إعطاء الأسرة الفقيرة الطعام بدل المال عند سوء التصرف فيه
الاخوة الافاضل اسرة فقيرة جدا وربة البيت على باب الله تزوجها رجل كبير في السن كان معها جزء من ميراث تعويض بيت لاهلها هدمته الدولة وانجبت من الرجل ثلاث ابناء وضعهم المادي صعب والرجل الأن مريض وعاطل عن العمل ماهو الافضل اعطاؤهم الزكاة مالا علما انها قد تستخدم في التدخين والخلويات ام شراء طرد غذائي متكامل لحوم ودجاج واجبان وما يحتاجه البيت واعطاؤه لهم افيدونا جزاكم الله خيرا
بناء على ما سبق من الأدلة: فالراجح والله أعلم هو جواز إعطاء الفقير الذي عُلم سفهه وتبذيره الطعام والكسوة ونحوهما من الحاجات العينية، بدلاً من إعطائه المال النقدي، سواء كان ذلك من الزكاة الواجبة أو من الصدقة المستحبة.
اكيد الانفع لهم هو اعطاؤهم طعام و نحوه مما يضمن كفايتهم
و قد يعدل عن الأصل نظرا لتحقيق مقصد الشارع وهو ما يحقق الانفع للفقير
نعم هكذا بعض العوائل فعندها يختار الانفع لهم
جواز إعطاء الفقير الطعام إذا علم أنه يتصرف بالأموال بالتبذير: دراسة فقهية مقارنة
اد.محمد طه حمدون السامرائي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:فإن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ المال، الذي هو عصب الحياة وقوامها، وقد شرع الله تعالى من الأحكام ما يضمن بقاءه وتنميته، ويحول دون ضياعه وإتلافه.
ومن ذلك، ما شرعه من الزكاة والصدقات لسد حاجة الفقراء والمساكين، وتحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة.
ولكن قد يطرأ على هذا المقصد ما يعارضه، وذلك حين يكون الفقير المستحق للمال سفيهاً مبذراً، لا يحسن التصرف في المال، بل ينفقه في غير وجوهه المشروعة، مما يضيع المقصد من إعطائه المال، ويعود عليه بالضرر.
وهنا يثور التساؤل الفقهي: هل يجوز للمزكي أو المتصدق أن يعطي هذا الفقير الطعام والكسوة بدلاً من المال النقدي، تحقيقاً للمصلحة ودفعاً للمفسدة؟وهذه المقالة تهدف إلى تحرير هذه المسألة الفقهية، وبيان حكمها الشرعي، من خلال دراسة فقهية مقارنة، تستعرض أقوال الفقهاء من المذاهب المختلفة، وتناقش أدلتهم، وترجح ما يقتضيه الدليل، مع بيان الضوابط الفقهية المتعلقة بالمسألة.
تحرير محل النزاع:
تتجاذب هذه المسألة أصلان فقهيان كبيران، لكل منهما أدلته وتفريعاته:
الأصل الأول: الحجر على السفيه المبذر:
وقد اختلف الفقهاء في مشروعية الحجر على الحر البالغ العاقل إذا كان سفيهاً مبذراً.
فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، ومعهم الصاحبان من الحنفية (أبو يوسف ومحمد بن الحسن)، إلى جواز الحجر عليه، حفظاً لماله، ومنعاً له من إتلافه فيما لا يعود عليه بنفع. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: 5]،
وبالقياس على الحجر على الصغير والمجنون.
وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى عدم جواز الحجر عليه، لأن البلوغ والعقل يثبتان له الأهلية الكاملة، والسفه لا يعدمها، فلا يصح الحجر عليه. إلا أنه قال بمنعه من تسلم ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإن لم يؤنس منه رشد بعد ذلك دفع إليه.
الأصل الثاني: إخراج القيمة في الزكاة:
وقد اختلف الفقهاء أيضاً في جواز إخراج القيمة (العروض أو النقود) بدلاً من العين الواجبة في الزكاة. فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في المشهور إلى عدم الجواز، لأن الزكاة عبادة توقيفية، والأصل إخراجها من جنس المال المزكى.
وذهب الإمام أبو حنيفة والثوري والبخاري وأشهب وابن القاسم إلى جواز إخراج القيمة مطلقاً، لأن المقصود سد حاجة الفقير، وهو ما يتحقق بالقيمة، بل قد تكون أنفع له.
وذهب فريق ثالث، منهم بعض الحنابلة كابن تيمية وتلميذه ابن القيم، إلى جواز إخراج القيمة للحاجة والمصلحة الراجحة، وهو ما عليه الفتوى عند كثير من العلماء المعاصرين.
ومن تقاطع هذين الأصلين، تنشأ مسألتنا، وهي ما إذا كان يجوز إعطاء الفقير السفيه الطعام بدلاً من المال، بناءً على القول بجواز الحجر عليه، وجواز إخراج القيمة للمصلحة.
الأدلة الشرعية على جواز إعطاء الفقير السفيه الطعام بدل المال:
إن المتأمل في نصوص الشرع وقواعده الكلية، يجد أن القول بجواز إعطاء الفقير السفيه الطعام والكسوة بدلاً من المال النقدي، هو القول الراجح الذي تدعمه الأدلة الصريحة، وتقتضيه مقاصد الشريعة، وذلك لما يلي:
أولاً: من القرآن الكريم
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]
وهذه الآية هي العمدة في هذا الباب،
ووجه الدلالة منها واضح من وجوه:
النهي الصريح عن إيتاء السفهاء الأموال:
فقد نهى الله تعالى الأولياء عن تمكين السفهاء من التصرف في أموالهم، والسفيه هو من لا يحسن التصرف في المال.
وهذا النهي يشمل كل من يتولى أمر مال السفيه، سواء كان ولياً على يتيم، أو وصياً، أو ناظر وقف، أو حتى المزكي والمتصدق الذي يريد إيصال الحق إلى مستحقه.
١.الأمر بالإطعام والكسوة بدلاً من إعطاء المال: لم يقتصر النهي على المنع، بل أرشدت الآية إلى البديل العملي، وهو أن يُرزقوا ويُكسوا من هذا المال، لا أن يُعطوه إياه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: "لا تعمد إلى مالك وما خولك الله، وجعله معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم". وهذا نص في أن الواجب هو الإنفاق عليهم بما يسد حاجتهم من طعام وكساء، لا تسليم المال إليهم.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]
علقت هذه الآية دفع المال إلى اليتيم على شرطين مجتمعين:
البلوغ وإيناس الرشد.
فإذا بلغ اليتيم ولم يؤنس منه الرشد، وهو حسن التصرف في المال، لم يجز دفع ماله إليه.
وهذا يدل بمفهوم المخالفة على أن من لم يكن رشيداً في تصرفاته المالية، فإنه لا يستحق أن يُسلَّم إليه المال، وإن كان بالغاً عاقلاً. والفقير السفيه غير رشيد في تصرفاته، فلا يُعطى المال، بل يُنفق عليه منه.
ثانياً: من السنة النبوية
الدليل الأول: حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهاً وقد قال الله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه" (رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وهذا الحديث صريح في النهي عن إعطاء المال للسفيه، وجعل فاعله ممن لا يستجاب دعاؤهم، مما يدل على شدة النهي وقوة التحذير من هذا الفعل، لما فيه من إضاعة للمال، وإعانة على السفه والتبذير.
ثالثاً: من القواعد الفقهية ومقاصد الشريعةقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح":
ففي إعطاء الفقير السفيه المال مفسدة محققة، وهي إتلافه وإنفاقه في غير وجه حق. وفي إعطائه الطعام والكساء مصلحة محققة، وهي سد حاجته الفعلية. فكان تقديم درء المفسدة أولى من جلب تلك المصلحة الموهومة التي قد لا تتحقق.
١.قاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد": المقصد الأعلى من تشريع الزكاة والصدقة هو إغناء الفقير وسد حاجته.
فإذا كان إعطاء المال النقدي، وهو الوسيلة، لا يحقق هذا المقصد، بل يؤدي إلى نقيضه، وجب العدول عن هذه الوسيلة إلى وسيلة أخرى تحقق المقصد، وهي إعطاؤه ما يحتاجه من طعام وشراب وكساء.
٢.قاعدة "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة": المزكي أو المتصدق حين يخرج المال، فإنه يتصرف فيه بما يحقق المصلحة الشرعية للمستحق.
وإعطاء الفقير السفيه الطعام بدلاً من المال هو عين المصلحة له، لأنه يحفظ عليه دينه ودنياه، ويمنعه من التبذير الذي هو من كبائر الذنوب.
٣.أقوال الفقهاء المعاصرينوقد أفتى بهذا القول عدد من العلماء المحققين، الذين نظروا إلى مقاصد الشريعة وروحها، ولم يقفوا عند ظاهر النصوص الحرفية.
يقول ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (25/82): "وأما إخراج القيمة للحاجة، أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به... ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها".
الترجيح والخلاصة
بناء على ما سبق من الأدلة: فالراجح والله أعلم هو جواز إعطاء الفقير الذي عُلم سفهه وتبذيره الطعام والكسوة ونحوهما من الحاجات العينية، بدلاً من إعطائه المال النقدي، سواء كان ذلك من الزكاة الواجبة أو من الصدقة المستحبة.
وذلك لأن هذا التصرف هو الذي يحقق المقصد الشرعي من البذل والعطاء، وهو سد حاجة الفقير، وهو الذي يوافق صريح القرآن في النهي عن إيتاء السفهاء الأموال، والأمر برزقهم وكسوتهم منها، وهو الذي تقتضيه القواعد الكلية للشريعة في رعاية المصالح ودرء المفاسد.
ضوابط فقهية : ولا بد من التنبيه على بعض الضوابط المهمة عند العمل بهذا القول:
١. التحقق من حال الفقير: لا يجوز التسرع في الحكم على الفقير بالسفه والتبذير بمجرد الظن، بل لا بد من التحقق والتثبت من حاله، ومعرفة أوجه إنفاقه للمال.
٢. اعتبار القيمة: يجب أن يكون ما يُعطى للفقير من طعام وكسوة مساوياً في القيمة لمقدار الزكاة الواجبة، فلا يجوز البخس في القيمة.
٣. سد الحاجة الفعلية: ينبغي أن يكون ما يُشترى للفقير مما يحتاجه هو وأهله فعلاً، لا أن تُفرض عليه أشياء لا يستفيد منها.
٤. النية الصالحة: يجب أن يكون القصد من هذا الفعل هو تحقيق مصلحة الفقير، وحفظ ماله عليه، لا البخل عليه أو التضييق عليه.
خاتمةوفي الختام، فإن هذه المسألة الفقهية الدقيقة تكشف عن مدى مرونة الشريعة الإسلامية، وعنايتها بتحقيق المصالح الحقيقية للعباد، وأنها لا تجمد على ظواهر الألفاظ، بل تغوص إلى مقاصدها وغاياتها.
فإذا كان المال قد شرع لإقامة حياة الناس، فإن تسليمه لمن يفسده ويضيعه هو نقض لهذا المقصد، وكان الواجب حينئذ هو حفظ هذا المال، وإيصال منفعته إلى المستحق بأي طريق ممكن.
نسأل الله تعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يرزقنا البصيرة في أحكامه، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
والحمد لله رب العالمين
