خصم الديون والتكاليف من زكاة الزروع
ما الدراسة الفقهية الواردة في خصم الدين والتكاليف من محصول الزرع؟
إن مسألة خصم التكاليف والديون من زكاة الزروع هي من مسائل الاجتهاد المعتبرة، ولكل قول دليله ووجاهته. والترجيح المقاصدي الذي يراعي حال المزكي ومقصد الشارع يقتضي التفصيل: الأصل والأحوط للمزارع المقتدر الذي حقق ربحًا من زرعه هو الأخذ بقول الجمهور وعدم خصم التكاليف، إبراءً للذمة وعملًا بالأقوى دليلًا.
مقالة فقهية مقارنة في حكم خصم الدين والتكاليف من الزروع: نظرة مقاصدية
ا.د.محمد طه حمدون السامرائي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:تُعَدُّ الزكاة ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، وأساسًا متينًا يقوم عليه صرح التكافل الاجتماعي في الشريعة الإسلامية. وقد أولاها الشرع الحكيم عناية فائقة، وأحاطها بمنظومة من الأحكام الدقيقة التي توازن بين حق الفقير وحال المالك.
ومن بين الأموال التي تجب فيها الزكاة، تبرز الزروع والثمار كأحد أهم مصادر القوت الأساسية للإنسان، مما يجعل زكاتها ذات أهمية خاصة.ومع ذلك، فقد ثارت في هذا الباب مسائل دقيقة اختلف فيها نظر الفقهاء، ومن أبرزها مسألة خصم التكاليف والنفقات التي يتكبدها المزارع من قيمة المحصول قبل إخراج الزكاة.
فهل يجوز للمزارع أن يخصم ما أنفقه من ماله على البذر والسماد وأجور العمال وتكاليف الري والحصاد؟
وما حكم الديون التي قد تترتب عليه، سواء كانت لغرض الزراعة أم لأغراض أخرى؟
تهدف هذه المقالة إلى بسط القول في هذه المسألة، من خلال عرضٍ فقهي مقارن يستقصي أقوال الصحابة والسلف الصالح، وآراء الفقهاء من المذاهب الأربعة المتبوعة، ويحلل أدلتهم وتعليلاتهم، وصولًا إلى ترجيح مقاصدي يأخذ في الاعتبار حال المزارع المالية، لتقديم رؤية متكاملة تخدم المزارع وتوضح له الحكم الشرعي في هذه المسألة الحيوية.
الأدلة الشرعية العامةقبل الخوض في تفاصيل أقوال الفقهاء، لا بد من استعراض النصوص الشرعية التي تُعَدُّ الأصل في هذه المسألة، والتي دار حولها نظر الفقهاء واستدلالهم.
من القرآن الكريم:قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141].
وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى أوجب إيتاء حق الزرع يوم حصاده، وهذا الحق هو الزكاة.
وقد جاء الأمر مطلقًا بإيتاء الحق من كامل الثمر، ولم يأت في الآية ما يفيد خصم أي تكاليف أو ديون، فدل ذلك على أن الأصل هو وجوب الزكاة في كامل المحصول.
من السنة النبوية المطهرة:عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» (رواه البخاري).
وجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فاضل بين مقدار الزكاة الواجبة بناءً على اختلاف كلفة الري ومؤنته.
فجعل في الزرع الذي يُسقى بغير كلفة (بماء المطر أو الأنهار) العُشر كاملًا، بينما جعل في الزرع الذي يُسقى بكلفة ومشقة (بالنضح واستخراج الماء) نصف العشر.
وهذا التفريق النبوي هو محور استدلال الفقهاء في المسألة.
أقوال الصحابة والسلف الصالحلم تكن هذه المسألة غائبة عن اجتهاد الصحابة والتابعين، بل وردت عنهم آثار مهمة شكّلت أساسًا لاجتهادات المذاهب الفقهية اللاحقة.
ومن أبرز ما ورد:موقف ابن عباس رضي الله عنهما: كان يرى جواز خصم النفقة التي أنفقها الرجل على ثمرته.
فقد روى أبو عبيد في كتاب "الأموال" عن ابن عباس أنه قال في الرجل ينفق على ثمرته: "يرفع النفقة ويزكي ما بقي" .
وهذا الأثر صريح في جواز خصم التكاليف المباشرة للزراعة.
•موقف ابن عمر رضي الله عنهما: كان يرى خصم الدين الذي استدانه الرجل للنفقة على زرعه وأهله.
فقد روى أبو عبيد أيضًا أن ابن عمر قال: "يبدأ بما استدان على الثمرة فيقضيه، ثم يزكي ما بقي" .
وفي رواية أخرى أنه يخصم ما استدان للنفقة على الزرع وعلى أهله أيضًا. وهذا توسع أكبر من قول ابن عباس.
•موقف عطاء بن أبي رباح: وهو من كبار التابعين وفقهاء مكة، كان يرى خصم النفقة. فقد سُئل عن الرجل يزرع، أيحسب نفقته ثم يزكي؟ قال: "نعم" .
موقف محمد بن سيرين: وهو من سادة التابعين، كان يرى أن الديون تمنع الزكاة في الأموال الظاهرة كما تمنعها في الأموال الباطنة
•يتضح من هذه الآثار أن فكرة خصم التكاليف والديون كانت حاضرة ومعمولًا بها عند عدد من الصحابة والتابعين، وهو ما يوضح أن القول بعدم الخصم مطلقًا لم يكن محل إجماع في الصدر الأول.
أقوال الفقهاء في المذاهب الأربعة:
بناءً على تلك الآثار وغيرها من الأدلة، تبلورت آراء المذاهب الفقهية على النحو التالي:
القول الأول: عدم جواز خصم التكاليف والديون مطلقًا:
وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية.
وحجتهم في ذلك أن الشارع الحكيم قد راعى بالفعل مؤونة الزراعة وتكاليفها، وذلك حينما فاضل في مقدار الزكاة الواجبة بين ما سُقي بكلفة وما سُقي بغير كلفة. فاعتبار التكاليف مرة أخرى بخصمها من أصل المحصول يؤدي إلى ازدواج في مراعاة الكلفة، وهو ما لم يأت به الشرع.
القول الثاني: جواز خصم الديون المتعلقة بالزرع خاصة:
وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، واختارها بعض الحنابلة، وهو ما يتوافق مع أثر ابن عباس.
ومفاد هذا القول أنه يجوز للمزارع أن يخصم الديون التي استدانها للنفقة على زرعه تحديدًا، مثل شراء البذور أو الأسمدة أو استئجار الآلات، ثم يزكي الباقي بعد سداد تلك الديون.
القول الثالث: جواز خصم جميع الديون:
وهو قول لبعض الفقهاء، ويتوافق مع ما روي عن ابن عمر، ويرون أن الدين يمنع وجوب الزكاة في جميع الأموال، سواء كانت ظاهرة (كالزروع والمواشي) أو باطنة (كالنقود وعروض التجارة).
فإذا كان على المزارع دين يستغرق النصاب أو ينقصه، فلا زكاة عليه حتى يقضي دينه.
المناقشة والترجيح المقاصدي
بعد استعراض الأقوال وأدلتها، نجد أنفسنا أمام اتجاهين رئيسيين:
اتجاه يرى عدم الخصم مطلقًا (الجمهور)، واتجاه يرى الخصم (سواء للتكاليف أو الديون) وهو قول معتبر مروي عن الصحابة والتابعين وبه أخذ الحنابلة في رواية.
والترجيح في مثل هذه المسائل الاجتهادية ينبغي أن ينطلق من فهم عميق لمقاصد الشريعة وغاياتها الكبرى.
ومن أعظم مقاصد الزكاة أنها عبادة مالية شُرعت لإغناء الفقير ومواساة المحتاج، وأنها تؤخذ من الأغنياء لترد على الفقراء. قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (متفق عليه).
هذا الحديث أصل عظيم في فلسفة الزكاة، فهي حق يتعلق بالغنى.
والمزارع الذي يخرج زرعه قد يكون غنيًا بهذا المحصول، وقد يكون فقيرًا إذا كانت الديون والتكاليف تستغرق كل ما أخرجته الأرض أو معظمه.
من هذا المنطلق المقاصدي، يمكننا التفصيل في الحكم وترجيح قول يتناسب مع حال المزارع المالية، وذلك على النحو التالي:
١. في حال الربح وتحقق الغنى: إذا كان المحصول وفيرًا، وبعد حساب التكاليف والديون يتبقى للمزارع ربح معتبر يجعله في مصاف الأغنياء، فالأولى والأحوط في حقه هو الأخذ بقول الجمهور، فيخرج الزكاة من كامل المحصول دون خصم. وذلك لأن الحكمة من التفريق بين العشر ونصف العشر قد تحققت، والزكاة هنا لا تجحف به، بل هي شكر للنعمة وتطهير للمال.
٢. في حال الخسارة وتراكم الديون: أما إذا كان المزارع قد تكبد تكاليف باهظة، أو ركبته ديون استغرقت المحصول كله أو معظمه، بحيث لم يبق له ما يكفيه لحاجته الأساسية، أو أصبح هو نفسه فقيرًا أو مدينًا، فإن القول بوجوب الزكاة عليه من كامل المحصول دون خصم يناقض مقصد الزكاة الأساسي.
فكيف تؤخذ الزكاة من شخص أصبح هو نفسه في حكم الفقير أو المسكين أو الغارم، الذين هم من مصارف الزكاة؟
.في هذه الحالة، يكون الأليق بمقاصد الشريعة وروحها هو الأخذ بالقول القائل بخصم الديون والتكاليف.
فيقوم المزارع بخصم ما عليه من ديون ونفقات ضرورية للإنتاج، فإن بقي بعد ذلك نصاب، زكاه، وإن لم يبق له شيء أو بقي ما دون النصاب، فلا زكاة عليه. وهذا القول هو الذي يتوافق مع الآثار المروية عن ابن عباس وابن عمر وعطاء، ويحقق العدل والرحمة، ويجعل الزكاة عبادة لا مغرمًا، ويحافظ على مقصدها في أن تكون على الأغنياء لاالفقراء.
الخلاصةإن مسألة خصم التكاليف والديون من زكاة الزروع هي من مسائل الاجتهاد المعتبرة، ولكل قول دليله ووجاهته.
والترجيح المقاصدي الذي يراعي حال المزكي ومقصد الشارع يقتضي التفصيل:
الأصل والأحوط للمزارع المقتدر الذي حقق ربحًا من زرعه هو الأخذ بقول الجمهور وعدم خصم التكاليف، إبراءً للذمة وعملًا بالأقوى دليلًا.
•استثناءً وتيسيرًا، يجوز للمزارع الذي أثقلته الديون وتكاليف الإنتاج حتى أصبح في حال عسر أو خسارة، أن يخصم تلك الديون والتكاليف الضرورية قبل حساب الزكاة، عملًا بالآثار المروية عن السلف، وتحقيقًا لمقصد الشريعة في أن الزكاة على الأغنياء لمواساة الفقراء. فإن كان هو قد أصبح فقيرًا أو غارمًا، فقد سقطت عنه الزكاة، بل ربما استحقها.•والله سبحانه وتعالى أعلم.
