رجوع إلى الفتاوى البيوع والمعاملات المالية

عقد تجهيز البطاطا الصناعية وتوريد المحصول والشرط الجزائي

فتوى٦٧١٢زيارة٠مشاركة
السؤال

المشايخ الكرام

ما حكم الشرع بهذا العقد؟

خلاصة الجواب

رابعاً: الخلاصة والحكم النهائي: بعد دراسة العقد المرفق وتحليله في ضوء ما سبق من قرارات وفتاوى، نخلص إلى أن عقد "الزراعة التعاقدية" المذكور جائز شرعاً، وتترتب عليه آثاره الملزمة للطرفين، وذلك للأسباب التالية: ١.

الجواب المفصَّل

العقد صحيح لا حرج فيه

نعم اقرب لعقد السلم لكن بصورة معاصرة

دراسة شرعية لعقد اتفاق تجهيز بطاطا صناعي

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

بناءً على الطلب المقدم، تم إجراء دراسة شرعية للعقد المرفق بعنوان "عقد اتفاق تجهيز بطاطا صناعي للموسم الربيعي لسنة 2025-2026"، وذلك بهدف بيان تكييفه الفقهي وحكمه الشرعي في ضوء قرارات المجامع الفقهية وفتاوى دور الإفتاء المعتبرة.

أولاً: ملخص العقد وتحليلها لعقد المبرم بين "شركة الغرس الزراعية" (الطرف الأول/المشتري) وأحد المزارعين (الطرف الثاني/البائع) يمكن تلخيص طبيعته في النقاط التالية:

١. تقديم التقاوي: يلتزم الطرف الأول (الشركة) بتجهيز تقاوي البطاطا الصناعية للطرف الثاني (المزارع)، ويتم تحديد سعر هذه التقاوي بمبلغ 2,400,000 دينار عراقي للطن الواحد.

٢. الزراعة والإنتاج: يلتزم الطرف الثاني بزراعة هذه التقاوي في أرضه، متحملاً كافة تكاليف ومسؤوليات العملية الزراعية من إعداد الأرض والري والتسميد والحصاد.

٣. .الالتزام بالتوريد الحصري: يلتزم الطرف الثاني بتوريد كامل محصول البطاطا الناتج من هذه التقاوي حصرياً للطرف الأول.

٤. .تحديد سعر الشراء: يحدد العقد سعر شراء المحصول من المزارع بمبلغ 450,000 دينار عراقي للطن المطابق للمواصفات، مع وجود سعر أقل للمنتج الأقل جودة.

٥. تسديد قيمة التقاوي: يتم تسديد قيمة التقاوي التي استلمها المزارع عن طريق خصمها من قيمة المحصول المورّد للشركة عند بداية الحصاد.

٦. .الشرط الجزائي: في حال ثبوت تصرف المزارع بالمحصول وبيعه لطرف آخر، يلتزم بدفع غرامة قدرها 3,000,000 دينار عراقي عن كل طن من التقاوي المستلمة.

.ثانياً: التكييف الفقهي للعقد (طبيعته الشرعية)

العقد محل الدراسة هو عقد مركب يشتمل على عدة معاملات متداخلة، ويمكن تفكيكه إلى العناصر التالية:

١. عقد بيع آجل (للتقاوي): حيث تبيع الشركة التقاوي للمزارع بثمن مؤجل السداد إلى حين الحصاد.

٢. •عقد سلم (للمحصول): حيث يبيع المزارع محصول البطاطا (وهو موصوف في الذمة) للشركة بثمن معلوم يتم سداده مقدماً (أو جزء منه متمثلاً في قيمة التقاوي).

٣. •شرط جزائي: وهو الغرامة المترتبة على إخلال المزارع بالتزامه بالبيع الحصري.

٤.•هذا النوع من العقود يندرج تحت ما يعرف حديثاً بـ "الزراعة التعاقدية"، وهي صيغة تمويل وإنتاج حديثة تهدف إلى ربط المزارع بالأسواق وتأمين المحاصيل للمصنعين والمشترين الكبار.

ثالثاً: الحكم الشرعي لبنود العقد: للوصول إلى الحكم الشرعي للعقد بمجمله، لا بد من تحليل كل جزء من أجزائه على حدة:

1. حكم شراء المحصول قبل حصاده (بيع السلم)هذا هو جوهر المعاملة، وهو بيع سلعة آجلة (البطاطا) بثمن عاجل (قيمة التقاوي التي سيتم خصمها لاحقاً).

وهذا ما يعرف في الفقه الإسلامي بـ "بيع السلم".

وقد أجازت الشريعة الإسلامية هذا النوع من البيوع للحاجة الماسة إليه، سواء للمزارع الذي يحتاج تمويلاً لزراعته، أو للمشتري الذي يريد تأمين احتياجاته من السلعة.

وقد صدرت قرارات وفتاوى عديدة بجوازه، منها:

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 85 (9/2) الذي نص على أن: "السلع التي يجري فيها عقد السلم تشمل كل ما يجوز بيعه ويمكن ضبط صفاته ويثبت دينًا في الذمة، سواء أكانت من المواد الخام أم المزروعات أم المصنوعات"

[1].•فتوى دار الإفتاء المصرية رقم 8267 التي جاء فيها: "شراء التاجر محاصيل الحبوب... قبل حصادها... هو عبارةٌ عن عقد بيعٍ على موصوفٍ في الذِّمَّةِ بثمن عاجلٍ، وهو ما يعرف بـ"بيع السلم"، وهو جائز شرعًا ولا حرج فيه متى توافرت شروطُه"

[2].•وبالنظر إلى العقد المرفق، نجد أنه قد استوفى الشروط الأساسية لعقد السلم، حيث تم تحديد نوع المحصول (بطاطا صناعية)، وأوصافه (الحجم، نسبة العيوب، اللون...)، وكميته (كامل المحصول الناتج من التقاوي المسلمة)، وسعره، ووقت تسليمه (موسم الحصاد الربيعي).

وعليه، فإن هذه المعاملة من حيث المبدأ جائزة شرعاً وتندرج تحت عقد السلم الصحيح

.2. حكم الشرط الجزائي:

نص العقد على غرامة قدرها 3 ملايين دينار عراقي في حال باع المزارع المحصول لطرف آخر. وهذا ما يسمى بـ "الشرط الجزائي".

وقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذا الموضوع في قراره رقم 109 (12/3) وخلص إلى جواز الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها ديناً [3].

وفي الحالة قيد الدراسة، فإن الالتزام الأصلي على المزارع هو تسليم سلعة (المحصول)، وليس سداد دين مالي.

وبناءً على ذلك، فإن اشتراط جزاء مالي على المزارع لإخلاله بالتزامه بتسليم المحصول للشركة (عبر بيعه لطرف آخر) هو شرط جائز شرعاً من حيث المبدأ، لأنه يهدف إلى ضمان تنفيذ الالتزام الأصلي.

ملاحظة هامة: أشار قرار المجمع الفقهي إلى أنه "يجوز للمحكمة بناء على طلب أحد الطرفين أن تُعدِّل في مقدار التعويض إذا وجدت مبررًا لذلك، أو كان مبالغًا فيه".

وبالنظر إلى أن قيمة الغرامة (3 ملايين دينار) تفوق سعر شراء الطن بأضعاف كثيرة، فقد تعتبر مبالغاً فيها جداً، وهو أمر يخضع لتقدير القضاء عند النزاع.

3. حكم الجمع بين العقود (بيع وسلم)قد يثار إشكال الجمع بين عقدين في عقد واحد (بيع التقاوي، وشراء المحصول).

والنهي الوارد في السنة هو عن "صفقتين في صفقة" التي تؤدي إلى غرر أو جهالة أو ربا.

أما إذا كانت العقود المكونة للعقد المركب جائزة في نفسها، ولا يؤدي اجتماعها إلى محظور شرعي، فإن العقد المركب يكون جائزاً.وفي هذا العقد، فإن عملية بيع التقاوي بثمن آجل، ثم شراء المحصول الناتج عنها بسعر محدد، هي صيغة متكاملة للزراعة التعاقدية لا تؤدي إلى جهالة أو غرر، بل إنها تحقق مصلحة الطرفين وتوضح التزاماتهما بشكل دقيق. وقد أجازت العديد من الهيئات الشرعية صيغ التمويل المركبة المشابهة.

رابعاً: الخلاصة والحكم النهائي:

بعد دراسة العقد المرفق وتحليله في ضوء ما سبق من قرارات وفتاوى، نخلص إلى أن عقد "الزراعة التعاقدية" المذكور جائز شرعاً، وتترتب عليه آثاره الملزمة للطرفين، وذلك للأسباب التالية:

١. انطباق وصف عقد السلم الجائز شرعاً على عملية شراء المحصول قبل حصاده، مع استيفاء شروطه الأساسية من تحديد للمبيع والثمن والأجل.

٢. .جواز الشرط الجزائي المترتب على عدم توريد المحصول للشركة، لأن الالتزام الأصلي هو تسليم سلعة وليس سداد دين.

٣. .عدم وجود محظور شرعي في الجمع بين بيع التقاوي للمزارع وشراء المحصول منه، لأن ذلك لا يؤدي إلى غرر أو ربا، بل يحقق مصلحة المتعاقدين.

٤. .وعليه، فالعقد صحيح وملزم، ويجب على الطرفين الوفاء بما التزما به فيه، عملاً بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].والله تعالى أعلى وأعلم.

المراجع

[1] مجمع الفقه الإسلامي الدولي، "قرار رقم 85 (9/2) بشأن السلم وتطبيقاته المعاصرة"، الدورة التاسعة، 1995.

[2] دار الإفتاء المصرية، "فتوى رقم 8267: حكم التعاقد على شراء المحاصيل من الفلاحين قبل الحصاد"، 13 فبراير 2024.

[3] مجمع الفقه الإسلامي الدولي، "قرار رقم 109 (12/3) بشأن موضوع الشرط الجزائي"، الدورة الثانية عشرة، 2000.

شيخي هذا عقد مركب.

السلم جزء منه.

و ليس سلم خالص.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب البيوع والمعاملات المالية
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top