رجوع إلى البحوث الفكر والمنهج وآداب العلم

بَائِعُ الدِّينِ بِدُنْيَا الغَيْرِ: فِي خَطَرِ المُتملِّقِينَ وَالمُنَافِقِينَ

الفكر والمنهج وآداب العلم٤ دقائق للقراءة٦٧٨ كلمة

الحمدُ للهِ الذي خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويم، وهداهُ إلى صراطٍ مستقيم، وحذَّرَهُ من سُبُلِ أهلِ الجحيم، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ، الصادقِ الأمين، وعلى آلهِ وصحبهِ الغُرِّ الميامين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.

أما بعدُ: فإنَّ من أعظمِ الأدواءِ التي تُصيبُ الأممَ فتُردِيها، وأخطرِ الآفاتِ التي تفتكُ بالمجتمعاتِ فتُبلِيها، داءَ التملُّقِ والنفاق، الذي يُزيِّنُ القبيحَ ويُحسِّنُ الخَطَأ، ويُلبِسُ الباطلَ ثوبَ الحقِّ، ويُصوِّرُ الظلمَ في صورةِ العدل. فالمُتملِّقُ بائعُ دينِهِ بدنيا غيرِهِ، والمنافقُ عدوٌّ في ثوبِ صديق، وكلاهما خنجرٌ مسمومٌ في خاصرةِ الأمة، ومعولُ هدمٍ في بنيانِ الدولة. وهما وإن اختلفت أسماؤُهُما، وتعددت أساليبُهُما، فإنهما يجتمعانِ في غايةٍ واحدة، وهي إرضاءُ المخلوقِ بسخطِ الخالق، وطلبُ الحظوةِ عندَ أصحابِ النفوذِ والسلطان، ولو على حسابِ الدينِ والأمانةِ والوجدان.فالمُتملِّقُ يا رعاكَ الله، هو ذلكَ الذي يرى الباطلَ حقًّا فيُصفِّقُ له، ويُشاهدُ المنكرَ معروفًا فيُطبِّلُ له.

لسانُهُ حُلْوٌ كالعسلِ المصفَّى، وقلبُهُ أمرُّ من الحنظلِ المُجتَنَى. يُجيدُ صياغةَ المدائحِ الكاذبة، والأوصافِ الزائفة، فيرفعُ الوضيعَ إلى مصافِّ العظماء، ويُنزلُ الجاهلَ منزلةَ الحكماء. كما قالَ الشاعرُ قديمًا في وصفِ أمثالِ هؤلاء: وَلا خَيْرَ فِي وِدِّ امْرِئٍ مُتَمَلِّقٍ حُلْوِ اللِّسَانِ وَقَلْبُهُ يَتَلَهَّبُ يَلْقَاكَ يَحْلِفُ أَنَّهُ بِكَ وَاثِقٌ وَإِذَا تَوَارَى عَنْكَ فَهُوَ العَقْرَبُ

وأما المنافقُ، فهو أدهى وأمرُّ، وأخفى وأضرُّ. يُظهرُ لكَ الإيمانَ ويُبطنُ الكفر، ويُبدي لكَ النصيحةَ ويُضمِرُ الغدر. هو كما وصفهم ربُّ العزةِ في كتابهِ الكريم: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ (البقرة: 14). عدوٌّ لا تعرفُهُ، وذئبٌ في جلدِ خروفٍ لا تأمنُهُ. وكما قالَ الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». فهوَ ذو الوجهينِ الذي حذَّرَ منهُ النبيُّ الكريم، وهو شرُّ الناسِ عندَ اللهِ العظيم.وإنَّ أخطرَ ما في هؤلاءِ المتملِّقينَ والمنافقين، أنهم يُحيطونَ بأصحابِ السلطانِ والنفوذ، فيُزيِّنونَ لهم سوءَ أعمالِهم، ويُحسِّنونَ لهم قبيحَ فعالِهم. يهمسون في آذانِهم بما يُحبُّونَ أن يسمعوا، لا بما يجبُ أن يعلموا.

فيُصوِّرونَ لهم الهزيمةَ نصرًا، والجورَ عدلاً، والفسادَ صلاحًا. حتى يظنَّ الحاكمُ أنهُ المهديُّ المنتظر، والقائدُ المظفَّر، وهو في الحقيقةِ يقودُ أمتَهُ إلى الهاوية. وما أشبهَ الليلةَ بالبارحة، فها هو التاريخُ يُعيدُ نفسَهُ، ويقصُّ علينا قصةَ ابنِ هانئٍ الأندلسيِّ وهو يمدحُ الخليفةَ الفاطميَّ المعزَّ لدينِ اللهِ فيقولُ لهُ في جرأةٍ وصفاقة: مَا شِئْتَ لا مَا شَاءَتِ الأَقْدَارُ فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الوَاحِدُ القَهَّارُ فأيُّ ضلالٍ بعدَ هذا الضلال؟ وأيُّ كفرٍ بعدَ هذا الكفر؟ وهل سقطت دولةُ العربِ في الأندلسِ إلا بمثلِ هذا النفاقِ والتملُّقِ الذي جعلَ الحاكمَ يرى نفسَهُ إلهًا من دونِ الله؟وها هو شاعرٌ آخرُ، هو أبو تمام، يمدحُ الأميرَ أحمدَ بنَ المعتصمِ فيجمعُ لهُ من خصالِ المجدِ ما لم يجتمعْ لأحدٍ من قبل، فيقول: إِقْدَامُ عَمْرٍو فِي سَمَاحَةِ حَاتِمٍ فِي حِلْمِ أَحْنَفَ فِي ذَكَاءِ إِيَاسِ

ولكنَّ المتملِّقينَ لا يرتوونَ من ماءِ الكذب، ولا يشبعونَ من طعامِ النفاق. فيقومُ أحدهم، وهو الفيلسوفُ الكندي، فيقولُ للأمير: "الأميرُ فوقَ من ذكرت". فيطربُ الشاعرُ لهذا التملُّقِ الجديد، ويُضيفُ من عندِهِ ما هو أدهى وأمرُّ، فيقول: لا تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهُ مَثَلاً شَرُودًا فِي النَّدَى وَالبَأْسِ فَاللهُ قَدْ ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ مَثَلاً مِنَ المِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ

وهكذا، يُصبحُ الحاكمُ أسيرًا لمدائحِهم، سجينًا لأكاذيبِهم، فلا يرى إلا ما يُريدونَ لهُ أن يرى، ولا يسمعُ إلا ما يُريدونَ لهُ أن يسمع. فيبتعدُ عنهُ الناصحونَ الصادقون، ويُحيطُ بهِ المنافقونَ الكاذبون. وعندها تحلُّ الكارثة، وتقعُ المصيبة، وتنهارُ الدولة. فيا أيها الحاكمُ ويا صاحبَ السلطان، احذرْ من بطانةِ السوءِ التي تُزيِّنُ لكَ القبيح، وتُحسِّنُ لكَ الخطأ. فإنهم أعداؤكَ في ثيابِ أصدقائك، وهم سببُ هلاكِكَ وإن أظهروا لكَ الولاء. تذكَّرْ قولَ الفاروقِ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه: "رحمَ اللهُ امرأً أهدى إليَّ عيوبي". فالصديقُ الحقُّ هو من يُصارحُكَ بعيوبِكَ، لا من يُصفِّقُ لأخطائِكَ. والناصحُ الأمينُ هو من يبكيكَ بصدقِهِ، لا من يُضحكُكَ بنفاقِهِ. وكما قال الشاعر: كلُّ امرىءٍ مدح امرأً لنواله فأطال فيه فقد أراد هجاءَهُ لو لم يقدِّر فيه بُعْدَ المُسْتقَى عند الورود لَمَا أطال رشاءَهُ فلا يغرنَّكَ منهم حلاوةُ اللسان، ولا يخدعنَّكَ منهم تملُّقُ البيان.

فإنهم يبيعونَ دينَهم بدنياكَ، ثم يبيعونَكَ أنتَ نفسَكَ إذا دارت عليكَ الدوائر. فاستمسكْ بالحقِّ وإن كان مُرًّا، واطلبِ النصحَ من أهلِ الصدقِ والتقوى. فإنَّ فيهم النجاةَ والفلاح، وبهم تصلحُ البلادُ والعباد. نسألُ اللهَ أن يُصلحَ أحوالَ المسلمين، وأن يرزقَ حكامَهم البطانةَ الصالحةَ الناصحة، وأن يُجنِّبَنا وإياهم شرَّ المنافقينَ والمتملِّقين. إنه وليُّ ذلكَ والقادرُ عليه. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

شارك المقالة

Scroll to Top