رجوع إلى البحوث القرآن والبيان واللغة

في رحاب الفرقان

تجليات البخل والشح والضن

القرآن والبيان واللغةدقيقتان للقراءة٣٧٨ كلمة

الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الناظر في آي الذكر الحكيم، ليرى من عجائب البيان، ودقائق الألفاظ ما يأخذ بالألباب، ويُدهش العقول. ومن ذلك ما فرّق به القرآن الكريم بين ألفاظ متقاربة في ظاهرها، متباينة في حقيقتها، ومنها: البخل، والشح، والضن. فهذه الألفاظ وإن اشتركت في معنى المنع والإمساك، إلا أن لكل منها دلالة خاصة، ومقامًا يليق به. فأما البخل، فهو قيد يكبّل اليد عن الإنفاق في سبيل الله، وهو خاص بالجانب المادي الملموس، تراه في منع المال والزكاة وما آتاهم الله من فضله. إنه منع الواجب، وإمساك ما في اليد عن مستحقه. ولذلك جاء الوعيد الشديد للبخلاء في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾، فقرن البخل بالاستغناء عن الله، وهو ما يقود صاحبه إلى الشقاء.

ثم بيّن أن هذا المال الذي يبخل به الإنسان لن يغني عنه شيئًا يوم القيامة، فقال: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. فالبخل إذن، هو آفة المال، وسبب الحرمان. وأما الشح، فهو أعم وأشمل من البخل، إنه ليس مجرد منع للمال، بل هو حرص النفس وطمعها في منع الخير كله، سواء كان من مالها أو من مال غيرها. إنه غريزة في النفس، وطبع فيها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. فالشح لصيق بالنفس، لا يفارقها إلا لمن وقاه الله شره، فقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الشح أشد التحذير، فقال: «لا يجتمعُ شحٌّ وإيمانٌ في قلبِ رجلٍ مسلمٍ أبداً». فالشح والإيمان ضدان لا يجتمعان، ونقيضان لا يلتقيان. وأما الضن، فهو بخل من نوع آخر، إنه بخل بالشيء النفيس، العزيز، الذي يضن به صاحبه لنفاسته. وهو خاص بالجانب المعنوي، لا المادي.

وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم مرة واحدة في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. أي أنه صلى الله عليه وسلم لا يبخل بما يأتيه من الوحي والعلم، وهو أعز شيء وأنفسه، بل يبذله للناس كافة، رحمة وهداية. فلم يقل "ببخيل"، لأن العلم ليس مالاً يُبخل به، بل هو أمانة تؤدى، ونور يبدد الظلمات. وهكذا تتجلى لنا عظمة القرآن الكريم في دقة ألفاظه، وسمو معانيه، فكل لفظة في مكانها، وكل كلمة لها دلالتها التي لا تقوم غيرها مقامها. فسبحان من هذا كلامه، وتبارك من هذا بيانه.

شارك المقالة

Scroll to Top