رجوع إلى الفتاوى الاستطاعة والتمويل والنيابة

تمويل حصة المسافر من الدولار مقابل خدمات السفر وفارق الصرف

فتوى٦٠٠٣زيارة٠مشاركة
السؤال

مسافر يريد السفر ليس له مبلغ السفر

أعطيه مبلغ بالعراقي ما قيمته تصريف 3000$بسعر الدولة وهو 132 الف دينار لكل 100$

ثم يعطيني ال3000$

بعد ذلك الصرف وعليّ انا: مصاريف الفندق وتذكرة الطيارة والنقل

هل هذا فيه اشكال شرعي .

كما وردني وشكرا جزيلا مقدما

خلاصة الجواب

الحكم: هذه الصورة بمناصفتها المشاعة لا تخلو من شبهة قوية في الربا أو في أكل المال بالباطل، فينبغي تجنبها. الصورة الثانية:

الجواب المفصَّل

مقالة فقهية في تكييف معاملة تمويل منحة دولار المسافرين والمخارج الشرعية لها

ا. د. محمد طه حمدون السامرائي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن من النوازل المالية المعاصرة التي تشغل بال الباحثين والمفتين في العراق ما يتعلق بمنحة العملة الأجنبية التي تخصصها الدولة للمسافر بسعر تفضيلي مدعوم، وما ينشأ عنها من معاملات تمويلية بين المسافر وأصحاب حملات السفر ومكاتب الصيرفة.

وتحرير الحكم في هذه النازلة يقتضي تفكيكها إلى مسائل، وتكييف كل صورة على حدة.

المسألة الأولى: حكم انتفاع المسافر بفرق سعر الصرف

منحة الدولة للمسافر هي حق مالي ثابت له بمقتضى التعليمات السيادية، وهو في حقيقته تيسير من ولي الأمر رعايةً لحاجة المسافر. فإذا تملّك المسافر هذا القدر من العملة الأجنبية بالسعر الرسمي قبضاً صحيحاً، ثم تصرف فيها بالبيع في السوق بالسعر السائد، فهذا تصرف مشروع في ملكه، إذ الأصل في الأموال الحلّ والإباحة، والأصل في المعاملات الجواز ما لم يرد دليل المنع.

المسألة الثانية: مسألة القبض في عقد الصرف

لما كان شراء الدولار من المصرف عقدَ صرفٍ، فإنه يشترط فيه التقابض في المجلس بنص الحديث الصحيح المتفق عليه، قال النبي ﷺ في الأصناف الربوية:

«فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» (رواه مسلم في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه)

وفي صورة المنحة، يتأخر استلام الدولار مادياً إلى حين السفر، فيقع الإشكال في تحقق شرط التقابض.

والمخرج هنا أن القيد المصرفي والوصل الرسمي يقومان مقام القبض الحقيقي، وهو ما يُعرف عند المعاصرين بـ «القبض الحكمي»، وقد قرّرته المجامع الفقهية المعاصرة، ومنها مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره المتعلق بالقبض، حيث اعتبر القيد المصرفي صورةً من صور القبض المعتبرة شرعاً.

ومستند ذلك أن العرف التجاري المعاصر قد جرى على اعتبار القيد قبضاً، والقاعدة الفقهية المقررة عند الحنفية وغيرهم أن «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً»، وأن «العادة محكّمة» كما نصّت عليه المادة (٣٦) من مجلة الأحكام العدلية.

فإذا انتقل الضمان وتمكّن المشتري من التصرف ولو حكماً، تحقق معنى القبض المعتبر شرعاً.

المسألة الثالثة: تكييف معاملة الممول مع المسافر المعسر

هذه هي لبّ النازلة، وتحريرها يقتضي عرض الصور المختلفة لها وبيان حكم كل صورة.

الصورة الأولى: المناصفة في الربح مقابل تقديم المسافر اسمه واستحقاقه

أن يدفع الممول كامل المبلغ بالدينار، ويقدّم المسافر جوازه واستحقاقه القانوني للمنحة، فيقتسمان فرق الصرف مناصفة أو بنسبة شائعة.

تكييفها الفقهي: لا تستقيم هذه الصورة على وجه من وجوه الشركات الشرعية المعروفة:

• لا تصح مضاربةً، لأن المضاربة تقتضي أن يكون رأس المال من أحد الطرفين والعمل البدني من الآخر، والمسافر هنا لا يبذل عملاً مستمراً ولا يتاجر بالمال، وإنما يقدّم اسمه واستحقاقه فحسب.

• ولا تصح شركة وجوه على المختار عند الجمهور، لأن شركة الوجوه عند من أجازها كالحنفية والحنابلة قائمة على الشراء في الذمة بالنسيئة اعتماداً على الجاه، ثم البيع، ثم اقتسام الربح؛ وفي مسألتنا الشراء فوري بمال حاضر مقدّم من الممول، لا في الذمة.

• وأقرب تكييف لها أنها من باب بيع الجاه وأخذ العوض على الاستحقاق المعنوي، وهذا محل خلاف بين الفقهاء، والراجح عند الجمهور المنع، لأن الجاه ليس بعمل مضبوط ولا عين متقومة تجوز المعاوضة عليها.

ويُضاف إلى ذلك ما يتطرّق إلى المعاملة من شبهة القرض الذي جرّ نفعاً، وهي شبهة قوية؛ إذ ينطبق على دفع الممول للدينار وأخذه الدولار بعد ذلك وصفُ القرض، فإن اشتُرط معه اقتسام الربح، صار قرضاً جرّ منفعةً مشروطة، وقد استقر عند الفقهاء أن «كل قرض جرّ نفعاً مشروطاً فهو ربا»، وهي قاعدة محكمة دلّ عليها قول علي رضي الله عنه: «كل قرض جرّ منفعة فهو ربا» وإن كان موقوفاً، فقد تلقّاه الفقهاء بالقبول وأجمعت على معناه الأمة.

الحكم: هذه الصورة بمناصفتها المشاعة لا تخلو من شبهة قوية في الربا أو في أكل المال بالباطل، فينبغي تجنبها.

الصورة الثانية: الوكالة بأجر معلوم مقطوع

أن يتفق الممول والمسافر على أن يوكّله المسافرُ في إجراء معاملة المنحة، أو يوكّله الممول في السعي والإجراء، على أجرة مقطوعة معلومة (كخمسين أو مئة ألف دينار)، لا نسبة مشاعة من الربح.

تكييفها الفقهي: هذه إجارة على عمل معلوم بأجرة معلومة، وهي من أصح وجوه المعاملة وأبرئها للذمة، لانتفاء الجهالة والغرر، ولانضباط العوض والمعوض. والقاعدة المقررة في الإجارة أنها «بيع المنافع»، وقد دلّ على مشروعيتها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقول النبي ﷺ:

«أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه» (رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما)

الحكم: جائزة بلا إشكال إذا انضبط فيها العمل والأجر.

الصورة الثالثة: المقاصة مع حطّ جزء من أجور الحملة

أن يكون المسافر مرتبطاً بصاحب حملة سفر له عليه أجور مستحقة (نقل، إقامة، خدمات)، فيتفقان على أن يدفع صاحب الحملة الدينارَ للمصرف نيابة عن المسافر، ويستلم الدولار لنفسه، وفي مقابل ذلك يحطّ عن المسافر جزءاً من الأجور المستحقة في ذمته.

تكييفها الفقهي: تجتمع في هذه الصورة عقود متعددة كلّها صحيحة في ذاتها:

أ. عقد إجارة الحملة السابق بين المسافر وصاحب الحملة، وهو عقد صحيح بالاتفاق.

ب. توكيل المسافر لصاحب الحملة في إجراء معاملة الصرف، فيكون الدفع للمصرف من صاحب الحملة بصفته وكيلاً.

ج. تملّك صاحب الحملة للدولار من المسافر بعقد صرف مستوفٍ لشروطه، يقع بسعر يومه مع التقابض الحكمي.

د. الحطيطة والإبراء الجزئي من صاحب الحملة لجزء من الأجور المستحقة في ذمة المسافر، وهو تبرع وإحسان جائز بالاتفاق، والقاعدة فيه: «الإبراء من المجهول جائز» عند الحنفية، ومن المعلوم جائز بالاتفاق.

والقاعدة الفقهية المحكّمة هنا: «المقاصة جائزة إذا اتحد الجنس واستويا قدراً وحلولاً»، فإن اختلف الجنس (كأن يكون أحد الدينين دولاراً والآخر ديناراً) اشترط أن يكون بسعر يومه مع التقابض الحكمي في المجلس، عملاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما المعروف بحديث «اقتضاء الذهب من الورق»، وهو في السنن.

الحكم: هذه الصورة جائزة شرعاً، وهي من أمثل المخارج وأبرئها للذمة، لاشتمالها على عقود مشروعة متضافرة دون شبهة ربا ولا قرض جرّ نفعاً.

الصورة الرابعة: القرض الحسن المنفصل عن أي شرط

أن يقرض الممول المسافرَ مبلغ الدينار قرضاً حسناً، يردّه المسافر بمثله دون زيادة ولا شرط، ثم إن طابت نفس المسافر بعد ذلك بأن يهديه شيئاً من فرق الصرف، كان ذلك من باب حسن القضاء المندوب إليه شرعاً.

شرط الجواز: ألا تكون هناك مواطأة سابقة ولا عرف ملزم بين الطرفين على ردّ القرض بزيادة، لأن المواطأة المسبقة تنقل العقد من القرض الحسن إلى القرض الربوي. والقاعدة هنا: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً»، فإذا جرى العرف بأن مَن أقرض في هذه المعاملة يأخذ نصف الفرق، صار العرف بمنزلة الشرط، وعاد المحظور.

الضوابط المقاصدية اللازمة لصحة المعاملة

ه. حقيقة السفر: يجب أن يكون المسافر مسافراً حقيقةً وقصداً، فإن كانت المعاملة صورية بأن لا سفر في الواقع أصلاً، حرمت من وجوه:

• الكذب وتزوير الأوراق الرسمية.

• مخالفة شرط ولي الأمر في تخصيص المنحة للمسافرين، والقاعدة: «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة» (مجلة الأحكام، م ٥٨).

• الإخلال بمقصد الشارع من المنحة، وهو إعانة المسافر لا التربّح.

و. انتفاء الشرط الربوي: ألا يُشترط في أي صورة من الصور أن يردّ المسافر للممول أكثر مما دفع بعينه ومثله، إلا في إطار عقد إجارة أو مقاصة أو صرف منضبط.

ز. التقابض الحكمي: أن تتم المقاصة والصرف بأسعار يومها مع تحقق القبض الحكمي بالقيود والوصولات المعتمدة، صوناً لعقد الصرف عن ربا النساء.

ح. الخروج من الخلاف: قاعدة «الخروج من الخلاف مستحب» تقتضي اختيار الصور الواضحة كالإجارة بأجر مقطوع أو المقاصة مع الحطيطة، وترك الصور المشتبهة كالمناصفة المشاعة في الربح.

الخلاصة والترجيح

الذي تحرّر لي بعد النظر والتأمل في هذه النازلة:

أن انتفاع المسافر من فرق سعر الصرف جائز شرعاً.

وأن معاملة الممول مع المسافر تختلف باختلاف الصورة:

• صورة المناصفة المشاعة في الربح: لا تجوز لشبهة القرض الذي جرّ نفعاً وعدم انطباق شروط الشركات الشرعية عليها.

• صورة الوكالة بأجر مقطوع معلوم: جائزة بلا إشكال.

• صورة المقاصة مع حطّ جزء من أجور الحملة: جائزة وهي أمثل المخارج للمرتبطين بحملات السفر.

• صورة القرض الحسن المجرّد عن أي مواطأة: جائزة بشرط انتفاء العرف الملزم.

وأنبّه على أن التحايل الصوري بإيقاع المعاملة بصورة مسافر غير حقيقي محرّم قطعاً، لاجتماع الكذب والتزوير ومخالفة ولي الأمر فيما هو لمصلحة عامة.

والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الاستطاعة والتمويل والنيابة
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top