أوّلاً: تحريرُ صورة المسألة وتكييفُها
صورةُ السؤال: دفعُ أصلٍ حيٍّ نامٍ — نحلٍ أو بقرةٍ أو غنمٍ — إلى عاملٍ يتولّى علفَه وتربيتَه ومداراتَه، على أنّ له نصفَ نتاجه ودَرِّه، وتبقى الأصولُ على ملك ربّها.
وهذه الصورةُ ليست مسألةً مُحدَثةً كما قد يُوهِمُ إيرادُها في سياق «النوازل»، بل هي مسألةٌ منصوصةٌ في كتب الأئمّة، مُدارُها على تكييفٍ من أربعةٍ:
- إجارةٌ بأجرٍ مجهول — وهو تكييف المؤلّف.
- مضاربةٌ برأس مالٍ عَرَضٍ — وهو الذي بنى عليه مَخرجَه الثاني.
- مساقاةٌ أو مزارعةٌ في الحيوان قياساً على الشجر والأرض.
- مشاركةٌ بمالٍ من أحدهما وعملٍ من الآخر في النماء المتولّد من العين.
والتكييفُ الرابع هو الصحيح، وعليه تدور نصوصُ الأئمّة، وبه يستقيم الجوابُ. وما عداه تكييفاتٌ قاصرةٌ أوقعت المؤلّفَ فيما سيأتي بيانُه.
ثانياً: ملاحظاتٌ على جواب الكتاب
(١) خللٌ في التعليل: «ليست كالمضاربة إذ لا يوجد رأس مال»
هذه العبارةُ غيرُ دقيقة. فرأسُ المال موجودٌ حِسّاً وهو النحلُ والبقرُ والغنم، وإنّما مَنَاطُ المنع عند من منع: أنّه ليس نقداً، لا أنّه معدوم. والفرق بين «لا رأسَ مالَ» و«رأسُ المال غيرُ نقدٍ» فرقٌ جوهريٌّ لا لفظيٌّ؛ إذ الأوّل يقتضي بطلانَ العقد من أصله، والثاني يُدخِل المسألةَ في خلافٍ معروفٍ محرَّر.
(٢) تناقضٌ بين الجوابين
عَلَّل المؤلّفُ المنعَ في السؤال التاسع والخمسين بأنّه «لا يوجد رأس مال»، ثمّ بنى المخرجَ الثاني في السؤال الستّين على «كون رأس مال المضاربة عروضاً». فهو في الأوّل ينفي وجودَ رأس المال، وفي الثاني يُثبِته عَرَضاً ويُخرِّج عليه الجوازَ. وأحدُ الكلامَين ناقضٌ للآخر، والصوابُ حذفُ التعليل الأوّل وإبقاءُ المدار على جهالة العوض وعدمِه.
(٣) وَهْمٌ في نسبة القول إلى الإمام أحمد
قال المؤلّف: «وهذه الطريقة جوّزها الإمامُ أحمد بناءً على كون رأس مال المضاربة عروضاً، ومنعها الجمهورُ لاشتراطهم كونَ مالها نقوداً». وفي هذه العبارة ثلاثةُ أوهام:
الأوّل: أنّ المنصوصَ عن أحمد في أكثر الروايات المنعُ من المضاربة بالعروض، والجوازُ روايةٌ ثانيةٌ عنه اختارها جماعةٌ من الأصحاب. قال المرداويّ في «الإنصاف» (١٤/١٤): «وعنه، تصحُّ بالعروض... واختاره أبو بكر، وأبو الخطّاب، وابنُ عَبْدُوس في تذكرته، وصاحبُ الفائق، وجزم به في المُنوِّر، وقدّمه في المحرَّر والنظم. قلتُ: وهو الصواب». فالعبارةُ الصحيحة: «جوّزها أصحابُ أحمد على روايةٍ عنه»، لا «جوّزها الإمام أحمد» على الإطلاق.
الثاني: أنّ نسبةَ المنع إلى «الجمهور» مقابلَ أحمد تُوهِم أنّ أحمد مُنفرِدٌ، وليس كذلك؛ فالمنعُ مذهبُ الحنفيّة والمالكيّة والشافعيّة، وهو المذهبُ عند الحنابلة أيضاً كما تقدّم، والجوازُ إنّما هو قولُ ابنِ سِيرينَ ومن وافقه، ورواية في مذهب أحمد.
الثالث — وهو الأدقّ: أنّ المخرجَ المذكور لو صحّ لما أنتج المطلوب؛ فإنّ المضاربة بالعروض إنّما تصحُّ عند المجيزين بشرط تقويمها وقت العقد وجعلِ القيمة رأسَ المال، ثمّ الاتّجارِ بها بيعاً وشراءً، والربحُ حينئذٍ ربحُ تجارةٍ لا نماءُ عين. قال المرداويّ: «فعلى الرواية الثانية، يُجعل رأسُ المال قيمتَها وقتَ العقد... ويرجع كلُّ واحدٍ منهما عند المفارقة بقيمة ماله عند العقد» (الإنصاف ١٤/١٤). وأمّا صورتُنا فليس فيها بيعٌ ولا شراءٌ ولا تقليبُ مالٍ في تجارة، وإنّما فيها إمساكُ العين لأخذ ما يتولّد منها. فالقياسُ على المضاربة بالعروض قياسٌ مع الفارق، وهو خلطٌ بين الكسب والنماء المتولِّد من العين.
ثالثاً: الأصلُ الجامع الذي تُبنى عليه المسألة
حرَّر ابنُ رجبٍ هذا الأصلَ تحريراً بديعاً في قاعدته العشرين: «النماءُ المتولِّد من العين حكمُه حكمُ الجزء، والمتولِّد من الكسب بخلافه على الصحيح»، ثمّ فرّع عليها قولَه: «ومنها: أنّ المشاركة بين اثنين بمالِ أحدهما وعملِ الآخر إن كانت المشاركةُ فيما ينمو من العمل كالرِّبح؛ جاز، كالمضاربة، وكمن دفع دابَّته أو عبدَه إلى من يعمل عليه بجزءٍ من كسبه، فإنّه يجوز على الأصحِّ. وإن كانت المشاركةُ فيما يحدث من عين المال؛ كدَرِّ الحيوان ونسلِه؛ ففيه روايتان» (قواعد ابن رجب، ط ركائز ١/١٦٠).
فهذا هو الميزانُ الذي كان ينبغي أن يُبنى عليه الجواب، لا ميزانُ «وجود رأس المال وعدمِه».
رابعاً: أقوالُ المذاهب بنصوصها
الحنفيّة — المنع
مدارُ منعِهم على ثلاثة أصول:
أنّ الأجرَ بعضُ ما يخرج من عمله، فيكون في معنى قفيز الطحّان المنهيِّ عنه. قال المرغينانيّ: «لأنّه جعل الأجرَ بعضَ ما يخرج من عمله فيصير في معنى قفيز الطحّان» (الهداية ٣/٢٤٠)، ونصَّ في المزارعة على أنّه «استئجارٌ ببعض ما يخرج من عمله... ولأنّ الأجرَ مجهولٌ أو معدوم، وكلُّ ذلك مفسِد» (٤/٣٣٧).
أنّ الألبانَ والأصوافَ والنِّتاجَ أعيانٌ لا منافع، والإجارةُ عقدٌ على المنافع. قال ابنُ نُجَيم: «ولا تجوز إجارةُ الشجر والكَرْم بأجرٍ على أن يكون الثمرُ له، وكذا ألبانُ الغنم وصوفُها» (الأشباه والنظائر ص ٢٣٠).
أنّ المضاربة بالعروض فاسدة. قال السرخسيّ في باب المضاربة بالعروض: «فكونُ المضاربة بالعروض والمكيل فاسدةً من الدقائق» (المبسوط ٢٢/٣٧)، وقال الكاسانيّ: «أن يكون رأسُ المال من الدراهم أو الدنانير عند عامّة العلماء، فلا تجوز المضاربةُ بالعروض» (بدائع الصنائع ٦/٨٢).
وحكمُ العقد عندهم: فسادُه، وللعامل أجرُ مثلِه.
المالكيّة — المنع
القراضُ عندهم لا يصحُّ إلّا بالنقدَين. قال في المدوّنة: «لأنّه لا يُقارَضُ بالعروض» (٣/٦٤٩)، وعدَّ ابنُ رشدٍ الحفيد «القراضَ بالعروض» أوّلَ السبع التي يُردُّ فيها إلى قراض المِثل (بداية المجتهد ٤/٢٧). ومنعُهم الإجارةَ بجزءٍ مجهولٍ مما يخرج جارٍ على أصلهم في الغرر.
وتنبيهٌ مهمّ: ما وقع في «بدائع الصنائع» من قوله: «وعند مالكٍ هذا ليس بشرطٍ وتجوز المضاربةُ بالعروض» — خلافُ المعروف في كتب المذهب المالكيّ نفسِه كما ترى في المدوّنة والمقدّمات والمنتقى وبداية المجتهد. فلا يُعتمَد في نسبة القول إلى مالكٍ إلّا نصُّ أصحابه.
الشافعيّة — المنع
قال الجوينيّ: «فالمعتمدُ الأظهرُ فيها ما رُوي أنّ رسول الله ﷺ نهى عن قفيز الطحّان» (نهاية المطلب ٨/١٩٧). وأصرحُ من ذلك في صورتنا قولُ الرمليّ: «أو نخلاً أو دوابَّ أو مستغلّاتٍ، ويُمسِك رِقابَها لثمارها ونِتاجِها وغلّاتها والفوائدُ بينهما... ففاسدٌ» (فتح الرحمن بشرح زُبَد ابن رسلان ص ٦٦٦)، ونحوُه في روضة الطالبين (٥/١٢٠).
الحنابلة — روايتان، والمذهبُ المنع
وهذا هو المذهبُ الذي فيه تفصيلُ المسألة وتحقيقُها:
رواية المنع (وهي المذهب): قال ابنُ قدامة: «ولو استأجر راعياً لغنمٍ بثلث دَرِّها ونَسْلِها وصوفِها وشعرِها، أو نصفِه، أو جميعِه، لم يجز. نصَّ عليه أحمد في رواية جعفر بن محمد النسائيّ؛ لأنّ الأجرَ غيرُ معلوم، ولا يصلح عوضاً في البيع». ثمّ أورد نظيرَ صورةِ السؤال حرفاً بحرف: «وقال إسماعيل بن سعيد: سألتُ أحمدَ عن الرجل يدفع البقرةَ إلى الرجل على أن يَعْلِفَها ويتحفّظَها، وما ولدت من ولدٍ بينهما. فقال: أكرهُ ذلك» (المغني، ت التركي ٨/١٥–١٦).
ثمّ أورد ابنُ قدامة الاعتراضَ وأجاب عنه جواباً هو لُبُّ المسألة: «فإن قيل: فقد جوَّزتم دفعَ الدابّة إلى من يعمل عليها بنصف رِبحِها. قلنا: إنّما جاز ثَمَّ تشبيهاً بالمضاربة؛ لأنّها عينٌ تُنمَّى بالعمل، فجاز اشتراطُ جزءٍ من النماء، والمساقاةُ كالمضاربة. وفي مسألتنا لا يمكن ذلك؛ لأنّ النماءَ الحاصلَ في الغنم لا يقفُ حصولُه على عمله فيها، فلم يمكن إلحاقُه بذلك» (المغني ٨/١٦).
وعليه جرى متأخّرو المذهب: «ولا يصحُّ أن يرعاها بجزءٍ من نمائها» (دليل الطالب ص ١٦٢)، «أو يرعاها أي الدابّةَ بجزءٍ من نمائها فلا يصحّ» (شرح منتهى الإرادات ٢/٢٤٥)، «للجهالة... بل بجزءٍ منها مدّةً معلومة» (منار السبيل ١/٤٢٢).
رواية الجواز: قال المرداويّ: «وعنه، له دفعُ دابّته أو نَحْلِه لمن يقوم به بجزءٍ من نمائه. اختاره الشيخُ تقيُّ الدين. والمذهبُ، لا؛ لحصول نمائه بغير عملِه»، ثمّ قال في الصورة الصريحة: «لو أخذ ماشيةً ليقوم عليها برَعْيٍ وعَلْفٍ وسَقْيٍ وحَلْبٍ وغيرِ ذلك، بجزءٍ من دَرِّها ونَسْلِها وصوفِها، لم يصحّ على الصحيح من المذهب، نصَّ عليه... وعنه، يصحّ. اختاره ابنُ عَبْدُوس في تذكرته، والشيخُ تقيُّ الدين، وقدّمه في الفائق والرعاية الكبرى» (الإنصاف ١٤/١٣٨). وزاد صاحبُ الفائق توسعةً نافعةً في بابنا: «قلتُ: والنحلُ، والدجاجُ، والحمامُ، ونحوُ ذلك» (نقله عنه المرداويّ، الإنصاف ١٤/١٣٧).
وعبارةُ ابن تيمية بنفسه: «وكذلك يجوز عنده — في أظهر الروايتين — أن يدفع الماشيةَ إلى من يعمل عليها بجزءٍ من دَرِّها ونَسْلِها، ويدفعَ دودَ القَزِّ والوَرَقِ إلى من يُطعِمه ويخدُمه وله جزءٌ من القَزّ» (مجموع الفتاوى ٣٠/١١٤–١١٥).
خامساً: الأدلّةُ ومناقشتُها
حجّةُ المانعين
- جهالةُ العوض وعدمُه: النِّتاجُ معدومٌ وقتَ العقد، مجهولُ القدر والوصف، «ولا يدري أيوجد أم لا، والأصلُ عدمُه» (المغني ٨/١٦).
- أنّ المعقود عليه عينٌ لا منفعة، والإجارةُ لا تَرِدُ على الأعيان (نصُّ ابن نُجَيم المتقدّم).
- حديثُ النهي عن قفيز الطحّان: أخرجه البيهقيّ في السنن الكبرى والدارقطنيّ من حديث أبي سعيدٍ الخدريّ، وأكثرُ طرقه بصيغة «نُهِيَ»، وقد تُكُلِّم في إسناده؛ فالاحتجاجُ به على انفراده لا يَنهض، وإنّما يُعتضَد بالقياس على نهي المخابرة.
- الفرقُ الدقيق لابن قدامة: النماءُ في الماشية يحصل بطبعها لا بعمل العامل، فلا يشبه ربحَ المضاربة ولا ثمرَ المساقاة.
حجّةُ المجيزين
- معاملةُ خيبر: عامل النبيُّ ﷺ أهلَ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ (متّفق عليه)، فثبتت مشروعيّةُ المشاركة بجزءٍ مجهولِ القدر من النماء، وبطل القولُ بأنّ جهالةَ النماء مانعةٌ بإطلاق.
- أنّ العقدَ مشاركةٌ لا إجارة، فلا تُشترط فيه معلوميّةُ الأجرة أصلاً. قال ابن تيمية: «وليست المزارعةُ مؤاجَرةً على عملٍ معيَّنٍ حتى يُشترَط فيها العملُ بالأجرة؛ بل هي من جنس المشاركة: كالمضاربة ونحوها» (مجموع الفتاوى ٣٠/١١٤). وهذا يهدم تعليلَ المؤلّف بـ«الأجرة المجهولة» من أساسه؛ إذ لا أجرةَ هنا حتى تُوصَف بجهالة.
- أنّ المشاركةَ أعدلُ من الإجارة: «فإنّ المزارعة مبناها على العدل: إن حصل شيءٌ فهو لهما، وإن لم يحصل شيءٌ اشتركا في الحرمان. وأمّا الإجارةُ فالمؤجِّرُ يقبض الأجرةَ والمستأجِرُ على خَطَرٍ... فكانت المزارعةُ أبعدَ عن المخاطرة من الإجارة» (المصدر نفسه). وهذا معنًى مقاصديٌّ نفيسٌ يُقلب به الاستدلالُ بالغرر على المانعين.
- الجوابُ عن فرق ابن قدامة: قولُه «النماءُ لا يقف حصولُه على عمله» مبنيٌّ على واقعِ رعيِ الماشية في زمنه. وأمّا الواقعُ المعاصر — ولا سيّما في النحل — فالنماءُ فيه موقوفٌ على عملٍ مؤثِّرٍ حقيقةً: التغذيةُ الصناعيّة، ومكافحةُ الآفات، وتقسيمُ الطوائف، وترحيلُ المناحل، والتلقيحُ الصناعيّ، والبرامجُ العلفيّة والبيطريّة. ومتى تحقّق أنّ العملَ مؤثِّرٌ في النماء زالت العلّةُ، وزال الحكمُ بزوالها؛ إذ العلّةُ تدور مع معلولها وجوداً وعدماً. وهذا هو موضعُ التجديد في المسألة، وهو الذي كان ينبغي أن يكون عمادَ الجواب.
سادساً: الترجيح
الراجحُ — والعلمُ عند الله — جوازُ العقد، تخريجاً على رواية الجواز في مذهب أحمد التي اختارها ابنُ عَبْدُوس وابنُ تيمية وقدّمها صاحبُ الفائق والرعاية الكبرى، ونصَّ الفائقُ على دخول النحل فيها؛ وذلك لقوّة إلحاقِه بالمساقاة والمضاربة جنساً، ولأنّ مبناه على العدل واشتراكِ الطرفين في الغُنم والغُرم، ولأنّ العملَ في زماننا مؤثِّرٌ في النماء تأثيراً ظاهراً لا يُنكَر، ولجريان العرف به في البوادي والأرياف على وجهٍ لا تنازعَ فيه غالباً.
وشروطُ صحّته على هذا التخريج:
- أن يُصاغ العقدُ مشاركةً لا إجارةً؛ فلا يُقال «أجرتُك»، بل «شاركتُك».
- تحديدُ مدّةٍ معلومة تنتهي بانتهائها الشركة.
- وصفُ الأصول وعَدُّها وتقويمُها عند العقد، ضبطاً للمرجوع.
- الحصّةُ شائعةٌ معلومةُ النسبة (نصف، ثلث)، لا مقدَّرةٌ بكمٍّ معيَّن ولا بحيوانٍ بعينه.
- بيانُ من عليه النفقةُ من علفٍ ودواءٍ ومَرْعًى وأدواتٍ في النحل.
- يدُ العامل يدُ أمانةٍ لا يضمن إلّا بتعدٍّ أو تفريط.
- الهلاكُ من رأس المال على ربّه، وليس على العامل ضمانُه.
وعلى قول المانعين — وهو المذهبُ عند الحنابلة ومذهبُ الثلاثة — يفسد العقدُ، ويكون النِّتاجُ كلُّه لربّ الماشية، وللعامل أجرُ مثلِه.
سابعاً: المخارجُ المحرَّرة (تصحيحُ ما ذكره المؤلّف وزيادة)
تنقيحُ المخرج الأوّل عند المؤلّف
قوله: «يُقدَّر النحلُ أو الأغنامُ أو البقرُ لتكون القيمةُ بمثابة رأس المال يدفعها للعامل ولا تبقى له، وبعد تسديد رأس مالها من نتاجها تكون هي ونتاجُها شركةً بينهما، فهنا أخذ حكمَ المضاربة بدايةً وصارت شركةَ أملاكٍ نهايةً» — فيه اضطرابٌ يحتاج إلى تحرير:
إن كان المرادُ أنّ الأصولَ بِيعَت للعامل بثمنٍ في ذمّته يُسدَّد من النتاج، فهذا بيعٌ بثمنٍ مؤجَّل، لا مضاربةٌ؛ والمضاربةُ لا تنعقد ابتداءً ولا انتهاءً في صورةٍ ليس فيها بيعٌ ولا شراءٌ ولا تقليبُ مالٍ.
وإن كان المرادُ أنّ الملكيّة تنتقل تدريجيّاً بقدر ما يُسدَّد، فهذا بيعٌ معلَّقٌ مجهولُ الأجل، يُبطله الجمهور.
و«شركةُ الأملاك» ليست عقداً يُنشأ، وإنّما هي أثرٌ لاشتراك الملك، فلا يصحّ جعلُها غايةَ عقدٍ ابتدائيّ.
المخرج الأمثل: صياغةُ ابن القيّم
وهو أدقُّ ما كُتب في هذا الباب، وقد أورده في سياق المخارج الشرعيّة: «والحيلةُ في جواز المشاركة على البقر والغنم بجزءٍ من دَرِّها ونَسْلِها: أن يستأجره للقيام عليها كذا وكذا سنة — للمدّة التي يتّفقان عليها — بنصف الماشية أو ثلثِها، على حسب ما يُجعَل له من الدَّرِّ والنَّسْل، ويُقِرَّ له بأنّ هذه الماشية بينهما نصفين أو أثلاثاً، فيصير دَرُّها ونَسْلُها بينهما على حسب مِلْكَيهما. فإن خاف ربُّ الماشية أن يدَّعي عليه العاملُ بملك نصفِها حيث أقرَّ له به، فالحيلةُ أن يبيعه ذلك النصفَ بثمنٍ في ذمّته، ثمّ يَسترهِنَه على ذلك الثمن» (إعلام الموقعين، ت مشهور ٥/٤١٩).
وهذا المخرجُ هو بعينه ما نصَّ عليه ابنُ قدامة: «وإن استأجره على رعايتها مدّةً معلومةً، بنصفها أو جزءٍ معلومٍ منها، صحَّ؛ لأنّ العملَ والأجرَ والمدّةَ معلومٌ... ويكون النماءُ الحاصلُ بينهما بحكم الملك، لأنّه ملك الجزءَ المجعولَ له منها في الحال، فيكون له نماؤه، كما لو اشتراه» (المغني ٨/١٦).
وهذه فائدةٌ كبرى فات المؤلّفَ التنبيهُ عليها: أنّ الأجرة تُجعل جزءاً شائعاً من العين نفسِها — لا من نمائها — فيصير العاملُ شريكاً في الرقبة، ويستحقُّ النِّتاجَ واللبنَ والصوفَ والعسلَ بحكم الملك لا بحكم العِوَض. فتتحقّق بذلك الغايةُ الاقتصاديّةُ المقصودة بعينها، من غير خلافٍ بين المذاهب. فالخلافُ في الحقيقة صوريٌّ في نتيجته العمليّة، والمنعُ منعُ صيغةٍ لا منعُ مقصد.
مخارجُ أخرى صحيحة
- الإجارةُ بأجرةٍ معلومةٍ نقداً أو عيناً مستقلّةً عن النتاج، مع هبةٍ غيرِ مشروطةٍ من النتاج إن شاء المالك.
- الجَعالةُ على عملٍ مضبوطٍ بجُعْلٍ معلوم.
- الشركةُ بتقويم الأصول عند العقد وجعلِ قيمتها حصّةَ ربّ المال، وعملِ الآخر حصّتَه، على أن تُقسَم الأعيانُ والنماءُ آخرَ المدّة على النسبة المتّفَقة — وهي صورةُ الشركة الصحيحة عند من أجاز المشاركة بالعروض مقوَّمةً.
- الخيارُ التدريجيّ: بيعُ حصّةٍ شائعةٍ من القطيع بثمنٍ مؤجَّلٍ في الذمّة، موثَّقٍ برهنٍ أو كفالة، مع بقاء العمل على المشتري، ثمّ زيادةُ حصّته بعقود بيعٍ مستقلّةٍ متعاقبة — لا بتعليقٍ في عقدٍ واحد.
ثامناً: تنبيهاتٌ تحريريّةٌ وصياغيّة
- «حليبها» في النحل: صيغةُ السؤال جمعت النحلَ والبقرةَ والأغنام ثمّ قالت «نصف نتاجها وحليبها»، والنحلُ لا حليبَ له؛ فالصوابُ التفصيل: «من دَرٍّ ونَسْلٍ وصوفٍ في الماشية، وعسلٍ وشمعٍ وطوائفَ في النحل». وقد أحسن الحنابلةُ في ضبط ذلك بعبارة جامعة: «بجزءٍ من نمائه كدَرٍّ ونَسْلٍ وصوفٍ وعسلٍ ونحوِه».
- «لأنّها أجرةٌ مجهولة»: أُنِّث الضميرُ ومرجعُه «العقد»؛ والأولى: «لأنّ العِوَضَ مجهول».
- «وليست كالمضاربة إذ لا يوجد رأس مال»: يُستبدَل بها: «ولا تتخرّج على المضاربة؛ لأنّ المضاربة عقدٌ على تقليب المال بالتجارة، والربحُ فيها كسبٌ، وما هنا نماءٌ متولِّدٌ من العين، وحكمُ المتولِّد من العين حكمُ الجزء».
- إغفالُ الخلاف: عُرِضت المسألةُ وكأنّها محلُّ اتّفاق، وهي روايتان في مذهب أحمد، اختار الجوازَ فيها جماعةٌ من محقّقي المذهب. وإخفاءُ الخلاف في كتاب فتاوى نقصٌ منهجيّ، ولا سيّما إذا كان الراجحُ عند المحقّقين هو القولَ المسكوتَ عنه.
- عدمُ ذكر أثرِ الفساد: كان ينبغي بيانُ أنّ من وقع في هذا العقد على قول المانعين لا يبطل عملُه هدراً، بل له أجرُ مثلِه والنِّتاجُ لربّ المال — وهذا هو الذي يحتاجه المستفتي عملاً.
تاسعاً: صياغةُ الجواب المقترَحة
السؤال: دفع نحلاً أو بقرةً أو أغناماً إلى شخصٍ ليتولّى شؤونها علفاً وتربيةً ومداراةً، وله نصفُ نتاجها ودَرِّها، وتبقى الأصولُ لصاحبها. الجواب: هذه المسألةُ محلُّ خلافٍ بين الفقهاء، ومدارُها على أنّ المعقود عليه نماءٌ متولِّدٌ من عينٍ لا كسبٌ حادثٌ بالعمل: فذهب الحنفيّةُ والمالكيّةُ والشافعيّةُ، وهو المذهبُ عند الحنابلة، إلى عدم الصحّة؛ لجهالة العِوَض وعدمِه، ولأنّ النِّتاجَ عينٌ لا منفعةٌ تُستحقّ بالإجارة، ولأنّ نماءَ الماشية لا يقف حصولُه على عمل العامل. وعلى هذا يكون النِّتاجُ كلُّه لربّ المال، وللعامل أجرُ مثلِه. وذهب جماعةٌ من محقّقي الحنابلة — وهي روايةٌ عن أحمد اختارها ابنُ عَبْدُوس وابنُ تيمية، وقدّمها صاحبُ الفائق وألحق بها النحلَ والدجاجَ والحمام — إلى الصحّة؛ لأنّ العقدَ مشاركةٌ لا إجارةٌ فلا تُشترط فيه معلوميّةُ الأجرة، ولأنّه من جنس المساقاة والمزارعة الثابتتَين بمعاملة خيبر، ولأنّ مبناه على العدل واشتراكِ الطرفين في الغُنم والغُرم.
والذي نُفتي به: جوازُه إذا صيغ مشاركةً بمدّةٍ معلومةٍ ونسبةٍ شائعةٍ مع تقويم الأصول وبيانِ من عليه النفقة؛ ولا سيّما في النحل والمشاريع الحيوانيّة المعاصرة التي صار للعمل فيها أثرٌ محقَّقٌ في النماء، فتزول بذلك علّةُ المنع عند من علَّل بها. وأسلمُ الصيغ اتّفاقاً — وبها يُخرَج من الخلاف رأساً — أن تُجعَل حصّةُ العامل جزءاً شائعاً من الأصول نفسِها (ربعاً أو ثلثاً أو نصفاً) أجرةً على قيامه عليها مدّةً معلومة، فيملك ذلك الجزءَ في الحال، ويستحقُّ من النِّتاج واللبن والصوف والعسل بقدر ملكه بحكم المِلك لا بحكم العِوَض؛ فتحصل الغايةُ المقصودةُ بلا خلاف.
اكتمل التعقيبُ. وإن أردتم توسيعَه إلى بحثٍ مستقلٍّ بتخريجٍ موسَّعٍ لحديث قفيز الطحّان، ودراسةِ نظائر المسألة (دودُ القَزِّ، والدجاجُ، والحَمام، والشبكةُ للصيّاد، والدابّةُ للغزو)، وتحريرِ صيغةِ عقدٍ نموذجيّةٍ صالحةٍ للتطبيق في مشاريع الثروة الحيوانيّة — فأشيروا بكلمةٍ واحدة.
