ والمكانِ، بينَ "مع" و"بعد"
وعلى الرغمِ منْ أنَّ سورةَ الشرحِ قدْ اختارتْ كلمةَ "مع"، إلا أنَّ القرآنَ الكريمَ، ببلاغتِهِ المتناهيةِ، قدْ استخدمَ كلمةَ "بعد" في مواضعَ أخرى للدلالةِ على الترتيبِ الزمنيِّ، كقولِهِ تعالى في سورةِ الطلاقِ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]. و
قدْ أشارَ العلماء إلى هذا الفارقِ الدقيقِ، فآيةُ الطلاقِ تُبشِّرُ بيسرٍ يأتي لاحقاً، كأنَّهُ ثمرةٌ للعسرِ، بينما آيةُ الشرحِ تُؤكِّدُ على يسرٍ مقترنٍ بالعسرِ، أو قريبٍ منهُ جداً . وهذا التمايزُ في الألفاظِ يُبرزُ عظمةَ البيانِ القرآنيِّ، ويُشيرُ إلى أنَّ اليسرَ ليسَ دائماً مجردَ نتيجةٍ متأخرةٍ للعسرِ، بلْ قدْ يكونُ ملازماً لهُ، أو كامناً في جوهرِهِ، أو وشيكَ الوقوعِ بعدَهُ، في دلالةٍ على أنَّ رحمةَ اللهِ واسعةٌ، وأنَّ فرجَهُ قريبٌ، وأنَّهُ لا يُخلِفُ وعدَهُ، وأنَّ معَ كلِّ شدةٍ فرجاً، ومعَ كلِّ عسرٍ يسرينِ.
الأمر الثاني: سر التكرار بين تأكيد المعنى وتعديد المبنى.
أو: التكرارُ البلاغيُّ: صدىً للوعدِ الإلهيِّ، وبُشرى باليُسرينِ
إنَّ في تكرارِ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ لآيةً منْ آياتِ البيانِ، وسِرّاً منْ أسرارِ الإعجازِ، ليسَ مجردَ ترديدٍ لفظيٍّ، بلْ هوَ نَفَسٌ قرآنيٌّ عميقٌ، يُضفي على المعنى قوةً وجزالةً، ويُرسِّخُ في النفوسِ حقيقةً خالدةً. لقدْ تباينتْ أنظارُ العلماءِ في كشفِ سرِّ هذا التكرارِ، وكلٌّ أدلى بدلوهِ، مستنبطاً منْ بحرِ القرآنِ ما فتحَ اللهُ عليهِ.
وإذا انتقلنا من سر المعية إلى سر التكرار، وجدنا أنفسنا أمام بحر آخر من بحور البلاغة القرآنية. فما الحكمة من تكرار قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ مرتين متتاليتين؟ هل هو لمجرد التأكيد، أم أن للتكرار هنا وظيفة أخرى؟
القول الأول: التكرار للتوكيد، وتثبيت الفؤاد عند ورود الشدائد
نعم التوكيدُ والمبالغةُ، لِتَثبيتِ القلوبِ
ذهبَ فريقٌ منْ أهلِ العلمِ والمفسرين إلى أنَّ هذا التكرارَ جاءَ لغرضِ التوكيدِ والمبالغةِ في المعنى، كأنَّهُ صدىً لوعدٍ إلهيٍّ، يُطمئنُ القلوبَ المضطربةَ، ويُثبِّتُ الأقدامَ المتزلزلةَ. فاللهُ تعالى يُؤكِّدُ لعبادِهِ أنَّ اليسرَ قادمٌ لا محالةَ، وأنَّ الفرجَ آتٍ لا ريبَ فيهِ، مهما اشتدَّ العسرُ، وتعاظمتِ الخطوبُ. ، لترسيخ هذه الحقيقة في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وفي نفوس المؤمنين. فكأن الله تعالى يقول: لا تشكوا في وعدي، ولا تيأسوا من رحمتي، فإن مع العسر يسراً، ثم يؤكد مرة أخرى: إن مع العسر يسراً. وهذا ما ذهب إليه الفراء، واختاره ابن عاشور، حيث قاسه على قول العرب: في شبهه بقولَ القائلِ: "ارْمِ ارْمِ"، أوْ "اعْجَلِ اعْجَلْ"، لِحثِّ المخاطبِ على الفعلِ، وتأكيدِ الأمرِ. وقدْ استشهدَ أصحابُ هذا الرأيِ بآياتٍ أُخرَ منْ كتابِ اللهِ، تُشيرُ إلى التكرارِ الذي يُفيدُ التوكيدَ، كقولِهِ تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: 3-4]، في دلالةٍ على عظمِ الأمرِ، وشدةِ الوعيدِ. وقدْ اختارَ هذا القولَ الإمامُ محمدُ الطاهرُ بنُ عاشورٍ، وغيرُهُ منْ فحولِ المفسرينَ، الذينَ رأوا في هذا التكرارِ بُعداً نفسياً، يُخاطبُ وجدانَ الإنسانِ، ويُقوِّي عزيمتَهُ .
وهذا القول، وإن كان له وجه من الصحة، إلا أنه لا يروي غليل الباحث عن أسرار البيان. فالقرآن الكريم لا يكرر لمجرد التكرار، بل لكل تكرار حكمة، ولكل إعادة فائدة.
القول الثاني: التكرار للتغاير، أو "لن يغلب عسر يسرين"- تعددُ اليُسرِ، وبُشرى باليُسرينِ-
وهنا نصل إلى جوهرة هذه الدراسة، ودرة تاجها، وهو القول الذي عليه جمهور المفسرين، والذي يستند إلى قاعدة لغوية بلاغية دقيقة، وهي أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، أما المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى. وفي الآية الكريمة، نجد أن كلمة (العسر) جاءت معرفة بـ(أل) في الموضعين، فهي عسر واحد. أما كلمة (يسرًا) فقد جاءت نكرة في الموضعين، فهي يسران مختلفان.
وهذا ما ورد عن ابن عباس، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وبه قال سفيان بن عيينة، واختاره جمهور المفسرين. وقد روي في ذلك حديث مرسل عن الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً مسروراً فرحاً وهو يضحك ويقول: "لن يغلب عسر يسرين، إن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً" . وهذا الحديثُ، وإنْ كانَ فيهِ ضعفٌ منْ حيثُ الإسنادُ، إلا أنَّهُ يُعضِّدُهُ أقوالُ الصحابةِ الأجلاءِ، كعمرَ بنِ الخطابِ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ، الذينَ فهموا منْ هذهِ الآيةِ أنَّ العسرَ الواحدَ يصحبهُ يسرانِ، لا يسرٌ واحدٌ .
وقدْ أكدَ هذا المعنى الجليلَ كبارُ المفسرينَ، الذينَ أضاءتْ أقوالُهمْ دروبَ الفهمِ، وكشفتْ عنْ أسرارِ البيانِ القرآنيِّ: الإمامُ ابنُ كثيرٍ: "ومعنى هذا: أنَّ العسرَ معرَّفٌ في الحالينِ، فهو مُفرَدٌ، واليسرُ منكَّرٌ فتعدَّدَ؛ فالعسرُ الأولُ عينُ الثاني، واليسرُ تعددٌ" .
الإمامُ أبو محمدٍ الحسينُ بنُ مسعودٍ البغويُّ: "قالَ المفسرونَ: ومعنى قولِهِ: ((لنْ يغلبَ عسرٌ يسرينِ)) أنَّ اللهَ -تعالى- كرَّرَ العُسرَ بلفظِ المعرفةِ، واليُسْرَ بلفظِ النكرةِ، ومنْ عادةِ العربِ إذا ذكرتْ اسمًا معرفًا، ثمَّ أعادتْهُ، كانَ الثانيَ هوَ الأولَ، وإذا ذكرتْ نكرةً ثمَّ أعادتْهُ مثلَهُ، صارَ اثنينِ... فالعسرُ في الآيةِ مكرَّرٌ بلفظِ التعريفِ، فكانَ عسرًا واحدًا، واليسرُ مكرَّرٌ بلفظِ التنكيرِ، فكانا يسرينِ، فكأنَّهُ قالَ: فإنَّ معَ العسرِ يسرًا، إنَّ معَ ذلكَ العسرِ يسرًا آخرَ" .
وهذا التفسيرُ الأخيرُ هوَ الأقوى بلاغياً ولغوياً، فهو يُضيفُ معنىً جديداً للتكرارِ، وهوَ أنَّ كلَّ عسرٍ يصحبهُ يسرانِ، يسرٌ في الدنيا ويسرٌ في الآخرةِ، أوْ يسرانِ في الدنيا، أحدهما ظاهرٌ والآخرُ كامنٌ. وهذا ما يبعثُ على الأملِ والطمأنينةِ في نفوسِ المؤمنينَ، ويجعلُهمْ يستقبلونَ الشدائدَ بقلوبٍ مطمئنةٍ، لعلمِهمْ أنَّ الفرجَ قريبٌ، وأنَّ معَ كلِّ عسرٍ يسرينِ، في دلالةٍ على عظيمِ رحمةِ اللهِ، وواسعِ فضلِهِ، وجميلِ عطائِهِ.
وهوَ الرأيُ الذي يميلُ إليهِ القلبُ، وتُؤيِّدُهُ الأدلةُ اللغويةُ والبلاغيةُ، وتُعضِّدُهُ أقوالُ كبارِ الصحابةِ والتابعينَ، وهوَ أنَّ هذا التكرارَ لا يُفيدُ التوكيدَ فحسبُ، بلْ يُشيرُ إلى تعددِ اليسرِ، فالعسرُ واحدٌ، ولكنَّ اليسرَ متعددٌ، كأنَّهُ يسرٌ يتلوهُ يسرٌ، وفَرَجٌ يعقبُهُ فرجٌ، في دلالةٍ على سعةِ فضلِ اللهِ، وعظيمِ كرمِهِ. وهذا المعنى يتفقُ تماماً معَ القاعدةِ اللغويةِ التي سبقَ ذكرُها، حولَ تعريفِ العسرِ وتنكيرِ اليسرِ. فالعسرُ، بكونِهِ معرفةً، يُشيرُ إلى ذاتٍ واحدةٍ، أما اليسرُ، بكونِهِ نكرةً، فيُشيرُ إلى تعددِ الأفرادِ، وتنوعِ العطاءِ.
فيا لها من بشرى عظيمة! ويا له من وعد كريم! فكل عسر، مهما اشتد وعظم، محفوف بيسرين، يسر ظاهر، ويسر باطن، يسر في الدنيا، ويسر في الآخرة. فكيف ييأس من كان له مع كل عسر يسران؟ وكيف يقنط من كان له مع كل ضيق فرجان؟ وهذا هو سر الإعجاز في هذا التكرار، فهو ليس تكراراً للفظ فحسب، بل هو تأسيس لمعنى جديد، وبشارة عظيمة للمؤمنين. فلكل عسر يسران، يسر يزيل العسر، ويسر يزيد على إزالته. وهناك قول ثالث: الجمع بين الوجهين، أو التنويع في مراتب اليسر وثمة وجه ثالث، يجمع بين الوجهين السابقين، ويؤلف بين المذهبين المتقدمين، وهو أن اليسر على مراتب ودرجات، وأنواع وأصناف. فمنه ما هو كامن في العسر نفسه، كما بيّنا في الوجه الثاني، ومنه ما يأتي بعد العسر، كما أشار إليه الوجه الأول. ومنه ما هو ظاهر يراه كل أحد، ومنه ما هو خفي لا يدركه إلا أهل البصائر والقلوب.
فالمؤمن الصادق، والعبد الراضي، يرى اليسر مع العسر، ويجد الفرج مع الكرب، ويحس بالرحمة مع البلاء. وأما غيره، فقد لا يرى اليسر إلا بعد انقضاء العسر، وانكشاف الغمة، وزوال المحنة. وهذا التنويع في مراتب اليسر، والتدرج في درجات الفرج، يتناسب مع تنوع أحوال الناس، وتفاوت درجات إيمانهم، ومراتب يقينهم، ومنازل صبرهم.
التحليل اللغويُّ: سِرُّ العسرِ واليسرِ في ميزانِ التعريفِ والتنكيرِ
إنَّ من أبدعِ ما تفتَّقتْ عنه أذهانُ العلماءِ، وتجلَّتْ به بصائرُ الفضلاءِ، في دراسةِ هاتينِ الآيتينِ الكريمتينِ، هوَ الغوصُ في بحرِ الدلالاتِ اللغويةِ، التي تُخبئُها حروفُ التعريفِ والتنكيرِ. فلقدْ أجمعَ أربابُ البلاغةِ، وأئمةُ اللغةِ، على قاعدةٍ ذهبيةٍ، تُشيرُ إلى أنَّ الاسمَ إذا ما أُعيدَ معرفةً، فإنَّ الثانيةَ هيَ عينُ الأولى، لا تختلفُ عنها في شيءٍ، كأنها صدىً لها، أو مرآةٌ تعكسُ صورتَها.
أما إذا ما أُعيدَ نكرةً، فإنَّ الثانيةَ تُغايرُ الأولى، وتُشيرُ إلى معنىً جديدٍ، أو فردٍ آخرَ، كأنها تُبشِّرُ بتجدُّدِ العطاءِ، وتعدُّدِ النعماءِ. وبتطبيقِ هذهِ القاعدةِ البلاغيةِ الرصينةِ على آياتِ سورةِ الشرحِ، نجدُ أنَّ كلمةَ "العسرِ" قدْ وردتْ معرفةً بألِ التعريفِ في الموضعينِ: ﴿الْعُسْرِ﴾، وهذا يُشيرُ إلى أنَّ العسرَ المذكورَ في الآيةِ الثانيةِ هوَ ذاتُهُ العسرُ الذي ذُكرَ في الآيةِ الأولى، كأنَّهُ عسرٌ واحدٌ، وإنْ تكرَّرَ ذكرُهُ. أما كلمةُ "يُسْرًا" فقدْ جاءتْ نكرةً في الموضعينِ: ﴿يُسْرًا﴾، وهذا يُفضي إلى أنَّ اليسرَ الثانيَ ليسَ هوَ اليسرَ الأولَ، بلْ هوَ يسرٌ جديدٌ، مختلفٌ عنهُ، كأنَّهُ يسرٌ يتلوهُ يسرٌ، وفَرَجٌ يعقبُهُ فرجٌ، في دلالةٍ بديعةٍ على سعةِ فضلِ اللهِ، وعظيمِ كرمِهِ. وقدْ صدحَ بهذا المعنى الجليلِ كبارُ المفسرينَ، وأعلامُ اللغةِ، فكانَ من أوائلِهمُ الصحابةُ الكرامُ، كابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، وعمرَ رضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ.
ولقدْ أوجزَ الإمامُ البغويُّ هذا المعنى البديعَ في قولِهِ الذي يُشبهُ الدرَّ المنثورَ: "قالَ المفسرونَ: ومعنى قولِهِ: ((لنْ يغلبَ عسرٌ يسرينِ)) أنَّ اللهَ -تعالى- كرَّرَ العُسرَ بلفظِ المعرفةِ، واليُسْرَ بلفظِ النكرةِ، ومنْ عادةِ العربِ إذا ذكرتْ اسمًا معرفًا، ثمَّ أعادتْهُ، كانَ الثانيَ هوَ الأولَ، وإذا ذكرتْ نكرةً ثمَّ أعادتْهُ مثلَهُ، صارَ اثنينِ... فالعسرُ في الآيةِ مكرَّرٌ بلفظِ التعريفِ، فكانَ عسرًا واحدًا، واليسرُ مكرَّرٌ بلفظِ التنكيرِ، فكانا يسرينِ، فكأنَّهُ قالَ: فإنَّ معَ العسرِ يسرًا، إنَّ معَ ذلكَ العسرِ يسرًا آخرَ" .
ولمْ يقتصرْ هذا الفهمُ الدقيقُ على المفسرينَ الأوائلِ، بلْ توارثَهُ الأئمةُ جيلاً بعدَ جيلٍ، فجاءَ في اقوالهم تأكيدٌ لهذهِ القاعدةِ البلاغيةِ منْ كلامِ بهاءِ الدينِ السبكيِّ، الذي أوردَها كقاعدةٍ مطردةٍ في علومِ اللغةِ العربيةِ، واستشهدَ عليها بهاتينِ الآيتينِ الكريمتينِ، مما يُضفي على هذا الفهمِ قوةً ورسوخاً، ويُبرزُ عمقَ الدلالةِ التي يحملُها هذا التكرارُ القرآنيُّ البديعُ .
فقد قال السبكي، رحمه الله تعالى: "(قاعدة) تتعلق بالتعريف والتنكير كثيرة النفع في كل علم إذا ذكر الاسم مرتين فإن كانا معرفتين، أو الثاني معرفة والأول نكرة، فالثاني هو الأول، وإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول، وإن كان الأول معرفة والثاني نكرة فقولان، فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) لذلك ورد:" لن يغلب عسر يسرين"" .
وهذه القاعدة الذهبية، والضابطة المحكمة، تؤكد أن العسر في الآيتين واحد لأنه معرف بأل التعريف، واليسر متعدد لأنه منكر، غير معرف. وقد ضرب السبكي أمثلة أخرى من القرآن الكريم تؤكد هذه القاعدة، وتقوي هذا الأصل، مما يدل على أنها قاعدة مطردة في كلام العرب، وفي القرآن الكريم، وفي كل علم من العلوم. فهذه القاعدة، إذن، ليست مجرد ملاحظة لغوية، أو استنتاج بلاغي، بل هي أصل راسخ، وقانون ثابت، في علوم العربية والبلاغة، يجري على جميع النصوص، ويطبق على كافة التراكيب.
فسبحانَ منْ أنزلَ هذا الكتابَ، وجعلَ في كلِّ حرفٍ منْ حروفِهِ، وفي كلِّ كلمةٍ منْ كلماتِهِ، وفي كلِّ تكرارٍ منْ تكراراتِهِ، آياتٍ بيناتٍ، ودلالاتٍ واضحاتٍ، تُشهدُ على عظيمِ قدرتِهِ، وبديعِ صنعِهِ، وكمالِ حكمتِهِ.
خاتمة: في ظلال اليقين، وبشائر الفرج: نداءٌ إلى القلوبِ، وبُشرى بالفرجِ القريبِ
وبعدَ هذا السَّبرِ العميقِ في رياضِ البيانِ القرآنيِّ، والغوصِ في بحارِ الدلالاتِ اللغويةِ والبلاغيةِ، يتجلَّى لنا عظمةُ سورةِ الشرحِ، تلكَ السورةُ التي وإنْ قَصُرَتْ آياتُها، فقدْ عَظُمَتْ معانيها، وتعاظمتْ أسرارُها.
إنَّ تكرارَ قولِ الحقِّ تباركَ وتعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ليسَ مجردَ تكرارٍ لفظيٍّ، بلْ هوَ وعدٌ إلهيٌّ صادقٌ، وبُشرى ربانيةٌ عظيمةٌ، تُرسِّخُ في النفوسِ حقيقةً كونيةً لا تتغيرُ، مفادُها أنَّ اليسرَ ملازمٌ للعسرِ، وأنَّ الفرجَ آتٍ لا محالةَ، بلْ إنَّ العسرَ الواحدَ يصحبهُ يسرانِ، لا يسرٌ واحدٌ، في دلالةٍ على سعةِ فضلِ اللهِ، وعظيمِ كرمِهِ، وواسعِ رحمتِهِ.
و نجد أنفسنا في ختام هذه الرحلة الإيمانية البلاغية، وقد ازددنا يقيناً بعظمة هذا القرآن، وإعجاز هذا البيان. فآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ليست مجرد تسلية للمحزون، أو تطييباً لخاطر المكلوم، بل هي قانون إلهي، وسنة كونية، ووعد رباني لا يتخلف. وقد عبر ابن مسعود رضي الله عنه عن هذا المعنى بتعبير بليغ، وتشبيه رائع، فقال: "لو كان العسر في جحرٍ، لدخل عليه اليسر حتى يُخرِجه" . وهذا التعبير البديع، والتشبيه الرائع، يصور لنا قوة اليسر وحتمية مجيئه، وسرعة وصوله، مهما اشتد العسر وتجذر، ومهما تعمق وتأصل. فاليسر، في هذا التشبيه، كالماء الذي يتسرب إلى كل مكان، ويصل إلى كل موضع، حتى لو كان العسر مختبئاً في أعمق الأماكن، وأبعد الجحور. فلا بد أن يصل إليه اليسر، ولا بد أن يخرجه من مكمنه، ولا بد أن يزيله من موضعه.
هي دعوة إلى الأمل والتفاؤل، والثقة بالله وحسن الظن به. هي رسالة إلى كل مهموم ومغموم، وكل مبتلى ومكروب، أن لا ييأس من روح الله، ولا يقنط من رحمته، فإن الفرج قريب، وإن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسراً، بل يسرين.
فيا أيها الإنسانُ، يا مَن أثقلتْ كاهلَهُ الهمومُ، ويا مَن ضاقتْ عليهِ السُّبلُ، ويا مَن غشيتْ قلبَهُ الظلماتُ، تذكرْ دائماً هذهِ الآياتِ البيناتِ، وتدبَّرْ معانيها الجليلةَ، فإنَّ فيها سلوةً لكلِّ حزينٍ، وعزاءً لكلِّ مبتلًى، ونوراً لكلِّ تائهٍ. تذكرْ أنَّ اللهَ لا يُخلِفُ وعدَهُ، وأنَّ بعدَ كلِّ ليلٍ فجرٌ، وبعدَ كلِّ عسرٍ يسرانِ. فاصبرْ صبراً جميلاً، وتفاءلْ خيراً، وأحسنِ الظنَّ بربِّكَ، فإنَّهُ عندَ ظنِّ عبدِهِ بهِ. واعلمْ أنَّ الشدائدَ مهما عظمتْ، فإنَّها إلى زوالٍ، وأنَّ الفرجَ قريبٌ، بلْ هوَ معَ العسرِ، وكامنٌ في طياتِهِ، وسيُشرقُ نورُهُ ليُبدِّدَ ظلماتِ اليأسِ، ويُحييَ الأملَ في النفوسِ.
فيا من أثقلته الهموم، وأضنته الغموم، ويا من ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، ارفع رأسك إلى السماء، وتأمل في هذا الوعد الإلهي، واعلم أن لك مع كل عسر يسرين. فاصبر وصابر، ورابط واتق الله، لعلك تفلح.
فلنكنْ منَ الذينَ يُدركونَ هذهِ الحقيقةَ، ويُوقنونَ بهذا الوعدِ الإلهيِّ، فيُقابلونَ الشدائدَ بالصبرِ والثباتِ، ويُحوِّلونَ المحنَ إلى منحٍ، والبلايا إلى عطايا، مُستلهمينَ منْ سورةِ الشرحِ دروساً في الإيمانِ، والعزيمةِ، والأملِ. فما أعظمَ هذا الكتابَ، وما أبلغَ آياتِهِ، وما أعمقَ دلالاتِهِ! فسبحانَ منْ أنزلَهُ، وسبحانَ منْ جعلَ فيهِ شفاءً للصدورِ، ونوراً للقلوبِ، وهُدىً للعالمينَ.
نداءٌ إلى القلوبِ، وبُشرى بالفرجِ القريبِ وبعدَ هذا السَّبرِ العميقِ في رياضِ البيانِ القرآنيِّ، والغوصِ في بحارِ الدلالاتِ اللغويةِ والبلاغيةِ، يتجلَّى لنا عظمةُ سورةِ الشرحِ، تلكَ السورةُ التي وإنْ قَصُرَتْ آياتُها، فقدْ عَظُمَتْ معانيها، وتعاظمتْ أسرارُها.
نسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا بالإيمان، وينير قلوبنا بالقرآن، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
