فإنَّ من أجلِّ المواضيعِ وأشرفِها، وأعظمِ المسائلِ وأنبلِها، ما يتعلَّقُ بمكانةِ المرأةِ في دينِ الإسلامِ العظيم، ومنزلتِها في شريعةِ الرحمنِ الحكيم. فقد جاءَ الإسلامُ والمرأةُ مهضومةُ الحقوقِ، مكسورةُ الجناحِ، مدفونةٌ وهي حيَّة، أو محتقرةٌ وهي تحيا، فأخرجَها من ظلماتِ الجهلِ إلى نورِ العلمِ، ومن ذُلِّ الهوانِ إلى عزِّ الكرامةِ، ومن قيدِ الاستعبادِ إلى حريةِ التكريمِ والإجلالِ. ولقد كانتِ المرأةُ في الجاهليةِ كالمتاعِ يُورَثُ، والسلعةِ تُباعُ وتُشترى، لا رأيَ لها في زواجٍ، ولا صوتَ لها في طلاقٍ، ولا حقَّ لها في ميراثٍ، ولا نصيبَ لها في كرامةٍ.
بل كانوا يئدونَ البناتِ خشيةَ العارِ، ويدفنونَهنَّ أحياءً فراراً من الشنارِ، حتى صوَّرَ القرآنُ الكريمُ حالَهم في أبلغِ تصويرٍ وأدقِّ تعبيرٍ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
فجاءَ الإسلامُ بنورِه الساطعِ، وهديِه الباهرِ، ليمحوَ هذه الظلماتِ، ويزيلَ تلك الترَّهاتِ، ويقيمَ صرحَ العدالةِ على أسسٍ راسخةٍ، وقواعدَ ثابتةٍ، لا تميِّزُ بين ذكرٍ وأنثى في أصلِ الخلقةِ والكرامةِ، ولا تفرِّقُ بين رجلٍ وامرأةٍ في جوهرِ الإنسانيةِ والمسؤوليةِ. فالكلُّ من آدمَ، وآدمُ من ترابٍ، والكلُّ عبيدُ اللهِ، وأكرمُهم عند اللهِ أتقاهم. وإنَّ الناظرَ في كتابِ اللهِ العزيزِ، والمتأملَ في سنةِ رسولِه الكريمِ، ليجدُ من التكريمِ للمرأةِ، والإجلالِ لشأنِها، والاعترافِ بحقوقِها، ما يبهرُ العقولَ، ويأخذُ بالألبابِ، ويشهدُ للإسلامِ بالسبقِ في هذا المضمارِ، والريادةِ في هذا المجالِ، قبلَ أن تعرفَ البشريةُ ما يُسمَّى اليومَ بحقوقِ المرأةِ بقرونٍ طويلةٍ، وأحقابٍ مديدةٍ. فالمرأةُ في الإسلامِ دُرَّةٌ مكنونةٌ، وجوهرةٌ مصونةٌ، لها من الحقوقِ ما يليقُ بكرامتِها، ومن الواجباتِ ما يناسبُ فطرتَها، ومن المكانةِ ما يتفقُ مع طبيعتِها.
فهي الأمُّ التي الجنةُ تحتَ قدميها، والزوجةُ التي هي سكنٌ ومودةٌ ورحمةٌ، والبنتُ التي هي بابٌ من أبوابِ الجنةِ لمن أحسنَ تربيتَها، والأختُ التي هي شقيقةُ الروحِ ورفيقةُ الدربِ.
وفي هذه الرسالةِ المتواضعةِ، نسعى بإذنِ اللهِ تعالى إلى إماطةِ اللثامِ عن بعضِ جوانبِ هذا التكريمِ العظيمِ، وإبرازِ طرفٍ من هذا الإجلالِ الكريمِ، الذي خصَّ اللهُ به المرأةَ في دينِ الإسلامِ، وشريعةِ خيرِ الأنامِ. راجين من اللهِ العليِّ القديرِ أن يجعلَ عملَنا هذا خالصاً لوجهِه الكريمِ، ونافعاً لعبادِه المؤمنين، وأن يتقبَّلَه منا بقبولٍ حسنٍ، ويباركَ فيه بركةً طيبةً مباركةً، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
المحور الأول: المرأة في مرآة القرآن الكريم. إنَّ القرآنَ الكريمَ، وهو دستورُ المسلمينَ الخالدُ، وكتابُهم المقدَّسُ الذي لا يأتيهِ الباطلُ من بينِ يديهِ ولا من خلفِه، قد أولى المرأةَ عنايةً فائقةً، واهتماماً بالغاً، ورفعَ من شأنِها، وأعلى من قدرِها، في آياتٍ بيِّناتٍ، وسورٍ محكماتٍ، تتلى إلى يومِ القيامةِ، وتُرتَّلُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
أولاً: المساواة في أصل الخلقة والكرامة الإنسانية
لقد قرَّرَ القرآنُ الكريمُ مبدأَ المساواةِ التامةِ بين الرجلِ والمرأةِ في أصلِ الخلقةِ، وجوهرِ الإنسانيةِ، وكرامةِ الآدميةِ. فكلاهما مخلوقٌ من نفسٍ واحدةٍ، وكلاهما من ذريةِ آدمَ وحواءَ، وكلاهما مكرَّمٌ عند اللهِ تعالى. يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في محكمِ التنزيلِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. فهذه الآيةُ الكريمةُ تقرِّرُ أصلاً عظيماً، وهو أنَّ أصلَ البشريةِ واحدٌ، وأنَّ الرجلَ والمرأةَ شقيقانِ، لا فضلَ لأحدِهما على الآخرِ في أصلِ الخلقةِ والنشأةِ.
ويقولُ جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وهذا التكريمُ الإلهيُّ يشملُ بني آدمَ جميعاً، رجالاً ونساءً، دونَ تمييزٍ أو تفريقٍ.
ثانياً: المساواة في التكليف والمسؤولية والجزاء
كما ساوى الإسلامُ بين الرجلِ والمرأةِ في أصلِ الخلقةِ، فقد ساوى بينهما أيضاً في التكليفِ والمسؤوليةِ والجزاءِ. فالمرأةُ مكلَّفةٌ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، وبالصلاةِ والزكاةِ والصيامِ والحجِّ، وسائرِ العباداتِ، كما هو الرجلُ سواءً بسواءٍ.
يقولُ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وهذه الآيةُ الكريمةُ من أروعِ ما يُستدلُّ به على مساواةِ الإسلامِ بين الرجلِ والمرأةِ في التكليفِ والجزاءِ. فقد ذكرَ اللهُ تعالى عشرَ صفاتٍ من صفاتِ الكمالِ الإيمانيِّ، ثمَّ ذكرَ أنَّ من اتصفَ بها من الرجالِ والنساءِ، فإنَّ له عند اللهِ مغفرةً وأجراً عظيماً.
ويقولُ سبحانَه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فهذه الآيةُ تعدُّ كلَّ من عملَ صالحاً، ذكراً كان أو أنثى، بحياةٍ طيبةٍ في الدنيا، وبأحسنِ الجزاءِ في الآخرةِ.
ثالثاً: تخصيص سور وآيات للمرأة
لقد بلغَ من اهتمامِ القرآنِ الكريمِ بالمرأةِ أن خصَّصَ لها سورةً كاملةً باسمِها، وهي سورةُ "النساء"، التي تُعدُّ من أطولِ سورِ القرآنِ، وقد تضمَّنتْ كثيراً من الأحكامِ المتعلقةِ بالمرأةِ والأسرةِ والمجتمعِ. كما أنَّ هناكَ سورةً أخرى باسمِ "المجادلة"، التي نزلتْ في شأنِ امرأةٍ جاءتْ تشتكي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم من زوجِها، فسمعَ اللهُ شكواها من فوقِ سبعِ سماواتٍ، وأنزلَ فيها قرآناً يُتلى. وهناك أيضاً سورةُ "الطلاق"، التي بيَّنتْ أحكامَ الطلاقِ والرجعةِ والعدةِ والنفقةِ، بما يحفظُ للمرأةِ حقوقَها، ويصونُ كرامتَها. بالإضافةِ إلى ذلك، فقد وردَ ذكرُ المرأةِ في كثيرٍ من سورِ القرآنِ وآياتِه، في سياقاتٍ مختلفةٍ، تدلُّ جميعُها على عظيمِ مكانتِها، ورفيعِ منزلتِها في دينِ الإسلامِ.
رابعاً: ضرب الأمثال بالنساء الصالحات
لقد ضربَ اللهُ تعالى في القرآنِ الكريمِ الأمثالَ بالنساء الصالحاتِ، ليكونَ قدوةً للمؤمنينَ والمؤمناتِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ. فقد ضربَ اللهُ مثلاً للذين آمنوا بامرأةِ فرعونَ، التي آمنتْ باللهِ وكفرتْ بزوجِها الطاغيةِ، فقالتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وضربَ مثلاً أيضاً بمريمَ ابنةِ عمرانَ، التي أحصنتْ فرجَها، وصدَّقتْ بكلماتِ ربِّها وكتبِه، وكانتْ من القانتينَ. فقالَ تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.
وهذه الأمثالُ القرآنيةُ تبيِّنُ أنَّ المرأةَ يمكنُ أن تصلَ إلى أعلى درجاتِ الإيمانِ والكمالِ، وأن تكونَ قدوةً للرجالِ والنساءِ على حدٍّ سواءٍ.
المحور الثاني: تاج الأمومة وإكليل الزوجية
لم يكتفِ الإسلامُ بتكريمِ المرأةِ كإنسانٍ، بل كرَّمها أيضاً في أدوارِها المختلفةِ التي تقومُ بها في المجتمعِ، كأمٍّ وزوجةٍ وبنتٍ وأختٍ. فجعلَ لها في كلِّ دورٍ من هذه الأدوارِ مكانةً ساميةً، ومنزلةً رفيعةً، وحقوقاً عظيمةً.
أولاً: الأمومة: جنة تحت الأقدام
لقد رفعَ الإسلامُ من شأنِ الأمومةِ، وأعلى من قدرِ الأمِّ، وجعلَ برَّها من أعظمِ القرباتِ، وطاعتَها من أجلِّ الطاعاتِ. فالأمُّ هي التي حملتْ وأرضعتْ، وربَّتْ وسهرتْ، وتحمَّلتْ المشاقَّ والصعابَ في سبيلِ راحةِ أولادِها وسعادتِهم.
وقد جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسولَ اللهِ، من أحقُّ الناسِ بحسنِ صحابتي؟ قالَ: «أمُّكَ». قالَ: ثمَّ من؟ قالَ: «ثمَّ أمُّكَ». قالَ: ثمَّ من؟ قالَ: «ثمَّ أمُّكَ». قالَ: ثمَّ من؟ قالَ: «ثمَّ أبوكَ». وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ حقَّ الأمِّ أعظمُ من حقِّ الأبِ بثلاثةِ أضعافٍ.
وقد جعلَ الإسلامُ الجنةَ تحتَ أقدامِ الأمهاتِ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الجنةُ تحتَ أقدامِ الأمهاتِ». وهذا تعبيرٌ بليغٌ عن عظيمِ حقِّ الأمِّ، ووجوبِ طاعتِها وبرِّها والإحسانِ إليها.
ثانياً: الزوجية: سكن ومودة ورحمة
كرَّمَ الإسلامُ المرأةَ زوجةً، فجعلَها سكناً لزوجِها، ومودةً ورحمةً له. وجعلَ العلاقةَ بين الزوجينِ قائمةً على المحبةِ والتفاهمِ والاحترامِ المتبادلِ. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. فهذه الآيةُ تبيِّنُ أنَّ الغايةَ من الزواجِ هي السكينةُ النفسيةُ، والمودةُ القلبيةُ، والرحمةُ المتبادلةُ بين الزوجينِ.
وقد أوصى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالنساءِ خيراً، فقالَ في خطبةِ الوداعِ: «استوصوا بالنساءِ خيراً». وقالَ أيضاً: «خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي». وهذا يدلُّ على أنَّ خيرَ الرجالِ هو أحسنُهم معاملةً لزوجتِه.
ثالثاً: البنت: باب من أبواب الجنة
لقد كانَ أهلُ الجاهليةِ يكرهونَ البناتِ، ويتشاءمونَ من ولادتِهنَّ، ويدفنونَهنَّ أحياءً. فجاءَ الإسلامُ ليُبطلَ هذه العادةَ القبيحةَ، ويجعلَ من إكرامِ البناتِ وتربيتِهنَّ سبباً لدخولِ الجنةِ. يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «من كانَ له ثلاثُ بناتٍ فصبَرَ عليهنَّ، وأطعمَهنَّ وسقاهنَّ وكساهنَّ من جِدَتِه، كنَّ له حجاباً من النارِ يومَ القيامةِ». وقالَ أيضاً: «من عالَ جاريتينِ حتى تبلغا، جاءَ يومَ القيامةِ أنا وهو كهاتينِ»، وضمَّ أصابعَه.
وهذه الأحاديثُ تبيِّنُ عظيمَ فضلِ تربيةِ البناتِ، وأنَّها من أعظمِ أسبابِ دخولِ الجنةِ، والنجاةِ من النارِ.
رابعاً: الأخت: شقيقة الروح
كرَّمَ الإسلامُ المرأةَ أختاً، فجعلَها شقيقةَ الروحِ، ورفيقةَ الدربِ، وأوجبَ على أخيها الإحسانَ إليها، ورعايتَها، والقيامَ على شؤونِها. وقد قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «النساءُ شقائقُ الرجالِ». وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ المرأةَ مساويةٌ للرجلِ في الإنسانيةِ والكرامةِ، وأنَّها شريكتُه في الحياةِ، لا تقلُّ عنه شأناً، ولا تنقصُ عنه قدراً.
المحور الثالث: حقوق المرأة في الإسلام
لم يكتفِ الإسلامُ بتكريمِ المرأةِ تكريماً معنوياً وأدبياً، بل منحَها أيضاً حقوقاً ماديةً وقانونيةً واجتماعيةً، تضمنُ لها حياةً كريمةً، وتحفظُ لها مكانتَها في المجتمعِ. وهذه الحقوقُ لم تعرفْها المرأةُ في أيِّ شريعةٍ سابقةٍ، ولا في أيِّ حضارةٍ معاصرةٍ، إلا بعدَ قرونٍ طويلةٍ من بزوغِ فجرِ الإسلامِ.
أولاً: الحق في الحياة والكرامة
أولُ حقٍّ كفلَه الإسلامُ للمرأةِ هو حقُّها في الحياةِ، وحرَّمَ وأدَها وقتلَها، وجعلَ ذلك من أكبرِ الكبائرِ. قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾. وهذا تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ لمن يرتكبُ هذه الجريمةَ الشنعاءَ. كما كفلَ لها حقَّها في الكرامةِ الإنسانيةِ، وحرَّمَ إهانتَها أو احتقارَها أو ظلمَها. وجعلَها شريكةَ الرجلِ في الإنسانيةِ، لا فضلَ لأحدِهما على الآخرِ إلا بالتقوى.
ثانياً: الحق في التعليم والعلم
أوجبَ الإسلامُ على المرأةِ طلبَ العلمِ، كما أوجبَه على الرجلِ. فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ». وكلمةُ "مسلم" هنا تشملُ الرجلَ والمرأةَ على حدٍّ سواءٍ. وقد كانتْ أمهاتُ المؤمنينَ، وزوجاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، من أعلمِ نساءِ زمانِهنَّ. وكانتْ عائشةُ رضي الله عنها من أفقهِ الصحابةِ وأعلمِهم بالحديثِ والتفسيرِ والشعرِ والطبِّ. وقد برزتْ في تاريخِ الإسلامِ نساءٌ عالماتٌ وفقيهاتٌ ومحدِّثاتٌ وشاعراتٌ، كنَّ مناراتِ علمٍ وهدايةٍ، وأسهمنَ في بناءِ الحضارةِ الإسلاميةِ إسهاماً عظيماً.
ثالثاً: الحق في العمل والكسب
أباحَ الإسلامُ للمرأةِ العملَ والكسبَ، ما دامَ ذلك في حدودِ الضوابطِ الشرعيةِ، وبما لا يتعارضُ مع طبيعتِها وأنوثتِها. فلها أن تعملَ طبيبةً أو معلمةً أو مهندسةً أو تاجرةً أو غيرَ ذلك من المهنِ الشريفةِ.
وقد كانتْ خديجةُ رضي الله عنها، زوجةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، تاجرةً ذاتَ مالٍ وشرفٍ، وكانتْ تستأجرُ الرجالَ في مالِها، وتضاربُهم إياهُ بشيءٍ تجعلُه لهم منه.
رابعاً: الحق في الميراث والملكية
أعطى الإسلامُ للمرأةِ حقَّها في الميراثِ، بعدَ أن كانتْ محرومةً منه في الجاهليةِ. فجعلَ لها نصيباً مفروضاً في تركةِ أبيها وزوجِها وابنِها وأخيها، لا يستطيعُ أحدٌ أن يحرمَها منه.
قالَ تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾.
كما أعطاها حقَّ التملُّكِ والتصرُّفِ في مالِها، فلها أن تبيعَ وتشتريَ وتهبَ وتوصيَ، دونَ إذنٍ من أحدٍ، ما دامتْ عاقلةً رشيدةً.
خامساً: الحق في اختيار الزوج
جعلَ الإسلامُ للمرأةِ الحقَّ في اختيارِ زوجِها، فلا يجوزُ لأبيها أو وليِّها أن يجبرَها على الزواجِ بمن لا تريدُ. وقد قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البكرُ حتى تُستأذَنَ». قالوا: يا رسولَ اللهِ، وكيفَ إذنُها؟ قالَ: «أن تسكتَ». وهذا يدلُّ على أنَّ رضا المرأةِ شرطٌ أساسيٌّ في صحةِ عقدِ الزواجِ، وأنَّه لا يجوزُ إكراهُها على من لا ترغبُ فيه.
المحور الرابع: نماذج مشرقة من نساء الإسلام
إنَّ تاريخَ الإسلامِ حافلٌ بنماذجَ مشرقةٍ من النساءِ اللاتي ضربنَ أروعَ الأمثلةِ في الإيمانِ والعلمِ والعملِ والجهادِ والصبرِ والتضحيةِ. وهنَّ قدوةٌ حسنةٌ لنساء اليومِ والغدِ، ونبراسٌ يضيءُ لهنَّ طريقَ المجدِ والعزةِ والكرامةِ.
أولاً: أمهات المؤمنين
على رأسِ هؤلاءِ النساءِ العظيماتِ، تأتي أمهاتُ المؤمنينَ، زوجاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، اللاتي اخترنَ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ، وكنَّ خيرَ عونٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في دعوتِه وجهادِه. خديجةُ بنتُ خويلدٍ رضي الله عنها: أولُ من آمنَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وصدَّقتْه حينَ كذَّبَه الناسُ، وآوتْه حينَ طردَه الناسُ، وواستْه بمالِها حينَ حرمَه الناسُ. وكانتْ له نعمَ الزوجةِ ونعمَ السندِ.
عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصديقِ رضي الله عنها: أحبُّ نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إليه، وأفقهُهنَّ وأعلمُهنَّ. كانتْ مرجعاً للصحابةِ في كثيرٍ من أمورِ الدينِ، وروتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً. أمُّ سلمةَ رضي الله عنها: كانتْ من ذواتِ الرأيِ السديدِ، والحكمةِ البالغةِ. وقد أشارَتْ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَ الحديبيةِ برأيٍ كانَ فيه الخيرُ والبركةُ للمسلمينَ.
ثانياً: الصحابيات الجليلات
لقد كانَ للصحابياتِ الجليلاتِ دورٌ عظيمٌ في نصرةِ الإسلامِ، ونشرِ الدعوةِ، والمشاركةِ في بناءِ المجتمعِ الإسلاميِّ الأولِ.
فاطمةُ الزهراءُ رضي الله عنها: بنتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسيدةُ نساءِ أهلِ الجنةِ. كانتْ أشبهَ الناسِ بأبيها سمتاً وهدياً ودلاً. وكانتْ صابرةً محتسبةً، عابدةً قانتةً.
أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ رضي الله عنها: ذاتُ النطاقينِ، التي أسهمتْ في هجرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وضربتْ أروعَ الأمثلةِ في الشجاعةِ والتضحيةِ. نسيبةُ بنتُ كعبٍ المازنيةُ رضي الله عنها: التي قاتلتْ دونَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَ أحدٍ، حتى أثخنتْها الجراحُ، فقالَ عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لمقامُها اليومَ خيرٌ من مقامِ فلانٍ وفلانٍ».
ثالثاً: العالمات والفقيهات
لم يقتصرْ دورُ المرأةِ في الإسلامِ على البيتِ والأسرةِ، بل تعدَّاه إلى ميدانِ العلمِ والمعرفةِ. فقد برزتْ في تاريخِ الإسلامِ نساءٌ عالماتٌ وفقيهاتٌ ومحدِّثاتٌ، كنَّ مناراتِ علمٍ وهدايةٍ. عمرةُ بنتُ عبدِ الرحمنِ: كانتْ من أعلمِ الناسِ بحديثِ عائشةَ رضي الله عنها، وكانَ الإمامُ الزهريُّ يقولُ: «جالسوا عمرةَ، فإنَّها كانتْ بحراً لا يُنزَفُ». نفيسةُ بنتُ الحسنِ: كانتْ من عابداتِ مصرَ وعالماتِها، وكانَ الإمامُ الشافعيُّ إذا مرضَ يرسلُ إليها رسولاً يقرئُها السلامَ ويسألُها الدعاءَ. فاطمةُ الفهريةُ: التي أسستْ جامعةَ القرويينَ في فاس، وهي أقدمُ جامعةٍ في العالمِ لا تزالُ تعملُ حتى اليومِ. وهذه نماذجُ قليلةٌ من كثيرٍ، تدلُّ على أنَّ الإسلامَ قد فتحَ للمرأةِ أبوابَ المجدِ والعزةِ والكرامةِ، ومكَّنها من أن تكونَ عضواً فاعلاً ومؤثراً في بناءِ المجتمعِ ونهضةِ الأمةِ.
وبعدَ هذه الجولةِ الميمونةِ في رياضِ الإسلامِ الغنَّاءِ، وحدائقِه الفيحاءِ، التي تفوحُ منها عبيرُ التكريمِ للمرأةِ، وأريجُ الإجلالِ لشأنِها، نخلصُ إلى حقائقَ ساطعةٍ، ونتائجَ باهرةٍ، تشهدُ للإسلامِ بالسبقِ والريادةِ في تكريمِ المرأةِ وإعلاءِ شأنِها.
فقد رأينا كيفَ أنَّ القرآنَ الكريمَ قد أولى المرأةَ عنايةً فائقةً، فساوى بينها وبين الرجلِ في أصلِ الخلقةِ والكرامةِ الإنسانيةِ، وفي التكليفِ والمسؤوليةِ والجزاءِ، وخصَّصَ لها سوراً وآياتٍ، وضربَ بها الأمثالَ للمؤمنينَ والمؤمناتِ.
ورأينا كيفَ كرَّمَ الإسلامُ المرأةَ في أدوارِها المختلفةِ، فجعلَ الجنةَ تحتَ أقدامِ الأمهاتِ، وجعلَ الزوجةَ سكناً ومودةً ورحمةً، وجعلَ تربيةَ البناتِ باباً من أبوابِ الجنةِ، وجعلَ المرأةَ شقيقةَ الرجلِ في الإنسانيةِ والكرامةِ.
ورأينا كيفَ منحَ الإسلامُ المرأةَ حقوقاً عظيمةً لم تعرفْها في أيِّ شريعةٍ سابقةٍ، ولا في أيِّ حضارةٍ معاصرةٍ، فأعطاها حقَّها في الحياةِ والكرامةِ، وفي التعليمِ والعلمِ، وفي العملِ والكسبِ، وفي الميراثِ والملكيةِ، وفي اختيارِ الزوجِ.
ورأينا كيفَ ضربتْ نساءُ الإسلامِ أروعَ الأمثلةِ في الإيمانِ والعلمِ والعملِ والجهادِ، فكنَّ قدوةً حسنةً للأجيالِ، ونبراساً يضيءُ طريقَ المجدِ والعزةِ والكرامةِ. إنَّ هذا التكريمَ العظيمَ للمرأةِ في الإسلامِ ليسَ مجردَ شعاراتٍ ترفعُ، أو كلماتٍ تقالُ، بل هو منهجٌ متكاملٌ، ونظامٌ شاملٌ، يحفظُ للمرأةِ كرامتَها، ويصونُ حقوقَها، ويحقِّقُ لها السعادةَ في الدنيا والآخرةِ. وإنَّ على المسلمينَ اليومَ، رجالاً ونساءً، أن يعودوا إلى هذا المنهجِ الربانيِّ، وأن يطبِّقوه في حياتِهم، وأن يعاملوا المرأةَ بما تستحقُّه من إكرامٍ وإجلالٍ، كما أمرَ اللهُ ورسولُه. فالمرأةُ في الإسلامِ دُرَّةٌ مكنونةٌ، وجوهرةٌ مصونةٌ، وتاجٌ على رؤوسِ الرجالِ، وإكليلٌ يزيِّنُ جبينَ المجتمعِ. فلنحافظْ على هذه الدُّرةِ، ولنصنْ هذه الجوهرةَ، ولنكرمْ هذا التاجَ، ولنجلَّ هذا الإكليلَ، كما كرَّمه اللهُ وأجلَّه.
وختاماً، نسألُ اللهَ العليَّ القديرَ أن يهديَ المسلمينَ إلى تطبيقِ شريعتِه في كلِّ شؤونِ حياتِهم، وأن يعيدَ للمرأةِ المسلمةِ مكانتَها اللائقةَ بها في المجتمعِ، وأن يجعلَها قدوةً صالحةً لبناتِ جنسِها في كلِّ مكانٍ وزمانٍ. والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ المرسلينَ، سيدِنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.
