رجوع إلى البحوث القرآن والبيان واللغة

عِبَارَاتِ التَّهْنِئَةِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: دِرَاسَةٌ فِي التَّرْكِيبِ وَالدَّلَالَةِ (كُلُّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ)

القرآن والبيان واللغة٨ دقائق للقراءة١٬٢٧٨ كلمة

تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ التَّحْلِيلَ النَّحْوِيَّ لِعِبَارَاتِ التَّهْنِئَةِ الشَّائِعَةِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، مَعَ التَّرْكِيزِ عَلَى الصِّيَغِ المُخْتَلِفَةِ لِعِبَارَةِ "كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ" وَمَا يُمَاثِلُهَا. تَسْتَعْرِضُ الدِّرَاسَةُ الأَوْجُهَ الإِعْرَابِيَّةَ المُتَعَدِّدَةَ لِهَذِهِ العِبَارَاتِ، وَتُنَاقِشُ آرَاءَ النُّحَاةِ وَالمَجَامِعِ اللُّغَوِيَّةِ فِي صِحَّتِهَا وَفَصَاحَتِهَا، مَعَ تَرْجِيحِ جَوَازِ الوَجْهَيْنِ الأَكْثَرِ شُيُوعًا اسْتِنَادًا إِلَى الأَدِلَّةِ النَّحْوِيَّةِ وَالاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ. وَتَخْلُصُ الدِّرَاسَةُ إِلَى أَنَّ التَّنَوُّعَ فِي التَّرَاكِيبِ النَّحْوِيَّةِ لِعِبَارَاتِ التَّهْنِئَةِ يَعْكِسُ ثَرَاءَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَمُرُونَتَهَا فِي التَّعْبِيرِ عَنِ المَعَانِي المُتَقَارِبَةِ بِصِيَغٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

تُعَدُّ عِبَارَاتُ التَّهْنِئَةِ مِنَ الأَسَالِيبِ اللُّغَوِيَّةِ الشَّائِعَةِ فِي الاسْتِعْمَالِ اليَوْمِيِّ لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَتَحْظَى بِمَكَانَةٍ خَاصَّةٍ فِي المُنَاسَبَاتِ وَالأَعْيَادِ. وَتَتَمَيَّزُ هَذِهِ العِبَارَاتُ بِتَنَوُّعِ صِيَغِهَا وَتَعَدُّدِ أَوْجُهِ إِعْرَابِهَا، مِمَّا يَجْعَلُهَا مَادَّةً خَصْبَةً لِلدِّرَاسَةِ النَّحْوِيَّةِ وَالدَّلَالِيَّةِ.

وَمِنْ أَشْهَرِ هَذِهِ العِبَارَاتِ صِيَغُ التَّهْنِئَةِ بِالأَعْيَادِ وَالمُنَاسَبَاتِ السَّنَوِيَّةِ، مِثْلُ: "كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ" وَ"كُلُّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ" وَ"كُلَّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ".

وَقَدْ أَثَارَتْ هَذِهِ العِبَارَاتُ جَدَلًا نَحْوِيًّا بَيْنَ اللُّغَوِيِّينَ وَالنُّحَاةِ المُعَاصِرِينَ حَوْلَ صِحَّتِهَا وَفَصَاحَتِهَا، وَتَعَدَّدَتِ الآرَاءُ فِي تَوْجِيهِهَا النَّحْوِيِّ وَتَحْدِيدِ الصِّيغَةِ الأَفْصَحِ مِنْهَا. وَتَهْدِفُ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ إِلَى تَحْلِيلِ هَذِهِ العِبَارَاتِ تَحْلِيلًا نَحْوِيًّا دَقِيقًا، وَاسْتِعْرَاضِ آرَاءِ النُّحَاةِ وَالمَجَامِعِ اللُّغَوِيَّةِ فِيهَا، مَعَ تَرْجِيحِ جَوَازِ الوَجْهَيْنِ الأَكْثَرِ شُيُوعًا اسْتِنَادًا إِلَى الأَدِلَّةِ النَّحْوِيَّةِ وَالاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ.

التَّحْلِيلُ النَّحْوِيُّ لِصِيَغِ التَّهْنِئَةِ

أَوَّلًا: صِيغَةُ "كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ"

تُعَدُّ هَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْ أَكْثَرِ صِيَغِ التَّهْنِئَةِ شُيُوعًا فِي الاسْتِعْمَالِ المُعَاصِرِ، وَقَدْ تَعَدَّدَتِ الآرَاءُ فِي تَوْجِيهِهَا النَّحْوِيِّ عَلَى النَّحْوِ الآتِي:

1. التَّوْجِيهُ الأَوَّلُ: "كُلُّ" فَاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ

يَرَى أَصْحَابُ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنَّ "كُلُّ" فَاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (يَأْتِي) أَوْ (يَقْدُمُ) أَوْ (يُقْبِلُ)، مَرْفُوعٌ بِالفَاعِلِيَّةِ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى آخِرِهِ، وَ"عَامٍ" مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ بِالإِضَافَةِ، وَ"الوَاوُ" وَاوُ الحَالِ، وَ"أَنْتُمْ" ضَمِيرٌ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ، وَ"بِخَيْرٍ" جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (كَائِنُونَ) خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وَالجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ "أَنْتُمْ بِخَيْرٍ" فِي مَحَلِّ نَصْبِ حَالٍ. وَالتَّقْدِيرُ: "كُلُّ عَامٍ يَأْتِي وَالحَالُ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ".

وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُ هَذَا التَّوْجِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ حَذْفِ الفِعْلِ حِينَ يَدُلُّ المَقَامُ عَلَيْهِ، حَيْثُ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا مُتَوَجِّهًا وَجْهَةَ الحَاجَةِ قَاصِدًا فِي هَيْئَةِ الحُجَّاجِ فَقُلْتَ: مَكَّةَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، حَيْثُ زَكَنْتَ أَنَّهُ يُرِيدُ مَكَّةَ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: يُرِيدُ مَكَّةَ وَاللهِ" (الكِتَابُ، 1/274).

وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّوْجِيهَ الأُسْتَاذُ عَلِيُّ النَّجْدِيُّ نَاصِفٌ، حَيْثُ يَرَى أَنَّ إِعْرَابَ "كُلّ" فِي العِبَارَةِ فَاعِلًا أَرْجَحُ مِنْ رَفْعِهِ مُبْتَدَأً، إِذْ دَلَّ الاسْتِقْرَاءُ عَلَى أَنَّ الجُمْلَةَ الفِعْلِيَّةَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مِنَ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ (الأَلْفَاظُ وَالأَسَالِيبُ، ص 229).

2. التَّوْجِيهُ الثَّانِي: "كُلُّ" مُبْتَدَأٌ لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ

يَرَى أَصْحَابُ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنَّ "كُلُّ" مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى آخِرِهِ، وَهُوَ مُضَافٌ، وَ"عَامٍ" مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ بِالإِضَافَةِ، وَالخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ (مُقْبِلٌ) أَوْ (قَادِمٌ) أَوْ (آتٍ)، وَ"الوَاوُ" وَاوُ الحَالِ، وَ"أَنْتُمْ" ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ، وَ"بِخَيْرٍ" جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (كَائِنُونَ)، وَالجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ "أَنْتُمْ بِخَيْرٍ" فِي مَحَلِّ نَصْبِ حَالٍ. وَالتَّقْدِيرُ: "كُلُّ عَامٍ مُقْبِلٌ وَالحَالُ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ".

وَقَدْ رَجَّحَ مَجْلِسُ مُؤْتَمَرِ مَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ فِي دَوْرَتِهِ الحَادِيَةِ وَالأَرْبَعِينَ هَذَا التَّوْجِيهَ، حَيْثُ أَوْصَى بِالاقْتِصَارِ فِي تَوْجِيهِ إِجَازَةِ العِبَارَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ "كُلُّ عَامٍ" مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ (الأَلْفَاظُ وَالأَسَالِيبُ، ص 229).

ثَانِيًا: صِيغَةُ "كُلُّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ"

تَخْتَلِفُ هَذِهِ الصِّيغَةُ عَنْ سَابِقَتِهَا فِي خُلُوِّهَا مِنَ الوَاوِ قَبْلَ "أَنْتُمْ"، وَقَدْ وَجَّهَهَا النُّحَاةُ عَلَى النَّحْوِ الآتِي:

"كُلُّ" مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى آخِرِهِ، وَهُوَ مُضَافٌ، وَ"عَامٍ" مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ بِالإِضَافَةِ، وَ"أَنْتُمْ" ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ ثَانٍ، وَ"بِخَيْرٍ" جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (كَائِنُونَ) خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الثَّانِي، وَالجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ "أَنْتُمْ بِخَيْرٍ" فِي مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ.

وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُ النُّحَاةِ هَذَا التَّوْجِيهَ؛ لِأَنَّ الخَبَرَ إِذَا كَانَ جُمْلَةً لَيْسَتْ نَفْسَ المُبْتَدَأِ فِي المَعْنَى وَجَبَ اشْتِمَالُهَا عَلَى ضَمِيرٍ رَابِطٍ يَعُودُ عَلَى المُبْتَدَأِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي أَلْفِيَّتِهِ:

وَإِنْ تَكُنْ جُمْلَةً فَالرَّابِطُضَمِيرٌ أَوْ مَا ضُمِّنَ مَعْنَاهُ فَقَطْ

وَفِي هَذِهِ الصِّيغَةِ لَا يُوجَدُ ضَمِيرٌ رَابِطٌ يَعُودُ عَلَى المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ "كُلّ"، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الرَّابِطِ بِـ "فِيهِ" (أَيْ: أَنْتُمْ بِخَيْرٍ فِيهِ)؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ مُحْدَثٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، كَمَا ذَكَرَ الدُّكْتُورُ مُصْطَفَى فَهْمِي.

ثَالِثًا: صِيغَةُ "كُلَّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ"

تَخْتَلِفُ هَذِهِ الصِّيغَةُ عَنْ سَابِقَتَيْهَا فِي نَصْبِ "كُلّ" بَدَلًا مِنْ رَفْعِهَا، وَقَدْ وَجَّهَهَا النُّحَاةُ عَلَى النَّحْوِ الآتِي:

"كُلَّ" ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى آخِرِهِ، وَهُوَ مُضَافٌ، وَ"عَامٍ" مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ بِالإِضَافَةِ، وَ"أَنْتُمْ" ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ، وَ"بِخَيْرٍ" جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (كَائِنُونَ) خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ. وَالتَّقْدِيرُ: "أَنْتُمْ كَائِنُونَ بِخَيْرٍ كُلَّ عَامٍ".

وَيَسْتَدِلُّ أَصْحَابُ هَذَا التَّوْجِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحْمَن: 29]، حَيْثُ نُصِبَتْ "كُلّ" عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَجَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ. وَقَدِ اتَّفَقَ النُّحَاةُ عَلَى فَصَاحَةِ هَذِهِ الصِّيغَةِ؛ لِعَدَمِ افْتِقَارِهَا إِلَى تَقْدِيرَاتٍ إِضَافِيَّةٍ، وَلِتَوَافُقِهَا مَعَ القَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ الأَسَاسِيَّةِ لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.

مَوْقِفُ المَجَامِعِ اللُّغَوِيَّةِ

قَرَارُ مَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ

أَصْدَرَ مَجْمَعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ قَرَارًا بِشَأْنِ اسْتِخْدَامِ عِبَارَةِ "كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ"، جَاءَ فِيهِ:

"يُخَطِّئُ بَعْضُ النُّقَّادِ مَا يَشِيعُ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ فِي أَعْيَادِهِمْ: "كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ" بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا مَوْضِعَ لِلْوَاوِ هُنَا، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ. وَقَدْ دَرَسَتِ اللَّجْنَةُ هَذَا التَّعْبِيرَ، وَانْتَهَتْ إِلَى أَنَّهُ جَائِزٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ "كُلُّ عَامٍ" مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: كُلُّ عَامٍ مُقْبِلٌ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ، وَالوَاوُ حَالِيَّةٌ، وَالجُمْلَةُ بَعْدَهَا حَالٌ" (الأَلْفَاظُ وَالأَسَالِيبُ، ص 229).

وَقَدْ سَبَقَ هَذَا القَرَارَ مُنَاقَشَاتٌ مُسْتَفِيضَةٌ فِي لَجْنَةِ الأَلْفَاظِ وَالأَسَالِيبِ، حَيْثُ تَقَدَّمَ الأُسْتَاذُ عَلِيُّ النَّجْدِيُّ نَاصِفٌ بِمُذَكِّرَتَيْنِ نَاقَشَ فِيهِمَا تَوْجِيهَ العِبَارَةِ، وَانْتَهَى إِلَى جَوَازِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:

  1. أَنْ تَكُونَ "كُلّ" فَاعِلًا حُذِفَ فِعْلُهُ لِكَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: يُقْبِلُ كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ.
  2. أَنْ تَكُونَ "كُلّ" مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: كُلُّ عَامٍ مُقْبِلٌ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ. وَفِي كِلْتَا الحَالَتَيْنِ تَكُونُ الوَاوُ حَالِيَّةً، وَالجُمْلَةُ بَعْدَهَا حَالًا. وَلَمَّا عُرِضَ القَرَارُ عَلَى مَجْلِسِ مُؤْتَمَرِ المَجْمَعِ فِي دَوْرَتِهِ الحَادِيَةِ وَالأَرْبَعِينَ، أَوْصَى بِالاقْتِصَارِ فِي تَوْجِيهِ الإِجَازَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ "كُلُّ عَامٍ" مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ.

تَرْجِيحُ جَوَازِ الوَجْهَيْنِ

بَعْدَ اسْتِعْرَاضِ الأَوْجُهِ الإِعْرَابِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ لِصِيَغِ التَّهْنِئَةِ، وَمَوْقِفِ المَجَامِعِ اللُّغَوِيَّةِ مِنْهَا، يُمْكِنُ تَرْجِيحُ جَوَازِ الوَجْهَيْنِ الآتِيَيْنِ:

1. صِيغَةُ "كُلَّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ"

تُعَدُّ هَذِهِ الصِّيغَةُ الأَفْصَحَ وَالأَكْثَرَ تَوَافُقًا مَعَ قَوَاعِدِ النَّحْوِ العَرَبِيِّ؛ لِعَدَمِ افْتِقَارِهَا إِلَى تَقْدِيرَاتٍ إِضَافِيَّةٍ، وَلِتَوَافُقِهَا مَعَ القَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ الأَسَاسِيَّةِ لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ النُّحَاةُ عَلَى فَصَاحَتِهَا، كَمَا أَنَّهَا تُمَاثِلُ الأُسْلُوبَ القُرْآنِيَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحْمَن: 29].

2. صِيغَةُ "كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ"

رَغْمَ مَا أُثِيرَ حَوْلَهَا مِنْ جَدَلٍ نَحْوِيٍّ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ جَائِزَةٌ اسْتِنَادًا إِلَى قَرَارِ مَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ، وَإِلَى شُيُوعِهَا فِي الاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ المُعَاصِرِ. وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهَا نَحْوِيًّا عَلَى أَنَّ "كُلّ" مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: كُلُّ عَامٍ مُقْبِلٌ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ، وَالوَاوُ حَالِيَّةٌ، وَالجُمْلَةُ بَعْدَهَا حَالٌ. وَيُمْكِنُ الاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ هَذِهِ الصِّيغَةِ بِمَا يَأْتِي:

  1. قَرَارُ مَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ الَّذِي أَجَازَهَا.
  2. شُيُوعُهَا فِي الاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ المُعَاصِرِ، حَيْثُ أَظْهَرَتِ الدِّرَاسَاتُ الإِحْصَائِيَّةُ ارْتِفَاعَ نِسْبَةِ اسْتِخْدَامِهَا.
  3. إِمْكَانِيَّةُ تَوْجِيهِهَا نَحْوِيًّا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
  4. وُجُودُ نَظَائِرَ لَهَا فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: "صَبَاحُ الخَيْرِ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ"، وَ"رَمَضَانُ كَرِيمٌ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ".

الخَاتِمَةُ

خَلُصَتِ الدِّرَاسَةُ إِلَى أَنَّ صِيغَتَيِ التَّهْنِئَةِ "كُلَّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ" وَ"كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ" جَائِزَتَانِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، مَعَ تَرْجِيحِ الأُولَى مِنْ حَيْثُ الفَصَاحَةُ وَالتَّوَافُقُ مَعَ القَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ الأَسَاسِيَّةِ، وَجَوَازِ الثَّانِيَةِ اسْتِنَادًا إِلَى قَرَارِ مَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَشُيُوعِهَا فِي الاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ المُعَاصِرِ.

وَتَعْكِسُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ مُرُونَةَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَقُدْرَتَهَا عَلَى التَّعْبِيرِ عَنِ المَعَانِي المُتَقَارِبَةِ بِصِيَغٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا تُؤَكِّدُ أَهَمِّيَّةَ الاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ فِي تَطَوُّرِ اللُّغَةِ وَتَجَدُّدِهَا، وَضَرُورَةَ مُرَاعَاةِ هَذَا الاسْتِعْمَالِ فِي الدِّرَاسَاتِ النَّحْوِيَّةِ وَالدَّلَالِيَّةِ.

المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ

  1. ابْنُ مَالِكٍ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. (د.ت). أَلْفِيَّةُ ابْنِ مَالِكٍ (الخُلَاصَةُ). القَاهِرَةُ: دَارُ التُّرَاثِ.
  2. سِيبَوَيْهِ، عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ. (1988). الكِتَابُ. تَحْقِيقُ: عَبْدُ السَّلَامِ هَارُونَ. القَاهِرَةُ: مَكْتَبَةُ الخَانِجِي.
  3. العَدْنَانِيُّ، مُحَمَّدٌ. (1984). مُعْجَمُ الأَخْطَاءِ اللُّغَوِيَّةِ المُعَاصِرَةِ. بَيْرُوتُ: مَكْتَبَةُ لُبْنَانَ.
  4. فَهْمِي، مُصْطَفَى. (2010). تَصْحِيحٌ لُغَوِيٌّ وَتَنْسِيقُ مَقَالٍ. القَاهِرَةُ: دَارُ المَعَارِفِ.
  5. مَجْمَعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ. (1995). الأَلْفَاظُ وَالأَسَالِيبُ. القَاهِرَةُ: مَجْمَعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
  6. مَجْمَعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ. (2010). قَرَارَاتُ المَجْمَعِ فِي الدَّوْرَةِ الحَادِيَةِ وَالأَرْبَعِينَ. القَاهِرَةُ: مَجْمَعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
  7. نَاصِفٌ، عَلِيُّ النَّجْدِيُّ. (1995). مُذَكِّرَاتٌ حَوْلَ اسْتِخْدَامِ عِبَارَةِ "كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ". فِي: الأَلْفَاظُ وَالأَسَالِيبُ. القَاهِرَةُ: مَجْمَعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
  8. بَاشَا، إِبْرَاهِيمُ. (2015). أَيُّهُمَا أَصَحُّ فِي القَوْلِ: كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ أَمْ كُلُّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ أَمْ كُلَّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ؟. مَجَلَّةُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، 45(2)، 78-92.
  9. عَبْدُ العَزِيزِ، خَالِدٌ. (2018). التَّحْلِيلُ النَّحْوِيُّ لِعِبَارَاتِ التَّهْنِئَةِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. مَجَلَّةُ الدِّرَاسَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، 23(3)، 112-130.
  10. المَجْمَعُ العِلْمِيُّ العِرَاقِيُّ. (2012). قَرَارَاتُ المَجْمَعِ فِي الأَلْفَاظِ وَالأَسَالِيبِ المُعَاصِرَةِ. بَغْدَادُ: المَجْمَعُ العِلْمِيُّ العِرَاقِيُّ

شارك المقالة

Scroll to Top