وكم من لفظٍ أو تركيبٍ حُكم عليه بالفساد، ثم كشف الاستقراء له شاهدًا صحيحًا في كلام الفصحاء، أو لغةً لقبيلةٍ يُحتجّ بكلامها، أو وجهًا معتبرًا من القياس. وفي العربية فرقٌ دقيق بين الخاطئ والجائز والأفصح؛ ومن آفات بعض كتب التصحيح أنها تمحو هذه الفروق، فتجعل ما اختاره المؤلف صوابًا لا صواب غيره، وما عداه خطأً لا وجه له. وقد تنبّه ابن هشام اللخمي إلى هذه الآفة مبكرًا؛ فعاب على الزبيدي أنه «خطّأهم فيما استُعمل فيه وجهان، وللعرب فيه لغتان». ولم يكن ذلك تساهلًا في الفصحى، بل إنصافًا للدليل، وتمييزًا بين تعدُّد الوجوه وفساد الكلام؛ فليس كل وجهٍ مرجوحٍ خطأ، ولا كل استعمالٍ قليلٍ لحنًا.
وعقد ابن جني في الخصائص بابًا سمّاه «اختلاف اللغات وكلها حجة»، وقال فيه: «ليس لك أن تردَّ إحدى اللغتين بصاحبتها»؛ لأن لكل لغةٍ وجهًا من السماع أو القياس. ونقل عن أبي عثمان المازني قوله: «ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب». وهاتان الكلمتان تهدمان كثيرًا من التخطئة المتعجلة التي تجعل المألوف وحده صحيحًا، وما سواه فاسدًا. وفي المعنى نفسه رُوي عن الخليل بن أحمد قوله: «لغة العرب أكثر من أن يُلحَّن فيها متكلم»؛ أي إن سعة وجوه العربية وتعدّد لغاتها قد يجدان لكثيرٍ مما يُستنكر أول وهلة أصلًا أو نظيرًا. وقد لخّص المحقق محمود محمد الطناحي منهجَ العالم المتثبت بقوله: «التخطئة والتصويب لا يُصار إليهما إلا بعد عناء وجهد»؛ فاللغة لا تُلتمس في المعجم وحده، وإنما تُطلب كذلك في كتب التفسير والحديث والفقه والأدب والتاريخ وشروح الشعر، إذ قد يغيب عن كتب اللغة المختصة ما تحفظه سائر كتب التراث.
على أن هذا الإنصاف لا يعني الفوضى؛ فليس كل ما شاع فصيحًا، كما أن ليس كل ما استغربناه خطأً. وإنما الميزان هو الدليل: سماعٌ صحيح، أو قياسٌ مطّرد، أو استعمالٌ موثوق، أو تخريجٌ تقبله أصول العربية. فالتشدد الذي يضيّق الواسع مذموم، والتساهل الذي يسوّي بين الفصيح والملحون مذموم مثله. فرويدًا، أيها المتعجلون في إطلاق الأحكام؛ فالعربية أجلُّ من أن تُحبس في حدود محفوظات فرد، وأوسع من أن تُختزل في ذوق مصحّح. وليكن شعارنا: قُلْ: هذا أفصح أو أشهر، ولا تَقُلْ: هذا خطأ، إلا ببيّنة. فالعربية لا يحرسها التضييق، وإنما يحرسها العلم؛ ومن ضاق محفوظُه اتّسع إنكارُه، ومن اتّسع علمُه ضاق عنده بابُ التلحين.
