رجوع إلى الفتاوى البيوع والمعاملات المالية

تقسيط مواد البناء بواسطة مكتب ورسالة إلى صاحب المواد

فتوى٥٤٥٣زيارة٠مشاركة
السؤال

دكتور سحبت مواد بناء من مكتب

وصاحب المكتب يبعث رسالة لصاحب سكلة الإسمنت يكتب له المواد اللي راح آخذها ويوجهني لصاحب السكلة حتى أجيب المواد

مع الإتفاق على تحميل المواد بنسبة 20% والدفع آجل ( أقساط )

ويستقطع مبلغ معيَّن كل نهاية شهر

كما وردني صاحب الرسالة يسأل عن مشروعية هذا النوع من المعاملات التجارية

خلاصة الجواب

(النتيجة الفقهية: دخلت مواد البناء في مُلك صاحب المكتب وضمانه، وإن لم يقبضها مادياً، وتحقق شرط جواز البيع عند المالكية). 3. المرحلة الثالثة (عقد المرابحة بالآجل): يُبرم صاحب المكتب عقد البيع النهائي مع العميل، ويبيع له البضاعة التي أصبحت في ملكه، بثمنٍ آجل مقسط (شاملاً الزيادة المتفق عليها). 4.

الجواب المفصَّل

التكييف الفقهي والمخرج المقاصدي لمعاملة التقسيط الثلاثية في ضوء قواعد التيسير

لا شك أن الشريعة الإسلامية تتسم بمرونتها وقدرتها على استيعاب النوازل وتلبية حاجات الناس المعاملاتية، ارتكازاً على مقصدٍ كليٍّ عظيم هو "التيسير ورفع الحرج"، المندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.

وفي باب المعاملات المالية، يبرز مقصد "تسهيل تداول الأموال" و"تنشيط الحركة التجارية" مع الحفاظ على التوازن والعدل بمنع أكل أموال الناس بالباطل (الربا والغرر).

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى التخريج الفقهي المنضبط لمعاملات الأسواق المعاصرة، ومنها "المعاملة الثلاثية في بيع مواد البناء بالتقسيط"، وذلك بالتوفيق بين صرامة القواعد عند الجمهور، وسعة المخارج عند المالكية.

المحور الأول: المنع والتحريم على أصل مذهب الجمهور (رعاية مقصد سد الذرائع)

فهذه المعاملة بصورتها الابتدائية الشائعة في الأسواق (حيث يقوم المشتري بالاتفاق مع صاحب المكتب على شراء مواد من جهة ثالثة بزيادة في الثمن، فيدفع صاحب المكتب الثمن للجهة الثالثة ويسجل البضاعة ديناً بزيادة على المشتري) هي معاملةٌ باطلةٌ شرعاً عند جماهير الفقهاء، وتكييفها الفقهي ينصب في إشكاليات كثيرة

مآخذ المنع أصولياً وفقهياً:

1. بيع ما لا يملك (انعدام الملك):

الأصل في العقود أن ورودها على محل غير مملوك للعاقد يورث البطلان؛ لحديث حكيم بن حزام الثابت: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».

وصاحب المكتب في هذه الصورة يبرم عقد البيع مع العميل قبل أن يعقد صفقة الشراء مع صاحب "السكلة".

2. انتفاء القبض والضمان (الربح بما لم يضمن):

اشترط الجمهور (الشافعية والحنفية والحنابلة في رواية) لجواز بيع المنقولات أن تُقبض ويُستوفى حقها وتدخل في ضمان البائع الأول قبل بيعها للثاني. لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قال ابن عباس: "وَلا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلا مِثْلَهُ".

وبما أن صاحب المكتب لم يقبض البضاعة، ولم تدخل في ضمانه، فربحه هنا باطل لقوله ﷺ: «وَلا رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ».

3. موقف دور الإفتاء والمجامع: استقر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي (رقم 40 و 41)، ومعايير هيئة المحاسبة والمراجعة (AAOIFI) في (المرابحة للآمر بالشراء)، على منع إبرام عقد البيع للمشتري النهائي قبل تملك المؤسسة/الممول للسلعة وقبضها المعتبر شرعاً.

المحور الثاني: المخرج الشرعي على مذهب المالكية ومن وافقهم (رعاية مقصد التيسير)

لما كانت التجارة المعاصرة، سيما في البضائع الثقيلة كمواد البناء، يشق فيها النقل المادي المزدوج وتتضاعف فيه الكلف، اتجه النظر الفقهي المقاصدي إلى إعمال مذهب السادة المالكية، الذي يضيق من دائرة اشتراط القبض، موسعاً دائرة التيسير ورفع الحرج، وهو تخريجٌ قويٌ ومُعتمَد يصحح هذه المعاملة.

التأصيل الفقهي للمخرج:

يُفرّق السادة المالكية تفريقاً دقيقاً بين "انعدام الملك" و"انعدام القبض":

أما الملك: فلا يجوز عندهم بيع السلعة قبل تملكها مطلقاً.

وأما القبض: فقد قصر المالكية النهي النبوي عن بيع ما لم يقبض على "طعام المعاوضة" (أي الطعام المشترى).

أما غير الطعام (كالعروض، والحيوان، والعقار، ومواد البناء) فيجوز بيعها قبل قبضها، بمجرد دخولها في مِلك البائع.

قال الإمام خليل في مختصره: "(وَمُنِعَ) بَيْعُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ... قَبْلَ قَبْضِهِ". وقال الدسوقي في حاشيته موضحاً المفهوم المخالف: "مَفْهُومُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ".

توجيه الوكالة في الإقباض:

لاستكمال صحة العقد، لا بد من تسليم البضاعة للمشتري النهائي.

وهنا يُصار إلى تخريج "الوكالة في الإقباض والتسليم"، حيث يجوز لصاحب المكتب (بعد أن يتملك السلعة) أن يُوكِّل البائع الأول (صاحب السكلة) في تسليم البضاعة للمشتري النهائي، وهو ما يحقق الغرض دون تكلف النقل.

المحور الثالث: الصياغة العقدية للمعاملة (الهندسة المالية الجائزة)

لتطبيق هذا المخرج المقاصدي والمالكي، وضبط المعاملة لتخرج من حيز الربا إلى حيز البيع الصحيح، يجب مراعاة "الترتيب الزمني والموضوعي" لانعقاد العقود وفق التسلسل الآتي:

1. المرحلة الأولى (المواعدة والطلب): يتقدم العميل بطلب شراء مواد معينة من صاحب المكتب، ويتواعدان على الشراء والبيع بالتقسيط. (وهذا الوعد غير ناقل للملكية، ولا تترتب عليه آثار البيع).

2. المرحلة الثانية (دخول السلعة في ملك الممول):

يبرم صاحب المكتب عقد شراءٍ (حقيقيٍّ، باتٍّ) مع صاحب السكلة، ويدفع له الثمن المعجل (أو يسجله في ذمته).

(النتيجة الفقهية: دخلت مواد البناء في مُلك صاحب المكتب وضمانه، وإن لم يقبضها مادياً، وتحقق شرط جواز البيع عند المالكية).

3. المرحلة الثالثة (عقد المرابحة بالآجل): يُبرم صاحب المكتب عقد البيع النهائي مع العميل، ويبيع له البضاعة التي أصبحت في ملكه، بثمنٍ آجل مقسط (شاملاً الزيادة المتفق عليها).

4. المرحلة الرابعة (التسليم بالوكالة): يُصدر صاحب المكتب أمراً (أو مستنداً أو رسالة) لصاحب السكلة، يوكله فيه بتسليم البضاعة (التي اشتراها منه سابقاً) إلى المشتري الجديد.

و أخيرا

إن إعمال مذهب المالكية في النوازل التجارية المعاصرة، كمسألة بيع العروض ومواد البناء قبل قبضها المادي والاكتفاء بتملكها، هو من أبهى صور الفقه المقاصدي الذي يرفع الحرج والمشقة عن التُّجار والمتبايعين، ويحقق انسيابية التجارة (مراعاة المآلات)، مع الالتزام التام بالضوابط الشرعية المانعة من الربا وبيع المعدوم. فمتى ما ضُبطت توالي العقود (الشراء للمكتب أولاً، ثم البيع للعميل ثانياً، ثم التوكيل بالتسليم)، كانت المعاملة صحيحةً شرعاً، لا شائبة فيها.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب البيوع والمعاملات المالية
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top