الجمع بين قضاء رمضان وصيام الست من شوال
هل يجمع قضاء رمضان مع نية صيام الست من شوال؟
دراسة فقهية مقارنة في مسألتين من مسائل شوال ا.د.محمد طه حمدون السامرائي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن شهر شوال يحمل في طياته مسائل فقهية دقيقة تتجدد كل عام، وتشتد الحاجة إلى تحريرها والتدقيق في…
دراسة فقهية مقارنة في مسألتين من مسائل شوال
ا.د.محمد طه حمدون السامرائي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن شهر شوال يحمل في طياته مسائل فقهية دقيقة تتجدد كل عام، وتشتد الحاجة إلى تحريرها والتدقيق في أصولها، لا سيما ما يتعلق بصيام ستة أيام من شوال وما يرتبط به من أحكام.
وقد آثرت في هذه الدراسة أن أتناول مسألتين مترابطتين:
أولاهما حكم صيام الست من شوال في ذاته عند المذاهب الأربعة.
وثانيتهما مسألة المرأة التي عليها قضاء من رمضان هل يجوز لها أن تجمع نية القضاء مع نية صيام الست؟ .
المسألة الأولى: حكم صيام ستة أيام من شوال
العمدة في هذه المسألة حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَن صامَ رمضانَ ثم أتبعَهُ ستًّا من شوالٍ كان كصيامِ الدهرِ» رواه مسلم، وهو حديث صحيح في ظاهره ، صريح في مدلوله .
ووجه الحساب فيه ظاهر بيّن، إذ الحسنة بعشرة أمثالها، فرمضان بثلاثين يوماً يعادل عشرة أشهر، والست أيام تعادل شهرين، فيكتمل بذلك صيام السنة كاملة.
أقوال المذاهب الأربعة
١. ذهب الشافعية إلى استحباب صيام ستة أيام من شوال استحباباً مؤكداً، أخذاً بظاهر الحديث على وجهه،.
وتابعهم على ذلك الحنابلة الذين استندوا إلى الحديث ذاته فقالوا بالاستحباب، وعليه جمهور محققيهم.
٢. أما الحنفية فقد ذهب متقدموهم إلى الكراهة، لا لرد الحديث _مع ان الحديث لا يخلو من مقال_ ، بل خشية التشبه بأهل الكتاب الذين يزيدون في فرائضهم، وخشية أن يعتقد عوام المسلمين وجوب هذا الصيام فيُلحق بالفريضة.
غير أن متأخري الحنفية تراجعوا عن الكراهة وأجازوه بل استحبوه.
٣. وأما المالكية فقد قالوا بالكراهة استناداً إلى ركيزتين:
الأولى قاعدة عمل أهل المدينة التي يعتمدها إمامهم رحمه الله، إذ لم يبلغهم العمل بهذا الصيام مستفيضاً في عهد السلف.
والثانية سد الذريعة خشية أن يُعدّ هذا الصيام تكملةً للفريضة ومتصلاً بها.
وقد تراجع كثير من المالكية المعاصرين عن هذه الكراهة وأجازوه.
التحرير الأصولي والترجيح
الناظر في حجج الكراهة يجد أنها لم تستند إلى معارضة الحديث بحديث آخر، بل إلى اعتبارات استحسانية وسد ذريعة، وكلاهما معتبران لكن يبقى النص الصحيح الصريح في موازين الأصوليين له اعتباره.
فضلاً عن أن العلة التي بُنيت عليها الكراهة وهي خشية الالتباس على العوام قد انتفت في زمننا بشيوع العلم وانتشار البيان.
وعليه فإن الراجح هو الاستحباب المؤكد، وهو الذي تشهد له السنة الصحيحة الصريحة، ويعضده عمل جمهور الأمة في مشارق الأرض ومغاربها قديماً وحديثاً.
المسألة الثانية: جمع المرأة نية القضاء مع نية ست من شوال
تحرير محل النزاع
المرأة التي أفطرت أياماً من رمضان بعذر الحيض أو النفاس ولم تقضِها بعد، هل يجوز لها أن تصوم ستاً من شوال بنية القضاء والنفل معاً فتحصّل الأمرين في وقت واحد؟
وهذه المسألة في جوهرها مسألة أصولية كبرى وهي: هل تتداخل النيات في العبادات المتجانسة؟ وهي مسألة ذات شعب متفرقة في أبواب الفقه كلها.
أقوال الفقهاء
١. ذهب _جمهور الفقهاء_ من الشافعية والحنابلة والمالكية في المشهور إلى أن المرأة لا تنال ثواب الست كاملاً إذا جمعت النيتين، بل لا تنال الفضيلة المنصوص عليها في الحديث إلا إذا قدّمت القضاء أولاً ثم أتبعته بالست. واستندوا في ذلك إلى أن الحديث قيّد الفضيلة بقوله ﷺ: «مَن صامَ رمضانَ ثم أتبعَهُ ستاً»، وكلمة "ثم" تفيد التعقيب والترتيب، أي لا بد من إكمال رمضان أولاً، والمرأة التي عليها قضاء لم تُكمِل رمضان ما لم تقضِ ما فاتها.
يُضاف إلى ذلك أن لكل عبادة مقصوداً مستقلاً في الشريعة، فلا تُدرك فضيلة نفل مشروط بإكمال الفريضة دون أن تكتمل الفريضة أولاً، كما أن فضيلة الفريضة لا تُنال بنية النافلة.
٢. في المقابل ذهب وجه عند الشافعية واختاره جماعة من المعاصرين إلى جواز الجمع وإلى أن المرأة تنال الثواب ولو بنية القضاء والنفل معاً.
واستندوا إلى قاعدة تداخل النيات في العبادات المتجانسة، إذ إذا كانت العبادتان من جنس واحد وكان الأعلى يتضمن الأدنى جاز التداخل، كما في تحية المسجد مع الفريضة. وزادوا أن مقصود الشارع من الست إنما هو إدامة العبد على الصوم بعد رمضان والمحافظة على روح العبادة، وهذا المقصود حاصل بصيام القضاء. وأشاروا إلى الضرورة العملية التي تواجهها المرأة إذ لا يتسع لها شوال في الغالب لاستيعاب القضاء والست معاً.
التحرير الأصولي الدقيق
لا بد هنا من التفريق بين صور ثلاث حتى لا يختلط الأمر ويضيع الحكم في عموم الكلام.
فإن صامت المرأة بنية القضاء وحده أجزأ عنه قطعاً ولم تنل أجر الست.
وإن صامت بنية الست وحدها قبل أن تقضي فصومها صحيح ولكنها لا تنال الفضيلة الكاملة المنصوص عليها، بل تبقى في ذمتها إثم تأخير القضاء.
أما إن جمعت النيتين فهذه هي موضع الخلاف والاجتهاد.
والإشكال الأصولي في هذه الصورة يعود إلى أن الفضيلة المنصوص عليها في الحديث معلّقة بشرط محقق هو إكمال رمضان، وهذا الشرط لا يتحقق بالنية المجردة إذا لم يُستوفَ العمل على الوجه المطلوب.
فالمناط في إثبات الفضيلة هو تحقق الشرط، ومن ثمّ فإن الجمع لا يُحقق الشرط على وجهه التام.
الترجيح المختار
الذي يترجح من حيث الأصول والدليل والنظر الفقهي الدقيق :
أن المرأة إن جمعت النيتين فصومها صحيح من حيث الإجزاء، وتنال أجر القضاء قطعاً، وتُرجى لها مثوبة الصيام ومداومته، غير أنها لا تنال الفضيلة المنصوص عليها في الحديث كاملة وهي صيام الدهر، لأن الحصول على هذه الفضيلة مشروط بإكمال رمضان ثم إتباعه بالست، وهذا الشرط لا يتحقق إلا بتقديم القضاء.
وعليه فإن الأولى والأحوط أن تُقدّم المرأة القضاء أولاً ثم تصوم الست، حتى تحصّل النص على وجهه وتطمئن إلى استيفاء الفضيلة المقررة شرعاً.
أما إن تعذّر ذلك لضيق الوقت أو توالي الأعذار، فلا يُفتى بتحريم الجمع ولا بتخطئة من أقدم عليه اجتهاداً، بل هو اجتهاد معتبر تشهد له الأصول من جهة تداخل العبادات المتجانسة، ويُقبل في باب التخفيف ورفع الحرج عن النساء اللواتي قد يعجزن عن الجمع بين القضاء والست في شهر واحد.
الخلاصة
تتضح من هذه الدراسة نتائج علمية يمكن إجمالها على النحو الآتي:
١. في المسألة الأولى الراجح استحباب صيام ست من شوال لصحة الحديث وصراحته، وانتفاء علة الكراهة في زماننا، وهو ما آل إليه اجتهاد أكثر المحققين من المالكية والحنفية المعاصرين فضلاً عن الشافعية والحنابلة.
٢. وفي المسألة الثانية تقديم القضاء على الست هو الأولى والأحوط لتحقيق الشرط المنصوص عليه في الحديث.
٣. وإن جمعت المرأة النيتين فصومها صحيح ولا يُقال ببطلانه، وتنال أصل أجر القضاء ومثوبة الصيام، وتُرجى لها بركة الست دون الجزم بحصول الفضيلة المنصوص عليها.
٤. وهذا الموقف يجمع بين الأخذ بالدليل والرفق بالمكلف وهو منهج الفقه المتوازن.
الخاتمة
وختاماً فإن هاتين المسألتين تكشفان عن غنى الفقه الإسلامي وعمق الاجتهاد فيه، وعن دقة الأصوليين في التعامل مع النصوص وتحقيق مناطاتها وشروطها.
كما تكشفان أن الفقه الإسلامي لم يكن في يوم من الأيام فقهاً جامداً بل هو فقه يتسع للاجتهاد ويُراعي أحوال المكلفين ويوازن بين مقتضيات النص ومقاصد الشريعة.
وفي هذا التوازن تكمن عظمة هذا الفقه وخلوده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عليكم السلام ورحمة الله تعالى جمهور الفقهاء على عدم جواز الجمع لاختلاف السبب لكن جاء عن
بعض الفقهاء كمتأخري الشافعية تجويزهم الجمع لكن بشرط أن يكون اصالة عن القضاء و ست من شوال تبع
كما تفضلتم جزاك الله تعالى خيرا الا اذا ضاق عليه الامر ولا يسعه الجمع لما ورد أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تؤخر القضاء الى شعبان
