رجوع إلى الفتاوى أصل القرض والزيادة والرسوم

التقاعد الاختياري وشبهة استثمار الأموال في مصارف ربوية

فتوى٧٣٩٣زيارة٠مشاركة
السؤال

المشايخ الكرام

ما الحكم الشرعي للتقاعد الاختياري الذي تقدمه وزارة العمل لغير الموظفين حيث يقوم المشترك بدفع بدل تقاعد شهري كالموظف وحسب فئة الدخل التي يحددها المتقدم بحسب مرتبه الشهري وبنسبة محددة وتشارك الدولة بنسبة اخرى

حيث تمنح الوزارة راتب تقاعدي للمتقدم عند بلوغ سن التقاعد او تحقيقه شرط التقاعد وحسب قانون التقاعد الخاص بالموظفين

خلاصة الجواب

الاشتراك في التقاعد الاختياري الذي تقدمه وزارة العمل مباح ومشروع، وما قد يشوب الإدارة المالية للصناديق من إيداعات أو معاملات لا يتحمله المواطن المشترك، ولا يؤثر على حلية الراتب التقاعدي المستحق له.

والله تعالى أعلم.

الجواب المفصَّل

التقاعد الاختياري أو نظام الضمان الاجتماعي الاختياري الذي تقدمه الدولة لغير الموظفين جائز شرعاً ولا حرج فيه، بل يُعد من صور التكافل الاجتماعي والتأمين التعاوني الذي يعود بالمنفعة والخير على الفرد والمجتمع.

التكييف الفقهي لهذا النظام:

التكافل الاجتماعي: يُنظر إلى هذه النظم الحكومية على أنها تطور مؤسسي لأشكال التكافل والتعاون الإسلامي، وليست عقود معاوضة تجارية ربحية تقوم على استغلال المشتركين.

طبيعة مساهمة الدولة: ما تدفعه الدولة من نسبة أو دعم إضافي يُعد من قبيل "الإعانة" أو "الهبة العامة" أو الواجب الذي تقدمه الدولة لرعاية مواطنيها وتأمين مستقبلهم ضد عجز الشيخوخة والحاجة.

الفرق عن التأمين التجاري المحرم: التأمين التجاري المحرم يقوم على بيع المجهول والمقامرة وغايته الربح البحت للشركة على حساب المستأمنين، بينما الأنظمة التقاعدية الحكومية تهدف إلى الحماية الاجتماعية وتحقيق المصلحة العامة والأمان المعيشي.

الضوابط الشرعية لاستمرار الجواز:

الالتزام بالقوانين الرسمية: أن يكون النظام معتمداً ومنظماً من قبل الدولة أو مؤسساتها الرسمية المختصة بما يضمن الحقوق والالتزامات للطرفين.

ألا يكون هناك تحايل أو تلاعب في تحديد فئة الدخل الحقيقية للحصول على رواتب تقاعدية لا يستحقها الشخص شرعاً وقانوناً.

وجزاكم الله خيراً، وهذا إشكال يطرحه بعض الباحثين والمهتمين بالتحوط للشبهات.

والجواب الفقهي المعتمد كما هو المعتمد لدى المجامع الفقهية وهيئات الفتوى المعاصرة هو: أن هذا الاحتمال أو الواقع لا يُبطل جواز الاشتراك، ولا يُحرّم أخذ الراتب التقاعدي.

وبيّن أهل العلم ذلك بعدة اعتبارات وضوابط فقهية:

1. انفكاك الجهة واستقلال الذمة المالية

المشترك يدفع اشتراكاته للدولة (أو لصندوق الضمان/التقاعد التابع لها) باعتباره نظاماً تكافلياً واجتماعياً عاماً، ولا يدفعها بصفته شريكاً أو مستثمراً في بنك محدد؛ فإذا قامت الجهة المسؤولة بإيداع الأموال أو جزء منها في حسابات أو استثمارات غير منضبطة، فالإثم والمسؤولية تقع على القائمين على إدارة الصندوق والقرار المالي فيه، وليس على المشترك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾.

2. حكم التعامل مع بيت المال والخزينة العامة (اختلاط الأموال)

قرر الفقهاء قديماً وحديثاً أن التعامل المالي مع الدولة وبيت مال المسلمين، وأخذ الرواتب والمنح والتقاعدات منه، جائز شرعاً حتى لو كانت الخزينة العامة يختلط فيها الحلال بغيره (كالضرائب غير المشروعة، أو فوائد الإيداعات، أو الرسوم المجحفة).

وقد تعامل الصحابة والتابعون والأئمة مع الخلفاء والولاة وأخذوا أعطياتهم ورواتبهم من بيت المال مع علمهم بوجود مظالم ومداخيل غير منضبطة عند بعض الولاة، استناداً إلى أن المال العام يُعامل معاملة الذمة العامة وليس كمال شخصي محدد العين.

3. الفرق بين "التقاعد الاجتماعي" و"صناديق الاستثمار الربحية"

في صناديق الاستثمار التجارية: يدخل المشترك بنية المضاربة وجني الأرباح من عوائد استثمارية محددة، فإذا كانت الاستثمارات ربوية حرم الدخول فيها؛ لأنه شريك ومستفيد مباشر من عين الربا.

أما في التقاعد الاجتماعي الحكومي: فالمشترك لا يملك قرار توجيه الاستثمار، ولا تُحسب مستحقاته بنسبة الأرباح الربوية، وإنما يُصرف له معاش تقاعدي ثابت تقديراً لخدمته وسنه وحاجته وضمن معايير الدولة الاجتماعية.

4. قاعدة "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة" ورفع الحرج

الحصول على مظلة أمان اجتماعي عند العجز والشيخوخة حاجة ماسة لكل إنسان، وتكليف آحاد الناس بالبحث والتدقيق في الأنظمة المصرفية التحتية للدولة أو اشتراط سلامتها الكاملة يؤدي إلى حرج ومشقة عظيمة وضياع حقوق الضعفاء وكبار السن، والقاعدة الشرعية: «المشقة تجلب التيسير» و«إذا ضاق الأمر اتسع».

خلاصة القول:

الاشتراك في التقاعد الاختياري الذي تقدمه وزارة العمل مباح ومشروع، وما قد يشوب الإدارة المالية للصناديق من إيداعات أو معاملات لا يتحمله المواطن المشترك، ولا يؤثر على حلية الراتب التقاعدي المستحق له.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب أصل القرض والزيادة والرسوم
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top