رجوع إلى البحوث الفقه وأصوله والنوازل

ميزان الأجور وبوصلة السعي: بين فقه المصلحة وقصد الشريعة

الفقه وأصوله والنوازل٤ دقائق للقراءة٦٦٥ كلمة

إنَّ مدارَ التكليفِ على جلبِ المصالحِ وتكثيرِها، ودرءِ المفاسدِ وتَقليلِها، وما شرع اللهُ الشرائعَ إلا لِحِكَمٍ باهرة، ومقاصدَ في النفوسِ والآفاقِ ظاهرة. فمن رامَ فقهَ الثواب، وطرقَ بصدقٍ صوابَ الباب، فليعلمْ أنَّ الأجرَ ليسَ بمجردِ التعبِ يُنال، بل بموافقةِ الشارعِ في الحالِ والمآل.

أولاً: قاعدة الثواب وعظمة المصلحة

يؤصل الإمام شهاب الدين القرافي (المتوفى: 684هـ) في كتابه الفذ "الفروق" (الفرق الرابع بعد المئة)، ميزان الأجور الربانية، فيقرر أنَّ الأصلَ في الثوابِ أن يتبعَ عِظَمَ المصلحة، فكلما زادَ النفعُ وشاع، زادَ الأجرُ وارتفعَ الارتفاع.

  1. تفاضل الأفعال: فليسَ التصدقُ بالدرهمِ كالدينار، ولا إحياءُ الفاضلِ كالمفضولِ في الاستبشار.
  2. استثناءات التعبد: ومع ذلك، يكسرُ اللهُ هذه القاعدةَ في مواطنَ تعبُّدية، ليختبرَ في النفوسِ معنى العبودية؛ فيفضلُ "الفاتحة" على غيرها من السور، و"تكبيرة الإحرام" على سائرِ الذكر، ويقدمُ "الوتر" على رغيبةِ الفجر، تنبيهاً على أنَّ الفاعلَ المختارَ هو الله، يُفضلُ ما يشاءُ مما براه.

يقول القرافي: "واللهُ تعالى هو الفاعلُ المختار، يُفضِّلُ ما شاءَ على ما شاء، ومَنْ شاءَ على مَنْ شاء، سبحانه وتعالى إليه يرجعُ الأمر".

ثانياً: وهم المشقة وضلال القصد

وفي مقابلِ من يظنُّ أنَّ الثوابَ مرهونٌ بشقاءِ الأبدان، وعنتِ الإنسان، يأتي الإمام أبو إسحاق الشاطبي (المتوفى: 790هـ) في كتابه "الموافقات" (الجزء الثاني)، ليضعَ النقاطَ على الحروفِ في "قصد المشقة".

  1. إنَّ الشريعةَ مبناها على اليُسرِ لا العُسر، وعلى الرِّفقِ لا القهر؛ فمَنْ تعمَّدَ سلوكَ الطريقِ الأشقِّ طلباً لمزيدِ الأجر -مع وجودِ الأيسرِ المأذونِ فيه- فقد خالفَ قصدَ الشارعِ المعتبر، ووقعَ في النهيِ والخور.
  2. موافقة الشارع: فالمقاصدُ لا تصحُّ إلا إذا وافقتْ مُرادَ الكريم، وسلكتْ صراطهُ المستقيم.
  3. المشقة ليست مقصودة لذاتها: فالشارعُ لا يطلبُ من العبدِ تعذيبَ نفسه، بل يطلبُ طاعتهُ وأنسه؛ فكلُّ قصدٍ يخالفُ قصدَ الشارعِ فهو باطل، والعملُ به ناقصٌ أو عاطل.

ثالثاً: الخلاصة

يا باغيَ الأجرِ لا تطلبْ مَشقته، بل اطلبْ من اللهِ مَحبته؛ فكم من يسيرٍ وافقَ السنةَ كان عند اللهِ عظيماً، وكم من عسيرٍ خالفَ المنهجَ عادَ على صاحبهِ وبالاً وخيماً.

إنَّ الفقهَ كلَّ الفقهِ هو "أن تعبدَ اللهَ كما أراد، لا كما أردت"، وأن تزنَ عملكَ بميزانِ الشرعِ الرصين، لا بميزانِ الجهدِ والأنين؛ فربَّ ركعتينِ في جوفِ الليلِ بيُسرٍ وإقبال، خيرٌ من ألفِ ركعةٍ بتكلفٍ واعتلال. . بعض التطبيقات المعاصرة التي تتجلى فيها حكمة القرافي ودقة الشاطبي:

1. في باب العبادات المتعدية (فقه المصلحة)

يظن البعض أنَّ المكوث في المسجد لختم القرآن للمرة العاشرة أفضل مطلقاً من أي عمل آخر، لكن بقاعدة القرافي في "كثرة المصلحة":

التطبيق: إنفاق هذا الوقت والجهد في إطعام جائع، أو كفالة يتيم، أو تعليم جاهل، أو المساهمة في بناء مؤسسة نفعية، قد يكون أعظم أجراً؛ لأن مصلحة التلاوة قاصرة على صاحبها، ومصلحة النفع العام متعدية لغيره. فالثواب هنا يتبع "كثرة المصلحة" في نفع أمة الإسلام.

2. في باب الرخص والسفر (فقه المشقة)

يسافر البعض اليوم في وسائل نقل مريحة (طائرات، قطارات سريعة)، فيرفضون "قصر الصلاة" أو "الفطر في رمضان" ظناً منهم أن الأجر في المشقة، وهنا يُستحضر قول الشاطبي:

التطبيق: إنَّ قصد المشقة مع وجود الرخصة "قصدٌ مناقض" لقصد الشارع. فالله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه. فالتنطع بترك الرخصة طلباً للتعب هو خروج عن مقتضى العبودية، بل الأجر في اتباع الأمر لا في إجهاد المِرفق والخصر.

3. في باب طلب العلم والدعوة (المصلحة الراجحة)

قد ينصرف شاب لطلب دقائق العلم وعويص المسائل التي لا ينبني عليها عمل، ويترك تعلم ما لا يسع المسلم جهله أو ما تحتاجه الأمة في تخصصات الطب والتقنية.

التطبيق: إحياءُ "الأفضل" أفضلُ من إحياء "المفضول". فتعلم ما تسدُّ به ثغراً للأمة اليوم (كمواجهة الإلحاد أو التميز العلمي) قد يفوق في أجره التبحر في نوافل العلم التقليدية، لأن المصلحة في حفظ الدين وعقل الأمة أعظم وأتم.

4. في الإنفاق المالي (تفاضل الأعيان)

قد يندفع الناس لبناء المساجد في حيٍّ فيه عشرة مساجد، ويتركون دعم "مستشفى" أو "مدرسة" أو "تزويج شباب".

التطبيق: رغبة الواقف في بناء مسجد (لأن اسمه سيوضع عليه) قد تشوبها شائبة، بينما مصلحة المسلمين قد تكون في "مركز صحي". وهنا نطبق قاعدة القرافي: "إتباع كثرة المصلحة". فدرهمٌ في حاجةٍ ماسة، خيرٌ من ألفٍ في نافلةٍ مستغنى عنها.

خاتمة وتوجيه

إنَّ فقه "المقاصد" يُعلمنا أنَّ الله لا يُعبد بالعناد، بل بالانقياد؛ فالمؤمن كالغيث، حيثما وقع نفع، يبحث عن "مراد الله منه في تلك اللحظة"، لا عن "هواه في نوع العبادة".

شارك المقالة

Scroll to Top