تملك بقايا الملصقات الانتخابية وهياكلها
ما الدراسة الواردة في تملك بقايا الدعاية الانتخابية؟
الحكم: يجوز أخذها. العلة: هنا، تغيرت الصفة القانونية والشرعية لهذه المواد. فقد انتقلت من كونها "مملوكة مرغوبة" إلى "متروكة مرغوب عنها". وهذا الانتقال هو مناط تغير الحكم من التحريم إلى الإباحة، وقد استند هذا الانتقال إلى أدلة وقرائن سيتم تفصيلها. المحور الثالث: أدلة الإباحة بعد انتهاء الانتخابات:
الحكم الشرعي في تملك بقايا الملصقات الانتخابية: دراسة فقهية تخصصية
ا.د. محمد طه حمدون السامرائي
كثر السؤال حول نازلة فقهية معاصرة، وهي حكم تملك بقايا الملصقات الانتخابية وهياكلها الحديدية بعد انتهاء العملية الانتخابية.
مع كل دورة انتخابية، تخلف الحملات الدعائية وراءها كميات هائلة من المواد، لا سيما الملصقات الورقية وهياكلها المعدنية، التي تبقى منتشرة في الفضاء العام.
وقد أثارت هذه الظاهرة، التي أصبحت جزءاً من الواقع المعاصر، تساؤلاً ملحاً حول حكم تملك هذه البقايا والانتفاع بها.
وقد احتيج لبيان الحكم الشرعي للمسألة.
و للإجابة عن الأسئلة التالية:سنتاوله في محاور أربعة:
المحور الأول: التكييف الفقهي للمسألة:
إن مفتاح فهم الحكم في هذه النازلة يكمن في تكييفها الفقهي الصحيح، أي إدراجها تحت الباب الفقهي المناسب لها.
وهنا يبرز احتمالان:
أن تكون من باب اللقطة، أو من باب المباحات المتروكة. والفرق بينهما جوهري وأساسي.
اللقطة : هي المال الضائع من صاحبه دون إرادة منه، ونفسه تتبعه وتطلبه.
وحكمها أنها أمانة في يد واجدها، ويجب عليه تعريفها لمدة سنة، فإن لم يأت صاحبها جاز له تملكها مع ضمانها له.
•المتروك : هو المال الذي يتخلى عنه صاحبه طوعاً ورغبة عنه، بنية إسقاط ملكيته عنه.
وحكمه أنه يصبح من المباحات التي يجوز تملكها بالاستيلاء عليها مباشرة بنية التملك، ولا يلزم تعريفها.
•وبالنظر إلى حال الملصقات الانتخابية بعد انتهاء الموسم الانتخابي، نجد أن تكييفها على أنها من المتروكات هو الأصح والأقرب إلى مقاصد الشريعة وواقع الحال، وذلك لمجموعة من القرائن القوية التي سيأتي تفصيلها في المحور الثالث، والتي تنفي عنها صفة "الضياع" وتثبت لها صفة "الترك والإعراض".
المحور الثاني: التفريق الزماني في الحكم وعلته:
بناءً على التكييف السابق، ينظر إلى
أولاً: قبل يوم الاقتراع - الحكم بالتحريم:
الحكم: لا يجوز أخذها.
العلة: في هذه المرحلة، تكون هذه المواد ملكية خاصة محترمة للمرشح، لها قيمتها المالية والمعنوية (الدعائية).
والأصل في الشريعة هو عصمة أموال الناس، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]، ولقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" (متفق عليه).
فأخذها في هذه الفترة يعد من أكل أموال الناس بالباطل، ويقع تحت طائلة قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، حيث يلحق الضرر بالمرشح.
ثانياً: بعد يوم الاقتراع - الحكم بالجواز:
الحكم: يجوز أخذها.
العلة: هنا، تغيرت الصفة القانونية والشرعية لهذه المواد.
فقد انتقلت من كونها "مملوكة مرغوبة" إلى "متروكة مرغوب عنها".
وهذا الانتقال هو مناط تغير الحكم من التحريم إلى الإباحة،
وقد استند هذا الانتقال إلى أدلة وقرائن سيتم تفصيلها.
المحور الثالث: أدلة الإباحة بعد انتهاء الانتخابات:
إن القول بإباحة تملك هذه المواد بعد انتهاء الانتخابات لم يأت من فراغ، بل هو مؤسس على ثلاثة أدلة متضافرة:
الدليل الأول: العرف العملي الصحيح:
فقد جرى العرف بأن صاحبها يزهد فيها ويرغب عنها. والعرف مصدر معتبر من مصادر التشريع، خاصة في المذهبين الحنفي والمالكي، وتستند إليه القاعدة الكلية "العادة محكمة".
والعرف في هذه المسألة هو عرف عملي (سلوك متكرر) صحيح (لا يخالف نصاً شرعياً)، وقد استوفى شروط الاعتبار الفقهي:
١. الاطراد: فهو سلوك مطرد ومتكرر من المرشحين في كل دورة انتخابية.
٢. الغلبة: يشمل غالبية المرشحين إن لم يكن جميعهم.
٣. عدم معارضة التصريح: لم يصرح المرشحون برغبتهم في استردادها.
وهذا العرف المستقر يقوم مقام الإذن الصريح بالترك، وينقل هذه المواد إلى حكم المباحات.
الدليل الثاني: قرينة الإعراض والترك:
وهي قرينة حالية قوية تدل على أن المالك قد أسقط ملكيته عن هذه المواد. وتتكون هذه القرينة من عدة عناصر:
١. انتهاء المنفعة المقصودة: كانت منفعتها هي الدعاية، وقد انتهت بانتهاء الانتخابات.
٢. عبء الإزالة: أصبح بقاؤها عبئاً على المرشح، حيث يطالبه القانون بإزالتها، وفي ذلك كلفة ومشقة.
٣. تركها في الفضاء العام: إن تركها في الشوارع والأماكن العامة لفترات طويلة دون سؤال عنها هو أظهر علامات الإعراض.
وقد أكد العلماء هذا المعنى، في فتاوى متعددة التي فرقت بين ما يُترك نسياناً وما يُترك رغبة عنه، فجعلت الثاني من المباحات التي لا حرج في أخذها .
الدليل الثالث: تحقيق المصلحة العامة ودرء المفسدة:
إن بقاء هذه الملصقات يترتب عليه مفاسد متعددة، منها تشويه المنظر العام للمدن، والإضرار بالبيئة، وإشغال الأماكن العامة. وإزالتها فيه تحقيق لمصلحة عامة راجحة.
والقاعدة الفقهية تقول: "الضرر يزال"، وقاعدة أخرى تقول: "يُتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام".
وفي هذه الحالة، فإن السماح للناس بأخذ هذه المواد يحقق مصلحتين في آن واحد:
مصلحة عامة بإزالة الضرر والمشوهات، ومصلحة خاصة لمن يأخذها وينتفع بها، وكل ذلك دون الإضرار بالمالك الذي تخلى عنها أصلاً.
المحور الرابع: البعد الأخلاقي والورعي في الفتوى:
لا نقف عند حدود بيان الحكم الشرعي من حيث الحل والحرمة، بل إلى أفق أرحب، وهو أفق الكمال الأخلاقي والورع.
فبعد تبيان الجواز، لا بد من التاكيد أن لا يقدم على هذا الفعل أهل الفضل والإحسان والأغنياء من الناس.
وذاك يرسخ مبدأ التكافل الاجتماعي والمروءة، ويميز بين دائرة الجواز الشرعي ودائرة الكمال الأخلاقي. فبينما يجوز للجميع أخذها، فإن الأكمل والأفضل لأهل السعة والغنى أن يترفعوا عن ذلك، ويتركوه لمن هم أحوج إليه من الفقراء والمحتاجين، وفي ذلك تطبيق عملي لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
خاتمةفي ضوء ما سبق، نخلص إلى النتائج التالية:
١. إن بقايا الملصقات الانتخابية تكيَّف فقهياً على أنها ملكية خاصة محترمة قبل انتهاء الانتخابات، ويحرم أخذها.
٢. بعد انتهاء الانتخابات، تنتقل هذه المواد إلى حكم المباحات المتروكة، ويجوز تملكها بالاستيلاء عليها.
٣. إن مناط هذا الانتقال في الحكم هو تغير صفة المال من "مرغوب فيه" إلى "متروك مرغوب عنه"، وهو ما أثبته العرف الصحيح، وقرينة الإعراض القوية، ومقتضيات المصلحة العامة.
٤. إن التفريق بين اللقطة والمتروك أصل فقهي دقيق، وهذه النازلة من تطبيقاته المعاصرة الواضحة.
٥. تكتمل صورة الحكم الشرعي بالبعد الأخلاقي الذي يدعو أهل الفضل والغنى إلى ترك هذا المباح للمحتاجين، تحقيقاً للمروءة والتكافل.
٦. وبهذا التحليل، تتضح لنا دقة الفقه الإسلامي وقدرته على التعامل مع النوازل المعاصرة، مستخدماً أدواته الأصولية والقواعدية لتقديم حلول عملية تحقق العدل والمصلحة، وترتقي بالمجتمع في آن واحد.
والله تعالى هو الهادي للصواب .
