تغيير وصف واقعة فقد الزوج لتحصيل حقوق أسرته
امرأه متزوجة من منتسب وتم اعتقاله من قبل داعش بسنه 2016 وقد رزق بمولود في هذه السنه وقبل اعتقاله كان الأب متخفيا عند بعض أقاربه .
السؤال أن المرأه تريد الحصول على حقوقه من الدوله على اعتباره أنه مفقود علما أن الدوله لا تروج المعاملات للمعتقلين من المنتسبين الا في عام 2014 وطلبوا منها حلف يمين على أن مواليد ابنها المولود في عام 2016 ليس صحيحا
وللعلم أن المولود قد توفي الا انه مسجل في القيود فهل يجوز لها الحلف؟
علما أن المرأة لديها 3 اطفال وليس لها معيل ولا شهادة يمكن أن تعمل بها .... أفتونا يرحكم الله...
الخلاصة والضوابط الشرعية للفتوى: بناءً على ما تقدم تحريره، نُفتي بجواز مضي هذه المرأة المكلومة في إجراءات المعاملة، وجواز حلفها اليمين المطلوبة لاستنقاذ حقوق أسرتها، مع وجوب استعمال التورية في اليمين كما بُيّن. ويُقيد هذا الجواز بالضوابط الفقهية الآتية: ١. الاقتصار على موضع الحاجة:
ا.د.محمد طه حمدون السامرائي
لا شك أن هذه النازلة المعروضة، والتي تتضمن استفساراً عن حكم إقدام امرأة (فُقد زوجها المنتسب بالاعتقال، ولها منه أيتام ولا معيل لها) على الحلف صورياً أو خلافاً للواقع الإداري المسجل، بُغية استنقاذ حقوق زوجها المالية التي حجبتها الجهة الإدارية لعلل روتينية ضيقة. تستحق وقفة والنظر إلى المآلات
وبعد إعمال النظر في مقاصد الشريعة الإسلامية، والقواعد الفقهية الكلية، ومسالك الترجيح، يتبين أن هذه المسألة تُخرّج على أصلين فقهيين معتبرين، وهما: (مسألة الظفر بالحق)، وقاعدة (تعارض المفاسد والمصالح وجواز التورية للحاجة).
وفيما يلي التكييف الفقهي والتحرير العلمي للنازلة:
المتكأ الأول: في التكييف الفقهي لاستنقاذ المستحقات (مسألة الظفر بالحق)
فمن المقرر شرعاً وقانوناً أن الراتب التقاعدي أو الاستحقاق المالي للمنتسب المعتقل أو المفقود، هو حق مالي ثابت والتزام مستقر في ذمة الجهة المعنية تجاه عياله وأسرته.
وامتناع الإدارة عن صرف هذا الحق لعلل إجرائية (كتقييد الاعتقال بسنة 2014 دون غيرها) يُعد في ميزان الفقه بمثابة "المنع غير المبرر" لحق ثابت، ويأخذ حكم المماطلة أو الجحود.
وقد بحث الفقهاء قديماً هذه المسألة تحت عنوان (الظفر بالحق) أو (المقاصة الجبرية). والمقرر عند الشافعية في الأصح، وهو المعتمد في مذهب المالكية، ورواية مختارة عند الحنابلة: جواز أن يستوفي الدائن حقه من المدين بنفسه المماطل أو الجاحد إذا تعذر استخلاصه بالقضاء أو بالطرق المعتادة.
عمدة الفقهاء في ذلك:
ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال ﷺ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
وجه الدلالة: أن الشارع الحكيم أذن لصاحبة الحق في استيفاء حقها (النفقة) دون علم من عليه الحق، متى ما امتنع عن أدائه طوعاً، وقاس الفقهاء على ذلك كل حق ثابت تعذر الوصول إليه إلا بحيلة أو أخذٍ خفي.
وبالتالي:
إن ما تستنقذه هذه المرأة من مستحقات هو استيفاءٌ لحقٍّ ثابتٍ شرعاً، وتخليصٌ لمالٍ معصوم من الضياع، ودرءٌ لمفسدة هلاك العيال، ولا يدخل البتة في باب أكل أموال الناس بالباطل أو الاعتداء على المال العام، بل هو من باب المقاصة الجبرية واستنقاذ الحقوق المشروعة.
المتكأ الثاني: ارتكاب أخف الضررين واستعمال التورية في اليمين
الأصل في الشريعة تحريم الكذب واليمين الغموس، إلا أن الشريعة مبنية على تحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت مفسدة الكذب مع مصلحة كلية كحفظ النفس والمال (حفظ الأيتام من التضور جوعاً والتشرد)، قُدِّمت المصلحة الكبرى بارتكاب أخف المفسدتين.
نصوت الفقهاء في تقرير هذا الأصل:
قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه الفذ (قواعد الأحكام في مصالح الأنام): "الكذب مفسدة محرمة، فإذا طرأ عليه إنقاذ معصوم، أو مال معصوم... جاز الكذب، بل وجب في بعض الصور دفعاً لأعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما".
وقال الإمام ابن حزم في (المحلى بالآثار): "ومن غُصب ماله أو مال غيره... فله أن يحلف كاذباً، ويُوري، ولا حرج عليه".
المخرج الشرعي (التورية والمعاريض):
خروجاً من إثم اليمين، أباح الشارع لمن اضطر للحلف أن يستعمل (التورية) أو (المعاريض).
حقيقة التورية: أن يُطلق المتكلم لفظاً له معنيان: معنى قريب يتبادر إلى ذهن السامع (وهو غير مراد للمتكلم)، ومعنى بعيد خفي (وهو الذي يقصده المتكلم في نيته ويكون فيه صادقاً).
دليلها: ما أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" عن عمران بن حصين رضي الله عنه، وصح مثله عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: «إنَّ في المَعاريضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» (أي مُتسعاً ومخرجاً شرعياً).
التطبيق الفقهي للنازلة:
عند مطالبة الجهة الإدارية للمرأة بالحلف على أن "مواليد ابنها في عام 2016 غير صحيحة"، فلها أن تُقدم على اليمين مع إضمار التورية في نيتها (قلبها)، كأن تحلف قائلة:
"والله إن هذه المواليد ليست صحيحة"، وتقصد في نيتها (ليست صحيحة بالتقويم الهجري، وإنما هي بالميلادي).
أو تقول: "والله إنه لم يولد في هذا التاريخ"، وتقصد في نيتها (تاريخ اليوم الذي تقف فيه الآن).
أو تقول: "والله إن ابني لم يولد سنة 2016"، وتقصد في نيتها (ابنها الآخر، أو تقصد أن الطفل توفاه الله ولم يعد من مواليد الدنيا).
فبهذه النية، تنعقد اليمين ديانةً (بينها وبين الله) على نيتها الصادقة فلا تأثم، وتقع قضاءً (أمام الموظف) على ما يصحح إجراءات المعاملة وتُدفع به الضرورة.
الخلاصة والضوابط الشرعية للفتوى:
بناءً على ما تقدم تحريره، نُفتي بجواز مضي هذه المرأة المكلومة في إجراءات المعاملة، وجواز حلفها اليمين المطلوبة لاستنقاذ حقوق أسرتها، مع وجوب استعمال التورية في اليمين كما بُيّن.
ويُقيد هذا الجواز بالضوابط الفقهية الآتية:
١. الاقتصار على موضع الحاجة: ألا تتجاوز المرأة في أخذ الأموال قدر استحقاق زوجها وعيالها الثابت شرعاً، فما زاد عن الحق الواجب أخذه حرام لا تُبيحه هذه الضرورة.
٢. صحة القصد: أن يكون القصد والباعث هو استنقاذ الحق ودرء المفسدة عن الأيتام، لا التشوف للاحتيال أو استمراء الكسب غير المشروع.
٣. التورية العقلية: أن تعقد قلبها لحظة الحلف على المعنى الخفي الصادق لتخرج من عهدة الكذب الصريح.
نسأل الله تعالى أن يفرج كربها، وأن يكفل أيتامها، وأن يغنيها بحلاله عن حرامه.
والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.
