بيع العربون
ما بيع العربون، وما الحكم الذي خلص إليه النص والتعقيب؟
بيع العربون معناه وحكمه:
بيع العربون: هو أن يشتري إنسان سلعة فيشترط البائع على المشتري أن يدفع جزءاً من الثمن كعربون أو مقدم، على أنه إن أخذ السلعة احتسب العربون من الثمن، وإن لم يأخذها فهي للبائع، وهذا النوع موجود ومنتشر في كثير من أنواع البيوع كالسيارات والعقارات والأراضي ونحوها، وأما عن تكييفه الفقهي فقد اختلف فيه الفقهاء على أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وإحدى الروايتين عن أحمد، ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن، إلى المنع منه وتحريمه، فلا يجوز للبائع أخذ العربون، وعليه رده للمشتري، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾، وأخذ العربون من أكل أموال الناس بالباطل، ولأنه من باب بيع القمار، والغرر، والمخاطرة، وأكل المال بالباطل، بغير عوض ولا هبة، ولما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان" والعربان بضم العين هو العربون.
قال الشوكاني في نيل الأوطار في بيان علة تحريم العربون: "وَالْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ اشْتِمَالُهُ عَلَى شَرْطَيْنِ فَاسِدَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: شَرْطُ كَوْنِ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ يَكُونُ مَجَّانًا إنْ اخْتَارَ تَرْكَ السِّلْعَةِ. وَالثَّانِي: شَرْطُ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ إذَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ الرِّضَا بِالْبَيْعِ" اهـ، وأضافَ الشَّوكاني أنه إذا دار الأمر بين الحظر والإباحة ترجَّح الحظر.
القول الثاني: ذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم إلى الجواز، إن اتفقا على ذلك، بأن يقول المشتري: إن أخذت المبيع وجئت بالباقي وقت كذا وإلا فهو لك، فإن اتفقا على شيء، أو جرى العرف بين البائع والمشتري على أمر ما في شأن هذا العربون أو المقدم عند رجوع المشتري في صفقته رجعا إليه، وكان ما اتفقا عليه وتراضيا هو الفاصل بينهما، وكذا العرف الجاري، وهذا القول قد قال به بعـض الـصحابة والتـابعين، مـنهم عمـر بـن الخطـاب وابنـه عبـد الله، واختيار لجنة الإفتاء الأردنية؛ لما رواه الإمام البخاري تعليقًا، قال: "اشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بأربعمائة إن رضيها أخذها، وإن كرهها أعطى نافعٌ صفوانَ بن أمية أربع مائة، وقد أخذ أحمد بظاهر هذه الرواية وقال: "لا بأس ببيع العربون لأن عمر فعله"، وقد ضعَّف الإمام أحمد الحديث الذي احتج به الجمهور على المنع، وقال: "ليس هذا من باب أكل أموال الناس بالباطل، بل هو عوض عن حرمان صاحب السلعة عن فرص بيعها لشخص آخر قد يأتي، وربما باعها بسعر أفضل، وإنما حبسه التزامه للمشتري".
جاء في فتوى مجلس الإفتاء الأردنية: "المختارُ عندنا جَوازُ بَيْعِ العُرْبونِ، وأنَّ العُرْبونَ الَّذي يَدفَعُه المشْتري يكونُ جُزءًا مِن الثَّمنِ إنْ أمْضى البيعَ، وإلَّا فهو للبائعِ إنْ عدَلَ المشْتري عن الشِّراءِ، شَريطةَ أنْ يُحدَّدَ بفَترةٍ زَمنيَّةٍ يَتَّفِقُ عليها الطَّرَفانِ، وهذا مِن بابِ خِيارِ الشَّرطِ. واللهُ أعلَمُ".
القول الثالث: ذهــب الحنابلــة فــي وجــه إلــى أن بيــع العربــون صــحيح إذا قيــده المتعاقــدان بزمن معين، كإلى شهر من الآن، أو ما شابه ذلك، واسـتدلوا علـى صـحة هـذا البيـع بأدلـة القـول الثـاني القائـل: بحـل بيـع العربـون، وأما تقييده بمدة معينة فلأن البائع لا يدري إلى متى ينتظـر، فـالإطلاق لا يناسـب، لما يلزم عليه من طول الأمد بلا نهاية، فيترتب عليه من النزاع ما فيه كفاية، وهــذا القــول هــو مــا أخــذ بــه مجمــع الفقــه الإســلامي فــي قــراره بــشأن البيــع بالعربون، جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي جاء في قَراراتِ مَجْمَعِ الفِقهِ الإسلاميِ قَرار رقم: 76/ 3/ د8 بشأن بَيْع العُرْبون ما يلي: "إنَّ مَجلِسَ مَجْمَعِ الفِقهِ الإسلاميِّ المنعقِدَ في دَورةِ مُؤتَمرِه الثَّامنِ ببندر سيري باجوان، …. بعْدَ اطِّلاعِه على البحوثِ الواردةِ إلى المَجْمَعِ بخُصوصِ مَوضوعِ: "بَيْع العُرْبونِ"، وبعْدَ استماعِه إلى المناقَشاتِ الَّتي دارتْ حوْلَه؛ قرَّر ما يَلي:
1- المرادُ ببَيعِ العُرْبونِ: بَيْعُ السِّلعةِ مع دفْعِ المشْتري مَبلغًا مِن المالِ إلى البائعِ، على أنَّه إنْ أخَذَ السِّلعةَ احتُسِبَ المبلَغُ مِن الثَّمنِ، وإنْ ترَكَها فالمبْلغُ للبائعِ. ويَجري مَجْرى البَيْعِ الإجارةُ؛ لأنَّها بَيْعُ المنافعِ. ويُسْتثنى مِن البيوعِ كُلُّ ما يُشترَطُ لصِحَّتِه قبْضُ أحدِ البَدَلينِ في مَجلِسِ العقْدِ (السَّلَمُ)، أو قبْضُ البَدَلينِ (مُبادَلةُ الأموالِ الرِّبويَّةِ والصَّرْفُ)، ولا يَجْري في المُرابَحةِ للآمِرِ بالشِّراءِ في مَرحلةِ المواعَدةِ، ولكنْ يَجري في مَرحلةِ البَيْعِ التَّاليةِ للمُواعَدةِ.
2- يَجوزُ بَيْعُ العُرْبونِ إذا قُيِّدت فتْرةُ الانتظارِ بزَمنٍ مَحدودٍ، ويُحتسَبُ العُرْبونُ جُزءًا مِن الثَّمنِ إذا تمَّ الشِّراءُ، ويكونُ مِن حقِّ البائعِ إذا عدَلَ المشْتري عن الشِّراءِ….".
الترجيح: الأحوط والأسلم للبائع عدم أخذ العربون إذا التغى البيع، ورده إلى المشتري، وهذا من مكارم الأخلاق؛ لأن العربون إنما دُفع لإتمام البيع، والبيع لم يتم، فالأحوط رده لأصحابه حتى وإن كان مشروطاً، لا سيما أن العربون قد يكون كبيراً في حالات كثيرة، إلا إن كان يترتب على البائع ضرر في الإلغاء، كالمدارس مثلاً فهي تحجز مقعداً للطالب ولا تستطيع استقبال عدد أكبر من المقرر لها، فحين يأتي ولي الأمر ويسحب ابنه بعد مضي فترة التسجيل فقد يترتب على ذلك ضرر مادي، ولأن مسائل الخلاف لا إنكار فيها والأدلة ظنية، والله أعلى وأعلم.
الإجارة والعمل
يؤيد التعقيب القول بجواز العربون مع تعيين مدة للانتظار، كما انتهى إليه النص المعروض، مع عرض القول الآخر وأدلته. وينقل توجيهًا أخلاقيًا إلى رد العربون عند الإقالة إذا لم يقع ضرر، دون تحويل هذا التوجيه إلى حكم إلزامي جديد.
أولاً: مسألة بيع العربون نص رصين، ومحرر تحريراً فقهياً دقيقاً. فقد استوعب الآراء الفقهية بأدلتها، وخلص إلى ما استقر عليه مجمع الفقه الإسلامي (وهو الجواز مع تقييده بمدة). وما جاء في "الترجيح" في نهاية النص من استحباب رد العربون من باب "مكارم الأخلاق وإقالة العثرة" إلا إذا وقع ضرر فعلي على البائع، هو توجيه تربوي ممتاز جداً ويصلح بقوة للطرح المنبري؛ لأنه يجمع بين الفقه والأخلاق.
