تضمين الأراضي الزراعية وصوره
ما الصور والضوابط الواردة في تضمين الأراضي الزراعية؟
الحكم: بيع الثمر والزرع قبل بدو صلاحه محرم عند جمهور أهل العلم، إلا في حالات استثنائية سنذكرها.
سبب التحريم: أن الثمر قبل بدو صلاحه معرض للآفات والعاهات التي قد تُتلفه، فيكون في بيعه غرر كبير. فقد تأتي آفة من الآفات كالصقيع أو المرض أو الجراد فيفسد الثمر ولا ينضج، فيخسر المشتري ماله.الأدلة:
تضمين الأراضي الزراعية: دراسة فقهية تأصيلية في ضوء الأدلة الشرعية وأقوال الفقهاء
ا.د.محمد طه حمدون السامرائي
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:فإن الشريعة الإسلامية الغراء جاءت بتنظيم شؤون الحياة كافة، ومن ذلك المعاملات المالية التي تقوم عليها حياة الناس ومعايشهم.
ومن المعاملات التي شاعت بين الناس في بلاد العراق والشام وغيرها ما يُعرف بـ"تضمين الأراضي"، وهي معاملة تتضمن صورًا متعددة من التعاقد على الأراضي الزراعية والمحاصيل، بعضها موافق لأحكام الشريعة وبعضها مخالف لها.
وقد رأيت من الأهمية بمكان أن أُفرد هذه المسألة ببحث مستقل، أُبين فيه الصور المباحة والمحرمة من هذه المعاملة، مستندًا في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة المجتهدين من السلف والخلف، راجيًا من الله تعالى أن يكون هذا البحث نافعًا لإخواني المسلمين، وأن يُعينهم على معرفة أحكام دينهم في معاملاتهم المالية.
المبحث الأول: التعريف بتضمين الأراضي وأهميته
المطلب الأول: تعريف التضمين لغة واصطلاحًا:
التضمين في اللغة مأخوذ من الضمان، وهو الالتزام والكفالة.
يقال: ضَمِنَ الشيء ضَمانًا وضَمَنًا، أي: التزم به وكفله.
وفي الاصطلاح الفقهي يُطلق التضمين على معانٍ متعددة، منها: الالتزام بتعويض ما أتلفه المرء من مال الغير،
ومنها: الكفالة والضمان في الديون.
وأما في الاستعمال الشائع بين الناس، فيُراد بـ"تضمين الأرض" دفعها إلى من يتولى زراعتها أو رعاية ما فيها من شجر مقابل عوض معين، سواء كان هذا العوض مبلغًا نقديًا محددًا أو نسبة من المحصول.
المطلب الثاني: أهمية البحث في هذه المسألة:
تكمن أهمية البحث في هذه المسألة في عدة أمور:
أولًا: شيوع هذه المعاملة بين الناس، خاصة في المجتمعات الزراعية، مما يستدعي بيان حكمها الشرعي حتى لا يقع الناس في المحظور.
ثانيًا: اشتمال هذه المعاملة على صور متعددة، بعضها جائز وبعضها محرم، مما يستوجب التفصيل والتمييز بينها.
ثالثًا: ما يترتب على هذه المعاملة من آثار مالية كبيرة قد تؤدي إلى النزاعات والخصومات إذا لم تُضبط بالضوابط الشرعية.
المبحث الثاني: الصور المباحة من تضمين الأراضيإن تضمين الأراضي الزراعية يشتمل على صور متعددة، منها ما هو جائز شرعًا، ومنها ما هو محرم. وفي هذا المبحث نتناول الصور المباحة بالتفصيل، مع بيان أدلتها وأقوال الفقهاء فيها.
المطلب الأول: إجارة الأرض الزراعية بأجرة معلومة
الفرع الأول: صورة المسألة.
الصورة الأولى من الصور المباحة هي تأجير الأرض الزراعية الخالية (التي تُسمى في اصطلاح الفقهاء بالأرض البور أو البيضاء) لمن يريد أن يزرعها أو يغرسها ويعتني بها مدة معينة، قد تكون موسمًا زراعيًا واحدًا أو عدة سنوات، مقابل أجرة محددة معلومة من النقود أو غيرها من الأعيان المثلية، على أن تُعاد الأرض إلى صاحبها بعد انتهاء مدة العقد.
الفرع الثاني: حكم المسألة وأدلته
الحكم: هذه الصورة جائزة بإجماع أهل العلم، وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم.
⏳الأدلة:
أولًا - من الإجماع: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: "أجمع عوامُّ أهل العلم على أن اكتراء الأرض - يعني استئجارها - وقتًا معلومًا: جائز".
وهذا الإجماع منعقد على جواز إجارة الأرض بعوض معلوم، سواء كان نقدًا أو عينًا.ثانيًا - من المعقول: أن الإجارة عقد معاوضة على منفعة معلومة بعوض معلوم، وهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، والإجارة نوع من البيع، فهي بيع المنافع. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، فليس كل من يملك أرضًا يستطيع زراعتها، وليس كل من يريد الزراعة يملك أرضًا، فشُرعت الإجارة لتحقيق مصالح الطرفين.
الفرع الثالث: شروط صحة الإجارةلكي تكون إجارة الأرض صحيحة، يُشترط فيها ما يُشترط في سائر عقود الإجارة، ومن أهم هذه الشروط:
١.تحديد المدة: أن تكون مدة الإجارة معلومة محددة، كسنة أو موسم زراعي، لأن الجهالة في المدة تؤدي إلى النزاع.
٢.تحديد الأجرة: أن تكون الأجرة معلومة محددة، سواء كانت نقودًا أو أعيانًا مثلية كالقمح والشعير، لأن الجهالة في العوض تُفسد العقد.
٣.القدرة على التسليم: أن تكون الأرض قابلة للتسليم والانتفاع بها، فلا تصح إجارة الأرض المغصوبة أو المتنازع عليها.
المطلب الثاني: المزارعة على الأرض الخالية بجزء من المحصول
الفرع الأول: تعريف المزارعةالمزارعة في اصطلاح الفقهاء هي: عقد على الزراعة ببعض ما يخرج من الأرض، نحو الثلث والربع. أو هي: دفع الأرض الخالية إلى من يزرعها ويقوم عليها مدة معينة، مقابل نسبة معلومة مشاعة كالنصف أو الثلث أو الربع من الحَب أو الزرع الذي يخرج منها.
الفرع الثاني: حكم المزارعة وأدلته
الحكم: المزارعة جائزة عند جمهور أهل العلم من المالكية والحنابلة وهو قول عند الشافعية، وذهب الحنفية إلى عدم جوازها إلا للحاجة.
أدلة الجمهور على الجواز:.
أولًا - من السنة: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع".
وهذا نص صريح في جواز المعاملة على الأرض بجزء من الخارج منها.
ثانيًا - من المعقول: أن الحاجة داعية إلى المزارعة، فقد يملك الإنسان أرضًا ولا يستطيع زراعتها لعجزه أو لانشغاله، وقد يكون قادرًا على الزراعة ولا يملك أرضًا، فشُرعت المزارعة لتحقيق مصلحة الطرفين، ولأنها تشبه المضاربة في المال، فكما جازت المضاربة جازت المزارعة.
الفرع الثالث: شروط صحة المزارعة.
اشترط الفقهاء لصحة المزارعة شروطًا، من أهمها:
١. أن يكون الخارج مشتركًا بينهما بنسبة معلومة: كالنصف أو الثلث، ولا يجوز أن يُحدد لأحدهما كمية مقطوعة كألف كيلو، لما في ذلك من الغرر.
٢. .أن تكون النسبة شائعة في جميع المحصول: فلا يجوز أن يُخص أحدهما بمحصول جزء معين من الأرض، لاحتمال أن يُثمر جزء دون آخر.
٣. تحديد المدة: أن تكون مدة المزارعة معلومة، كموسم زراعي أو سنة.
.المطلب الثالث: شراء المحصول بعد بدو صلاحه
الفرع الأول: صورة المسألة
الصورة الثالثة من الصور المباحة هي شراء المحصول الزراعي بعد نضجه وبدو صلاحه بمبلغ نقدي يُدفع حالًا أو مقسطًا أو مؤجلًا إلى موسم الحصاد.
ويجوز للمشتري إبقاء الثمر على الشجر إلى أوان قطفه عادة، إلا إذا اشترط البائع قطعه في الحال.
الفرع الثاني: حكم المسألة وأدلته
الحكم: هذه الصورة جائزة بإجماع أهل العلم، بشرط أن يكون الثمر قد بدا صلاحه.
الأدلة:
أولًا - من السنة: ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع".
فمفهوم الحديث أنه إذا بدا صلاح الثمر جاز بيعه.
ثانيًا - من المعقول: أن الثمر إذا بدا صلاحه أُمنت عليه العاهة غالبًا، فزال الغرر الذي كان مانعًا من البيع قبل ذلك.
الفرع الثالث: معنى بدو الصلاح
بدو الصلاح هو ظهور مبادئ النضج والطيب في الثمر، بحيث يُؤمن عليه من العاهات التي تصيب الزروع. ويختلف بدو الصلاح باختلاف أنواع الثمار:
١. في النخل: يكون بدو الصلاح بالتلون، أي احمرار الثمر أو اصفراره. لحديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو". قيل: وما تزهو؟ قال: "تحمار أو تصفار".•
٢. في العنب: يكون بدو الصلاح بالسواد والحلاوة. لحديث أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود" رواه أبو داود والترمذي.
٣. •في الحب: يكون بدو الصلاح بالاشتداد، أي صلابة الحبة. لحديث أنس رضي الله عنه: "نهى عن بيع الحب حتى يشتد" رواه أبو داود والترمذي.•
المطلب الرابع: المساقاة على الأشجار المثمرة
الفرع الأول: تعريف المساقاة
المساقاة في اصطلاح الفقهاء هي: دفع الشجر المثمر إلى من يقوم بسقيه ورعايته وجميع ما يحتاج إليه من الأعمال، مقابل جزء معلوم له من ثمره. أو هي: معاملة على تعهد شجر بجزء من ثمرته.
وسُميت مساقاة لأن أصل العمل فيها هو السقي، وإن كانت تشمل جميع الأعمال اللازمة للشجر.
الفرع الثاني: حكم المساقاة وأدلته
الحكم: المساقاة جائزة عند جمهور أهل العلم، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وقول أبي يوسف ومحمد من الحنفية.
الأدلة:
أولًا - من السنة: ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها، على أن يعتملوها من أموالهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها".
وهذا نص صريح في مشروعية المساقاة.وفي رواية للبخاري: "عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع".
ثانيًا - من الإجماع: قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني: "المساقاة جائزة في جميع الشجر المثمر. هذا قول الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب، وسالم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور".
ثالثًا - من المعقول: أن المساقاة عقد على العمل في المال ببعض نمائه، فهي كالمضاربة، وقد جازت المضاربة بالإجماع، فكذلك المساقاة.
ولأن الحاجة داعية إليها، فقد يملك الإنسان شجرًا ولا يستطيع القيام عليه، وقد يكون قادرًا على العمل ولا يملك شجرًا، فشُرعت المساقاة لتحقيق مصلحة الطرفين.
الفرع الثالث: شروط صحة المساقاة.
اشترط الفقهاء لصحة المساقاة شروطًا، من أهمها:
١. أن يكون الثمر مشتركًا بين المالك والعامل: وهذا شرط متفق عليه عند جمهور الفقهاء. قال الإمام ابن قدامة: "يُشترط في الثمر الخارج أن يكون مشتركًا بين العامل والمالك، وهو مذهب الجمهور: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية". والدليل على ذلك حديث ابن عمر المتقدم: "بشطر ما يخرج منها".
٢. أن تكون الحصة معلومة: كالنصف أو الثلث أو الربع، ولا يجوز أن تكون مجهولة أو مبهمة، لأن الجهالة تؤدي إلى النزاع.
٣. .أن يكون الاشتراك في الثمر على وجه الشيوع: فلا يجوز أن يُخص أحدهما بثمر شجر معين أو بكمية محددة، لما في ذلك من الغرر.
٤. تحديد المدة: أن تكون مدة المساقاة معلومة، كسنة أو موسم.
.الفرع الرابع: توزيع النفقات في المساقاة.
أما ما يُنفق على الأرض والشجر من تكاليف، كثمن البذر والسماد، وأجرة الحرث والسقي والحصاد، ونحو ذلك، فالأصل فيه أن يُرجع إلى ما يتفق عليه المتعاقدان.
فلهما أن يتفقا على أن تكون التكاليف كلها على صاحب الأرض، أو كلها على العامل، أو يتقاسمانها بينهما بنسبة معينة.
وإذا لم يتم الاتفاق على هذه الأشياء أو بعضها، فالمرجع في ذلك إلى العرف السائد في البلد.
قال الإمام ابن قدامة في المغني: "وأما النفقة على الشجر والزرع، فما كان من مصلحة الشجر كالسقي والتلقيح والحفظ، فعلى العامل، لأن ذلك من عمله. وما كان من مصلحة الأصل كالحفر لغرس الشجر وبناء الحيطان، فعلى المالك، لأن ذلك من مصلحة ملكه".
المبحث الثالث: الصور المحرمة من تضمين الأراضي
بعد أن بيّنا الصور المباحة من تضمين الأراضي، نتناول في هذا المبحث الصور المحرمة، مع بيان أسباب التحريم والأدلة عليه.
المطلب الأول: المزارعة بكمية محددة من المحصول
الفرع الأول: صورة المسألةالصورة الأولى من الصور المحرمة هي دفع الأرض الخالية لمن يزرعها، بشرط أن يكون لأحدهما قدر محدد من محصولها، كألف كيلوغرام مثلًا، أو أن يُشترط لأحدهما محصول جزء معين من الأرض، كالجزء الشرقي أو الغربي، أو محصول أشجار محددة.
الفرع الثاني: حكم المسألة وسبب التحريم
الحكم: هذه الصورة محرمة عند جمهور أهل العلم، لما فيها من الغرر والجهالة.
سبب التحريم: أن هذه المعاملة تشتمل على غرر فاحش، فقد لا تُخرج الأرض القدر المحدد، فلا يحصل الطرف الآخر على شيء، وقد تُخرج أكثر من ذلك بكثير، فيُغبن الطرف الأول. وكذلك إذا خُص أحدهما بمحصول جزء معين من الأرض، فقد يُصيب ذلك الجزء آفة ولا يُصيب الجزء الآخر، فيكون أحدهما غانمًا والآخر غارمًا، وهذا ينافي مقصود الشراكة من اشتراك الطرفين في الربح والخسارة.
الأدلة:
أولًا - من السنة: ما رواه الإمام البخاري عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يُكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم". فهذا نص صريح في النهي عن تخصيص أحد المتعاقدين بمحصول جزء معين من الأرض.
ثانيًا - من المعقول: أن هذه المعاملة تشتمل على غرر كبير، والغرر منهي عنه في الشريعة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر" رواه مسلم.
المطلب الثاني: بيع المحصول قبل وجوده أو لأعوام متعددة
الفرع الأول: صورة المسألةالصورة الثانية من الصور المحرمة هي بيع ثمر ومحصول أرض معينة قبل زراعتها، أو بيع محصول الأرض لأعوام عديدة، وهو ما يُسمى في الفقه ببيع المعاومة أو بيع السنين.
الفرع الثاني: حكم المسألة وسبب التحريم
الحكم: هذه الصورة محرمة بإجماع أهل العلم.
سبب التحريم: أن هذا بيع لمعدوم قد لا يوجد أصلًا، وهذا غرر كبير منهي عنه شرعًا.
فقد تُزرع الأرض وقد لا تُزرع، وقد تُثمر وقد لا تُثمر، وقد تُصيبها آفة فتتلف.
الأدلة:
أولًا - من السنة: ما رواه الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعاومة". والمعاومة هي بيع ثمر الشجرة لعامين أو أكثر.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: "أما النهي عن بيع المعاومة وهو بيع السنين، فمعناه أن يبيع ثمر الشجرة عامين أو ثلاثة أو أكثر، فيُسمى بيع المعاومة وبيع السنين، وهو باطل بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره؛ لهذه الأحاديث، ولأنه بيع غرر؛ لأنه بيع معدوم ومجهول غير مقدور على تسليمه وغير مملوك للعاقد".
ثانيًا - من الإجماع: قال الإمام ابن رشد الحفيد رحمه الله في بداية المجتهد: "فجميع العلماء مطبقون على منع ذلك، لأنه من باب النهي عن بيع ما لم يُخلق".
ثالثًا - من المعقول: قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله: "ولا يجوز بيع المعدوم كالثمرة التي لم تُخلق". لأن بيع المعدوم يشتمل على غرر عظيم، إذ قد لا يوجد أصلًا، وإن وُجد فقد يكون قليلًا أو رديئًا.
المطلب الثالث: بيع المحصول قبل بدو صلاحه
الفرع الأول: صورة المسألة
الصورة الثالثة من الصور المحرمة هي بيع محصول الأرض الزراعية وثمرها قبل نضجه وبدو صلاحه.
الفرع الثاني: حكم المسألة وسبب التحريم
الحكم: بيع الثمر والزرع قبل بدو صلاحه محرم عند جمهور أهل العلم، إلا في حالات استثنائية سنذكرها.
سبب التحريم: أن الثمر قبل بدو صلاحه معرض للآفات والعاهات التي قد تُتلفه، فيكون في بيعه غرر كبير. فقد تأتي آفة من الآفات كالصقيع أو المرض أو الجراد فيفسد الثمر ولا ينضج، فيخسر المشتري ماله.الأدلة:
وهذا نهي صريح عن بيع الثمر قبل نضجه.وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تُباع الثمرة حتى تُشقح".
فقيل: وما تُشقح؟ قال: "تحمارُّ وتصفارُّ ويُؤكل منها" رواه البخاري.
وعن أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد" رواه أبو داود والترمذي.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وكان إذا سُئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهته" رواه البخاري.
ثانيًا - من المعقول: أن الثمر قبل نضجه معرض للتلف والهلاك، فكان في بيعه غرر، والغرر منهي عنه شرعًا.
الفرع الثالث: الاستثناءات من تحريم البيع قبل بدو الصلاح.
يُستثنى من عدم جواز بيع الثمر قبل بدو صلاحه صور ثلاث، يجوز فيها البيع:
الصورة الأولى: البيع بشرط القطع في الحال.
إذا اشترى الثمار والزروع من ينتفع بها على حالها، كمن يريد أن يستفيد من الزرع بجعله مرعى للبهائم، أو أراد الثمرة على حالها بقطعها مباشرة قبل نضجها ليستفيد منها بأحد وجوه الانتفاع من صناعة وغيرها، فهذا جائز بغير خلاف بين أهل العلم.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع؛ لأن المنع إنما كان خوفًا من تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، فإذا شُرط قطعها في الحال أُمن ذلك".
وقال الإمام ابن رشد الحفيد: "فأما بيعها قبل الزهو بشرط القطع فلا خلاف في جوازه".
الصورة الثانية: البيع تبعًا للأصل إذا بيع الثمر تابعًا للشجر، والزرع تابعًا للأرض، جاز ذلك بالإجماع، لأن ما يثبت تبعًا يثبت ما لا يثبت استقلالًا، فيكون الغرر مغتفرًا للتبعية.
جاء في "الشرح الكبير" من كتب الحنابلة: "أن يبيعها مع الأصل، فيجوز بالإجماع".
ويدل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر - أي تُلقح - فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع" متفق عليه.
ويُفهم منه أن من باع نخلًا قبل أن تؤبر فثمرتها للمشتري، مما يدل على جواز بيعها في هذه الصورة.
الصورة الثالثة: البيع لمالك الأصل
إذا بيع الثمر لمالك الشجر، والزرع لمالك الأرض، جاز ذلك، لأنه يجتمع الأصل والثمرة للمشتري، فيصح كما لو اشتراهما معًا.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "نحو أن تكون للبائع ولا يشترطها المبتاع، فيبيعها له بعد ذلك، أو يوصي لرجل بثمرة نخلته، فيبيعها لورثة الموصي، يصح البيع؛ لأنه يجتمع الأصل والثمرة للمشتري، فيصح، كما لو اشتراهما معًا.
ولأنه إذا باعها لمالك الأصل حصل التسليم إلى المشتري على الكمال؛ لكونه مالكًا لأصولها وقرارها، فصح كبيعها مع أصلها".
المبحث الرابع: التوجيهات الشرعية في استغلال الأراضي الزراعية
المطلب الأول: الحث على إعارة الأرض للمحتاجين
إن الشريعة الإسلامية لم تكتف ببيان الأحكام الشرعية للمعاملات المالية، بل حثت على التكافل الاجتماعي والإحسان إلى المحتاجين، ومن ذلك ما ورد من النصوص في حث من يملك أرضًا خصبة لا يستفيد منها على منحها لإخوانه للاستفادة منها وزراعتها، احتسابًا للأجر والمثوبة عند الله تعالى.
الأدلة:
أولًا: ما رواه الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان لرجال فضول أرضين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له فضل أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه".
قال الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: "والمراد بالمنح هنا: الإعارة، أي يُعيرها أخاه ليزرعها بغير عوض، وهذا من باب الإحسان والمعروف".
ثانيًا: ما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت له أرض فإن أن يمنحها أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا".
المطلب الثاني: فضل الزراعة والغرس
حثت الشريعة الإسلامية على الزراعة والغرس، ورتبت على ذلك أجرًا عظيمًا، فما أُكل منه كان صدقة للزارع.
الأدلة:ما رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة".
وفي رواية لمسلم: "ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أُكل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة".
الخاتمةوبعد هذا العرض المفصل لأحكام تضمين الأراضي الزراعية، يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية جاءت بتنظيم دقيق لهذه المعاملات، بما يحقق مصالح العباد ويدرأ عنهم المفاسد. فقد أباحت الصور التي تخلو من الغرر والجهالة، وحرمت الصور التي تشتمل على ذلك.
ومن أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا البحث:
أولًا: أن إجارة الأرض بأجرة معلومة جائزة بإجماع أهل العلم.
ثانيًا: أن المزارعة على الأرض الخالية بجزء من المحصول جائزة عند جمهور أهل العلم، بشرط أن تكون الحصة معلومة مشاعة في جميع المحصول.
ثالثًا: أن المساقاة على الأشجار المثمرة جائزة بإجماع أهل العلم، بشرط أن يكون الثمر مشتركًا بين المالك والعامل بنسبة معلومة.
رابعًا: أن بيع المحصول بعد بدو صلاحه جائز بإجماع أهل العلم.
خامسًا: أن المزارعة بكمية محددة من المحصول، أو بتخصيص أحد المتعاقدين بمحصول جزء معين من الأرض، محرمة لما فيها من الغرر.
سادسًا: أن بيع المحصول قبل وجوده، أو لأعوام متعددة، محرم بإجماع أهل العلم.
سابعًا: أن بيع المحصول قبل بدو صلاحه محرم، إلا في حالات استثنائية ذكرناها.
وختامًا، أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا الفقه في الدين، والعمل بما علمنا، إنه سميع مجيب.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
ملخص بحث: تضمين الأراضي الزراعية
خلاصة البحث لمن لا وقت له للمطالعة
تمهيد
تضمين الأراضي معاملة شائعة بين المزارعين، تشتمل على صور متعددة، بعضها جائز شرعًا وبعضها محرم. وهذا ملخص مركز لأحكامها الشرعية.
أولًا: الصور المباحة (الجائزة شرعًا)
1. إجارة الأرض بأجرة معلومة
الصورة: تأجير الأرض الخالية لمن يزرعها مقابل مبلغ نقدي محدد أو عين معلومة.
الحكم: جائز بإجماع أهل العلم.
الدليل: قال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء الأرض وقتًا معلومًا: جائز".
2. المزارعة بجزء من المحصول
الصورة: دفع الأرض الخالية لمن يزرعها مقابل نسبة معلومة من المحصول (كالنصف أو الثلث).
الحكم: جائز عند جمهور أهل العلم.
الدليل: حديث ابن عمر: "عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" (متفق عليه).
الشرط الأساسي: أن تكون الحصة نسبة مشاعة (نصف، ثلث) وليست كمية محددة (ألف كيلو).
3. شراء المحصول بعد نضجه
الصورة: شراء الثمر أو الزرع بعد بدو صلاحه بمبلغ نقدي حالًا أو مؤجلًا.
الحكم: جائز بإجماع أهل العلم.
الدليل: حديث ابن عمر: "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" (متفق عليه). فمفهومه: إذا بدا صلاحها جاز بيعها.
4. المساقاة على الأشجار المثمرة
الصورة: دفع الأشجار المثمرة (كالنخيل) لمن يسقيها ويرعاها مقابل نسبة من الثمر.
الحكم: جائز بإجماع أهل العلم.
الدليل: حديث ابن عمر: "دفع رسول الله ﷺ إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها، على أن يعتملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها" (متفق عليه).
الشرط الأساسي: أن يكون الثمر مشتركًا بينهما بنسبة معلومة.
ثانيًا: الصور المحرمة (غير الجائزة شرعًا)
1. المزارعة بكمية محددة أو بجزء معين من الأرض
الصورة: دفع الأرض لمن يزرعها بشرط أن يأخذ أحدهما كمية محددة (ألف كيلو)، أو محصول جزء معين (الجزء الشرقي مثلًا).
الحكم: محرم لما فيه من الغرر.
الدليل: حديث رافع بن خديج: "كان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهاهم النبي ﷺ" (رواه البخاري).
السبب: قد لا تخرج الأرض القدر المحدد، أو يصلح جزء دون آخر، فيكون أحدهما غانمًا والآخر غارمًا.
2. بيع المحصول قبل وجوده أو لأعوام متعددة
الصورة: بيع محصول أرض قبل زراعتها، أو بيع محصول الأرض لعدة سنوات (المعاومة).
الحكم: محرم بإجماع أهل العلم.
الدليل: حديث جابر: "نهى رسول الله ﷺ عن المعاومة" (رواه مسلم).
السبب: بيع معدوم قد لا يوجد، وهذا غرر كبير.
قال النووي: "وهو باطل بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره".
3. بيع المحصول قبل نضجه
الصورة: بيع الثمر أو الزرع قبل بدو صلاحه.
الحكم: محرم عند جمهور أهل العلم.
الدليل: حديث ابن عمر: "نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" (متفق عليه).
السبب: الثمر قبل نضجه معرض للآفات، فيكون في بيعه غرر.
الاستثناءات (يجوز فيها البيع قبل بدو الصلاح):
•إذا بيع بشرط القطع في الحال (بإجماع أهل العلم).
•إذا بيع تابعًا للأصل (مع الشجر أو الأرض).
•إذا بيع لمالك الأصل (لمالك الشجر أو الأرض).
ثالثًا: توجيهات شرعية
الحث على إعارة الأرض للمحتاجين
قال النبي ﷺ: "من كانت له فضل أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه" (متفق عليه).
وقال ﷺ: "من كانت له أرض فإن أن يمنحها أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا" (رواه مسلم).
فضل الزراعة والغرس
قال النبي ﷺ: "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة" (متفق عليه).
