اشتراط رد الدين بغير عملة القرض وضوابط الوفاء
ما التفصيل الوارد في حكم اشتراط سداد الدين بعملة مغايرة لعملة القرض؟
٢. يجوز الاتفاق يوم السداد – لا قبله – على القضاء بعملة أخرى بسعر صرفها يوم السداد، بشرط براءة الذمة التامة، بالنص وقرار المجمع رقم ٧٥ (٦/٨). ٣.
فتوى محرَّرة
في حكم اشتراط سداد الدَّين بعملة مغايرة لعملة القرض
(الدينار العراقي والدولار الأمريكي أنموذجًا)
ا.د.محمد طه حمدون السالم
معزَّزة بنصوص الوحيين وأقوال أهل العلم وقرارات المجامع الفقهية، على المنهج الوسطي المؤصَّل في المذاهب الفقهية المتبوعة
نصُّ السؤال
رجلٌ من أهل العراق أقرض أخاه مبلغًا من المال بالدينار العراقي، فاشترطا يوم القرض أن يكون مرجع السداد سعرَ الدولار يوم إعطاء الدَّين، وأن يردَّ المقترضُ ما يعادل المبلغَ بالدولار الأمريكي، وذلك خشيةَ تذبذب صرف الدينار العراقي وما يلحق المُقرِض من خسارةٍ بسبب التضخم وتقلُّب الأسواق، فهل يجوز هذا الاشتراط؟ وما حكم الاتفاق على السداد بعملة أخرى يوم القضاء؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب المجمل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالذي عليه فتوى المجامع الفقهية المعاصرة هو المنعُ من اشتراط سداد الدَّين بعملة مغايرة يوم إنشاء القرض؛ لما فيه من المصارفة بأجل. وأما الاتفاق يوم السداد – لا قبله – على القضاء بعملة أخرى بسعر صرفها في ذلك اليوم فجائزٌ بالنص، بشرط ألا يبقى في ذمة المدين شيءٌ مما جرت عليه المصارفة.
غير أنَّا – نظرًا لعموم البلوى في العراق ونحوه من بلاد التضخم المتسارع، وحفظًا لأموال الناس، وحسمًا لمادة الخصومة، ولكون المصارفة هنا تابعةً غيرَ مقصودة لذاتها – نرى جوازَ ذلك في حالات الحاجة والضرورة، بالضوابط الآتي بيانُها في تحرير الفتوى، مع أن الأخذ بفتوى المجمع أحوطُ وأبرأُ للذمة.
أولًا: تصوير المسألة وتحرير محلِّ النزاع
صورة المسألة: أن يُقرِض رجلٌ آخرَ مبلغًا بالدينار العراقي، ثم يتفقان يوم القرض على أن يكون السدادُ بالدولار الأمريكي بسعر يوم إعطاء الدَّين. وهذه الصورة اجتمع فيها أمران:
الأول: أنها مصارفةٌ بأجل؛ إذ وقع التصارف بين الدينار والدولار يومَ الدَّين على أن يتأخر القبض إلى يوم السداد، والمصارفة لا تصح إلا ناجزًا بناجز، يدًا بيد، هاءَ وهاء.
الثاني: أنه إذا تردَّد السدادُ بين عملتين بديلتين – كأن يُخيَّر بين الدولار وغيره – دخلت المسألةَ جهالةٌ شديدة قد تؤول إلى الخصومة والنزاع، والشريعة جاءت بحسم مواد الشقاق.
ومحلُّ النزاع منحصرٌ في الاتفاق المتقدِّم على يوم السداد؛ وأما الاتفاق في مجلس السداد نفسه فخارجٌ عن النزاع لورود النص فيه كما سيأتي.
ثانيًا: التأصيل الشرعي للمسألة
الأصل في الباب حديثُ عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«الذهبُ بالذهب، والفضةُ بالفضة... مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» رواه مسلم (١٥٨٧).
وقد وردت في الباب أحاديث كثيرة بألفاظ: «يدًا بيد»، و«هاءَ وهاء»، و«عينًا بعين»، وكلها صحَّت بها النصوص في الصحيحين والسنن والمسانيد، وهي قاطعةٌ في وجوب التقابض التام في مجلس المصارفة. والعملات الورقية المعاصرة – ومنها الدينار العراقي والدولار – جرى قرارُ المجامع الفقهية وعملُ المفتين على إعطائها حكمَ النقدين في جريان الربا بنوعيه، فلا يجوز التصارف بينها إلا بالتقابض في المجلس.
وأما الاتفاق يوم السداد على القضاء بعملة أخرى فأصلُه حديثُ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
«كنتُ أبيع الإبلَ بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فسألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» أخرجه أحمد (٦٢٣٩) وأصحاب السنن الأربعة، وصحَّحه جماعةٌ من العلماء مرفوعًا، وآخرون موقوفًا.
فدلَّ الحديث على جواز اقتضاء أحد النقدين من الآخر عند القضاء بسعر يومه، بشرطين: أن يكون التصارف في مجلس السداد نفسه، وألا يفترقا وبينهما شيء، أي تبرأ الذمة براءةً تامة.
ثالثًا: أقوال أهل العلم في المسألة
١. مذهب الحنفية: نصُّوا على أن قبض البدلين قبل افتراق المتصارفَين شرطٌ لصحة الصرف، فإن افترقا قبل التقابض بطل العقد؛ وأجازوا اقتضاء الدراهم من الدنانير وعكسه بسعر يومها إذا جرى ذلك في مجلس القضاء وتقابضا ⟨يُراجَع الموضع: بدائع الصنائع للكاساني، كتاب الصرف؛ ورد المحتار لابن عابدين، باب الصرف⟩.
٢. مذهب المالكية: منعوا الصرفَ المؤخَّر منعًا باتًّا، وشدَّدوا في وجوب المناجزة، وأجازوا اقتضاء أحد النقدين عن الآخر فيما حلَّ من الديون إذا وقع ذلك حالَّا بسعر يومه دون تأخير ⟨يُراجَع الموضع: المدونة، كتاب الصرف؛ والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي⟩.
٣. مذهب الشافعية: اشترطوا في الصرف التقابضَ في المجلس، وذهبوا إلى جواز الاستبدال عن الدَّين المستقر في الذمة بنقدٍ آخر بشرط قبض البدل في المجلس ⟨يُراجَع الموضع: المجموع شرح المهذب للنووي، باب الربا؛ وروضة الطالبين⟩.
٤. مذهب الحنابلة: قال الموفَّق ابن قدامة رحمه الله:
«ويجوز اقتضاء أحدِ النقدين من الآخر، ويكون صرفًا بعينٍ وذمة، في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابنُ عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن شبرمة، ورُوي ذلك عن ابن مسعود؛ لأن القبض شرطٌ وقد تخلَّف» المغني (٦/ ١٠٧، ط. التركي).
فحكى رحمه الله أن قول أكثر أهل العلم على جواز الاقتضاء عند السداد، وأن المنع مرويٌّ عن بعض الصحابة والتابعين تمسُّكًا بظاهر اشتراط القبض، والحديثُ المتقدِّم حجةٌ على الجواز.
٥. قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي: جاء في القرار رقم ٧٥ (٦/٨):
«يجوز أن يتفق الدائن والمدين يوم السداد – لا قبله – على أداء الدين بعملة مغايرة لعملة الدين، إذا كان ذلك بسعر صرفها يوم السداد، وكذلك يجوز في الدين على أقساط بعملة معينة الاتفاق يوم سداد أي قسط على أدائه كاملًا بعملة مغايرة بسعر صرفها في ذلك اليوم، ويشترط في جميع الأحوال أن لا يبقى في ذمة المدين شيء مما تمت عليه المصارفة في الذمة».
وهذا القرار عملٌ بحديث ابن عمر المتقدِّم، وهو كالاستثناء من اشتراط التقابض الحقيقي للعوضين، والاستثناءاتُ النصية رخصةٌ من الشارع في تلك الصورة بعينها.
٦. القواعد الفقهية المؤيِّدة: تقرَّر عند الفقهاء أن «الديون تُقضى بأمثالها»، وأن «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني» (مجلة الأحكام العدلية، المادة ٣)، وأن «المشقة تجلب التيسير» (المادة ١٧)، وأن «الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة، عامةً كانت أو خاصة» (المادة ٣٢)؛ وهذه القواعد هي عمدة التحرير الآتي.
رابعًا: صور المسألة وأحكامها
الصورة الأولى: أن يتفقا يوم الدَّين على أن يسدِّده بعملة أخرى – كأن يُقرِضه بالدينار العراقي ويشترط الردَّ بالدولار – سواء كان بسعر يوم القرض أو بسعر يوم السداد: فهذه الصورة ممنوعةٌ في فتوى المجامع الفقهية؛ لأنها مصارفةٌ بالآجل، وفيها تحرير الترجيح الآتي.
الصورة الثانية: أن يتفقا في يوم السداد – في مجلس القضاء نفسه – على أداء الدَّين بعملة أخرى بسعر صرفها يوم السداد: فهذه جائزةٌ بالنص وقرار المجمع، بشرط براءة الذمة التامة في المجلس.
الصورة الثالثة: أن يتردَّد السداد بين عملتين بديلتين فأكثر – كالتخيير بين الدولار وغيره –: فهذه ممنوعةٌ على كل حال؛ لما فيها من الجهالة الشديدة المفضية إلى النزاع، وهذا سببُ منعٍ قائمٌ بنفسه على الاستقلال زيادةً على علة المصارفة بأجل.
خامسًا: تحرير الفتوى على واقع الدينار العراقي والدولار
اعلم – وفقك الله – أن أهل العراق قد عمَّت بلواهم بتذبذب صرف الدينار العراقي أمام الدولار، وتسارُع التضخم، حتى صار المُقرِض المحسنُ يخشى أن يعود إليه مالُه وقد ذهب شطرُ قيمته، فيُحجِم الناسُ عن القرض الحسن، وينسدُّ بابُ الإحسان، ويُضطر المحتاجون إلى أبواب الربا الصريح. وعند النظر في مأخذ المنع يظهر ما يلي:
١. أن التصارف في حديث ابن عمر إنما كان عند التقاضي، ومعلومٌ أن أحد العوضين قد دُفع قبل ذلك بمدة، ومع هذا أجازه الشارعُ رخصةً للناس؛ فكأن الدَّين الذي مرَّ عليه زمنٌ في الذمة اعتُبر حاضرًا حالَ السداد فجاز دفعُه بعملة أخرى. فما المانع أن تُلحَق البدايةُ بالنهاية، فيقول له: هذا دَينٌ بالدينار العراقي، لكني أحسبه عليك الآن بالدولار بسعر هذا اليوم، فيثبت في ذمته بالدولار؟
٢. أن المسألة في حقيقتها ليست مصارفةً مقصودة، بل المصارفةُ فيها تابعةٌ لا متبوعة؛ ومقصودُ العاقدَين إنما هو حفظ مال الدائن المحسن لا الاسترباح من فروق الصرف، والعبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
٣. أن الحوالات المصرفية المعاصرة قد اشتملت على التحويل والمصارفة معًا دون تقابضٍ حقيقي، وقد عمَّت بها البلوى وانتشرت بين الخلق، وأفتى بجوازها عامةُ المعاصرين؛ ولو قيل إنها مصارفةٌ محضة لكانت باطلةً لعدم القبض. والدليل على أن المصارفة فيها غيرُ معتبرة استقلالًا: أن الحوالة إذا فشلت أو أُلغيت أعادت الشركةُ المبلغَ المحوَّل بعملته الأولى لا بالعملة المصروف إليها؛ ولو كانت عقدَ مصارفة لردَّت العملةَ التي صُرف إليها لأنها العقد المتقدِّم على الحوالة. وقد تكلَّف بعضُ أهل العلم في تخريجها بما لا يخفى تعسُّفُه، والشريعة ميسَّرة سمحة، والأمور بمقاصدها.
٤. أن في المنع المطلق – في بلدٍ كالعراق – تضييقًا على الناس، وفتحًا لباب الخصومات، وإماتةً للقرض الحسن؛ والمشقة تجلب التيسير، والحاجة العامة تُنزَّل منزلة الضرورة.
وعليه: فالذي نختاره ونحرِّره – مع كامل التوقير لفتوى المجمع – جوازُ اتفاق المتداينَين يوم القرض على إثبات الدَّين بالدولار بسعر صرفه المعلوم يوم القرض، في الحالات الضرورية وحالات الحاجة التي يُخشى فيها الخلافُ والشر، خاصةً في العراق ونحوه من البلاد التي يرتفع فيها التضخم سراعًا؛ حفظًا لأموال الناس، وحسمًا للنزاع، وإبقاءً لباب القرض الحسن مفتوحًا، ولعدم مقصودية المصارفة استقلالًا.
سادسًا: تعزيزٌ بمذهب المتقدِّمين في عدم جريان الربا في الفلوس
اعلم أن اشتراط التقابض في التصارف بين الدينار العراقي والدولار مبنيٌّ على إلحاق العملات الورقية بالذهب والفضة بجامع الثمنية، وهو الذي استقرت عليه قرارات المجامع الفقهية المعاصرة حسمًا لذريعة الربا. غير أن هذا الإلحاق اجتهاديٌّ لا قطعي؛ إذ العملات الورقية – من جهة الصورة – أشبهُ شيءٍ بالفلوس النافقة عند المتقدِّمين: أثمانٌ اصطلاحية جُعلية لا خِلقية، تروج بجعل السلطان واصطلاح الناس لا بجوهرها.
ومذاهب المتقدِّمين من فقهاء الأمصار قائمةٌ على عدم جريان الربا في الفلوس، وبيانه في المذاهب كالتالي:
١. الحنفية: ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز بيع الفلس بالفلسين بأعيانهما؛ لأن الفلوس أثمانٌ بالاصطلاح، فإذا قوبل بعضُها ببعض بأعيانها بطل اصطلاحُهما فيها فصارت سلعًا عددية لا يجري فيها ربا الفضل، وخالف محمدُ بن الحسن فمنعه اعتبارًا لبقاء الثمنية ⟨يُراجَع الموضع: المبسوط للسرخسي، وبدائع الصنائع للكاساني، كتاب الصرف⟩.
٢. المالكية: المشهورُ من المذهب أن الفلوس ليست ربوية، فلا يجري فيها ربا الفضل؛ لقصور علة الربوية – وهي النقدية الخالصة عند جمهورهم – عنها، مع كراهة الإمام مالك بيعَها بالنقدين نظرةً مراعاةً لشَبَهِها بالأثمان وسدًّا للذريعة، وفي المذهب قولٌ بربويتها اعتبارًا للثمنية ⟨يُراجَع الموضع: المدونة، كتاب الصرف؛ ومواهب الجليل للحطاب⟩.
٣. الشافعية: لا ربا في الفلوس عندهم؛ لأن علة الربا في النقدين هي جوهرية الذهب والفضة (الثمنية الغالبة الخِلقية) وهي علةٌ قاصرة لا تتعدى محلَّها إلى غيرهما، فجاز بيعُ الفلس بالفلسين متفاضلًا ونَساءً ⟨يُراجَع الموضع: المجموع شرح المهذب للنووي، باب الربا⟩.
٤. الحنابلة: المذهبُ أن الفلوس إذا كانت عددية – وهو الغالب فيها – لا يجري فيها الربا؛ بناءً على أن علة الربا في الأثمان كونُها موزونةَ جنس، أو الثمنيةُ الخاصة بالنقدين، وفي المذهب روايةٌ باعتبار مطلق الثمنية فتجري فيها أحكام الربا ⟨يُراجَع الموضع: المغني لابن قدامة، باب الربا والصرف؛ والإنصاف للمرداوي⟩.
وذهب ابن تيمية وتلميذُه ابن القيم رحمهما الله إلى اعتبار مطلق الثمنية علةً، وأن الفلوس النافقة تجري فيها أحكام النقدين؛ وهذا الاختيار هو مُتَّكأ المجامع المعاصرة في إلحاق الأوراق النقدية بالذهب والفضة ⟨يُراجَع الموضع: إعلام الموقعين لابن القيم، فصل الفلوس⟩.
وجه التعزيز: إذا تقرَّر أن مذاهب عامة المتقدِّمين على عدم جريان الربا في الفلوس – وهي أقرب نظيرٍ فقهي للعملات الورقية من جهة الاصطلاحية والجُعلية – عُلم أن اشتراط التقابض بين الدينار والدولار إنما هو من باب الاحتياط الراجح والخروج من الخلاف، لا من باب المقطوع به الذي لا يَقبل الاجتهاد؛ ومسائلُ الاجتهاد القوي يُتوسَّع فيها عند الحاجة وعموم البلوى، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد المعتبر. فهذا المذهب القوي للمتقدِّمين يُتَّكأ عليه عند الحاجة – كما في مسألتنا في العراق – فيتأكد به ما حرَّرناه من الجواز في صورة السؤال، ويخفُّ به مأخذُ المنع المبني على تنزيل العملتين منزلة الذهب والفضة من كل وجه.
تنبيهٌ واحتراز: ليس في هذا التعزيز فتحٌ لباب إسقاط أحكام الصرف في العملات مطلقًا؛ فالعمل والفتوى العامة على إلحاقها بالنقدين حسمًا لذريعة الربا وصيانةً لأموال الناس، وإنما يُصار إلى الاتكاء على مذهب المتقدِّمين في مواضع الحاجة وعموم البلوى خاصة، عملًا بقاعدة مراعاة الخلاف، وأن الأمر إذا ضاق اتسع.
سابعًا: ضوابط الجواز وشروطه
الضابط الأول: أن يتفقا يوم الدَّين على السداد بعملة واحدة معيَّنة – كالدولار – بسعر صرفها المعلوم يوم الدَّين، فيثبت الدَّين في الذمة بها ثبوتًا واحدًا لا تردُّدَ فيه.
الضابط الثاني: ألا يقع تخييرٌ بين عملتين فأكثر بحالٍ من الأحوال؛ لما فيه من الجهالة المفضية إلى الخصومة.
الضابط الثالث: ألا يُشترَط على المدين زيادةٌ على ما ثبت في ذمته بأي وجه؛ فكل قرضٍ جرَّ نفعًا مشروطًا فهو من الربا المحرَّم باتفاق.
الضابط الرابع: أن يكون اللجوء إلى هذه الصورة عند الحاجة والضرورة – كتسارع التضخم وتذبذب الصرف – لا اتخاذُها ذريعةً للاسترباح من فروق العملات.
الضابط الخامس: إن اتفقا يوم السداد – لا قبله – على القضاء بعملة مغايرة بسعر يومها، فيشترط ألا يبقى في ذمة المدين شيءٌ مما جرت عليه المصارفة، عملًا بحديث ابن عمر وقرار المجمع.
الضابط السادس: ننصح السائل وعموم المسلمين بأن الأخذ بفتوى المجمع – وهي المنع من الاشتراط المتقدِّم – أحوطُ وأبرأُ للذمة وخروجٌ من الخلاف؛ وإنما يُصار إلى ما حرَّرناه عند الحاجة الملجئة بضوابطها.
الخلاصة
١. فتوى المجامع الفقهية على المنع من اشتراط سداد الدَّين بعملة مغايرة يوم إنشاء القرض؛ لأنه مصارفةٌ بأجل.
٢. يجوز الاتفاق يوم السداد – لا قبله – على القضاء بعملة أخرى بسعر صرفها يوم السداد، بشرط براءة الذمة التامة، بالنص وقرار المجمع رقم ٧٥ (٦/٨).
٣. الذي نراه تحريرًا – لكثرة تكرار المسألة وعموم البلوى بها، وحفظًا لأموال الناس، وحسمًا للخلاف، ولعدم مقصودية المصارفة استقلالًا – جوازُ الاتفاق يوم الدَّين على السداد بعملة معيَّنة واحدة بسعرها يوم الدَّين، في الحالات الضرورية وحالات الحاجة، خاصةً في العراق ونحوه من بلاد التضخم المتسارع، بالضوابط الستة المتقدِّمة.
٤. يتأكد هذا التحرير بأن مذاهب المتقدِّمين من فقهاء المذاهب الأربعة على عدم جريان الربا في الفلوس – وهي أقرب نظيرٍ للعملات الورقية – فيكون اشتراط التقابض بين العملتين من باب الاحتياط والخروج من الخلاف لا من باب المقطوع به، وهو مذهبٌ قوي يُتَّكأ عليه عند الحاجة.
٥. التخيير بين عملتين بديلتين ممنوعٌ على كل حال؛ لما فيه من الجهالة الشديدة.
والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله رب العالمين.
