في زمان تشابكت فيه خيوط التواصل، وتداخلت فيه سبل الحديث، وأضحت الكلمة تطير في الآفاق كما يطير الطائر في أرجاء السماء، تبرز الحاجة الماسة إلى تهذيب النفوس وتقويم الألسنة، وإرشاد القلوب إلى ما يزيد في الوئام ويقوي أواصر المحبة بين الأحباب. فهذه زهور عطرة في بساتين الكرام أنثرها، وفي ميادين الأحباب الفسيحة أنشرها، زيادة في تثبيت دعائم العلاقات الطيبة، ودرءاً عن المكدرات التي تعكر صفو المودة، وقطعاً لدابر المفسدة، وإدامة للمحبة التي هي زينة الحياة وبهجة الوجود. إن هذه الكلمات المباركة تأتي في وقت أحوج ما نكون فيه إلى التذكير بآداب الحديث وأخلاق التعامل، خاصة في عصر انتشرت فيه وسائل التواصل انتشار النار في الهشيم، وأصبحت الكلمة تنتقل من قلب إلى قلب، ومن عقل إلى عقل، في لمح البصر وأقل من طرفة عين.
الأولى: نقل كل ما يُرى - ميزان الحكمة في انتقاء الكلام
في الحديث النبوي الشريف الذي يضع لنا ميزاناً دقيقاً للكلام: "كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع"، نجد منارة هداية تضيء لنا طريق الحكمة في التعامل مع ما نسمع ونرى. فالناقل، في حقيقة الأمر، شريك للكاتب في خيره وشره، وحليف له في نفعه وضره، والعاقل اللبيب يتجلى في حسن انتقائه، ويبدو جماله في جودة اختياره ودقة مصدره.
إن الإنسان الحكيم يدرك أن الصمت أحياناً خير من الكلام، وأن السكوت دهراً كاملاً خير له من مشاركة خالية من الصدق، خاوية من الخير، تظهر في ثوب براق ولكنها لكل شؤم راوية. فمن يتسرع في النقل دون تمحيص أو تدقيق، يمسي كحاطب الليل الذي يجمع الحطب في الظلام فلا يدري ما يجمع، أو كجارف السيل الذي يحمل في طريقه الطيب والخبيث، فلا يدري آثار ما نشر، ولا يعلم بلاء ما أخبر.
إن الكلمة أمانة عظيمة، والحرف مسؤولية جسيمة، والذي يحمل أمانة النقل عليه أن يكون أهلاً لهذه الأمانة، قادراً على التمييز بين الغث والسمين، والطيب والخبيث، والنافع والضار. فليس كل ما يُسمع يُقال، وليس كل ما يُرى يُنقل، وليس كل ما يُكتب يُشارك.
الثانية: التبين والتثبت - درع الحكمة في زمن المعلومات
من الكوارث العظيمة في زماننا هذا أن يُنقل كل ما هو موجود في وسائل التواصل، غثه وسمينه، طيبه وخبيثه، صحيحه وباطله، من غير تمحيص دقيق ولا تأكيد وثيق، فيُخوف الآمن المطمئن، ويُكدر الصفو الرائق، وتُغرس بذور العداوة في تربة المحبة، ويشيع الأذى حيث كان ينبغي أن تشيع الرحمة والمودة.
والله تبارك وتعالى يقول في محكم تنزيله، واضعاً لنا منهجاً قويماً في التعامل مع الأخبار: "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا" [النساء: 83].
إن هذه الآية الكريمة تضع أمامنا منهجاً واضحاً في التعامل مع الأخبار، فلا ينبغي الإذاعة والنشر بمجرد السماع، بل لا بد من الرد إلى أهل العلم والاختصاص، والتثبت من الصحة والدقة. ومن المسلمات اليوم، التي لا تحتاج إلى برهان أو دليل، أن الأغلب الأعم من الأخبار في وسائل التواصل تفتقر إلى الدقة والصحة، وتحتاج إلى تمحيص وتدقيق. إن التثبت ليس مجرد خلق حسن نتحلى به، بل هو ضرورة حتمية في زمن تتسارع فيه المعلومات، وتتداخل فيه الحقائق بالأوهام، والصحيح بالباطل. فالعاقل من يجعل التثبت ديدنه، والتبين منهجه، والتأكد طريقه، فلا يكون أداة لنشر الباطل، أو وسيلة لإشاعة الفتنة.
الثالثة: النميمة - داء القلوب وسم العلاقات
من أعظم الآثام التي تهدم صروح المحبة، وأكبر الجرائم التي تقوض أركان الأخوة، هي النميمة اللعينة التي تسري في المجتمعات سريان السم في العروق. وفي الحديث النبوي الشريف تحذير صارم وتهديد عظيم: "لا يدخل الجنة نمام"، وهو الذي ينقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد، فينقل ما يكدر العلاقات الطيبة، ويفسد المودات الصافية، ويزرع البغضاء والعداوات في قلوب كانت عامرة بالمحبة والوئام.
إن النمام يقوم بدور خطير ومدمر، فهو ينقل ما يدور في جلسات المجاميع الخاصة، وما يُقال في المحافل الودية، مما يسيء إلى المنقول عنه، فيهدم للمحبة بناءً شامخاً، وللإخاء حصناً منيعاً، ويزرع في قلوب الأحباب عداوة وبغضاً، بعد أن كانت عامرة بالمودة والوفاء. إن النميمة آفة خطيرة تفتك بالمجتمعات، وتقضي على روابط الأخوة، وتحول الأصدقاء إلى أعداء، والأحباب إلى متباغضين. والمؤمن الحق هو الذي يحفظ لسانه عن هذا الداء العضال، ويصون قلبه من هذا المرض الفتاك، ويجعل من نفسه جسراً للمحبة لا معولاً للهدم، وسبباً للوصل لا داعية للقطيعة. فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت، وليكن لسانه رطباً بذكر الله، وقلبه عامراً بمحبة الخير للناس، ويده ممدودة بالعطاء والإحسان، لا بالهدم والتخريب.
الرابعة: قول الجميل - فن اختيار الكلمة الطيبة
يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، واضعاً لنا منهجاً رفيعاً في اختيار الكلمات: "وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا" [الإسراء: 53]. إن هذه الآية الكريمة تضع أمامنا معياراً دقيقاً في اختيار الكلمات، فلا نكتفي بقول الحسن، بل نسعى إلى قول الأحسن، ولا نرضى بالجميل، بل نطمح إلى الأجمل.
إن علية القوم وصفوة الجمع، والنخبة المباركة من الناس، هم الذين إذا تكلموا تعقيباً أو تعبيراً، وإذا كتبوا تسطيراً أو تحبيراً، ترددوا بين عبارتين وجالوا بين أسلوبين، فاختاروا أحسنهما مظهراً، وأجملهما خبراً، وأعظمهما في نفس السامع أثراً، وأطيبهما للخاطر، وأبعدهما عن سوء التأويل والاحتمال، والتجاذب والخلاف. إن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. والكلمة الجميلة كالنسيم العليل، تنعش القلوب وتريح النفوس، وتبعث في الأرواح الأمل والتفاؤل. والعبارة الحسنة كالماء الزلال، تروي الظمآن وتنعش الذابل، وتحيي الموات من القلوب والأرواح. إن الذين يتقنون فن اختيار الكلمة الطيبة، ويحسنون انتقاء العبارة الجميلة، هم الذين لم يدعوا للشيطان في قلوبهم سبيلاً، ولم يفتحوا له في نفوسهم طريقاً، فهم يزرعون المحبة حيث يتكلمون، وينشرون الجمال حيث يكتبون، ويبثون الخير حيث يحلون.
الخامسة: حسن الخلق - تاج الكمال الإنساني
إن أعظم الناس منزلة عند الله تبارك وتعالى، وأرفعهم درجة في الدنيا والآخرة، هم أحاسنهم أخلاقاً وأكرمهم طباعاً، فالدين كله خلق، والإسلام كله أدب، والإيمان كله معاملة حسنة وسلوك قويم.
ومن طيب الدنيا وأنسها، ونعيم الجنة المعجل في هذه الحياة، أن يجد الإنسان حوله أصحاباً كراماً ينتقون أطايب الحديث كما ينتقي البستاني أجمل الزهور، ويختارون محاسن الألفاظ كما يختار الجوهري أثمن الجواهر، ويتفننون في أفانين التسطير وجودة التحبير، فيأسرون القلوب بعذوبة تعابيرهم، ويطيبون الخواطر بجمال كلماتهم، ويزرعون المسرة في خطابهم، وينثرون الطيب في حروفهم، ويفوح السمو من كلامهم كما يفوح العطر من الزهور.
إن هؤلاء الأخيار هم زينة المجالس وبهجة المحافل، وهم الذين يحولون الكلام إلى موسيقى عذبة، والحديث إلى لوحة فنية رائعة، والحوار إلى رحلة ممتعة في عالم الجمال والكمال. هم الذين يجعلون من كل لقاء عيداً، ومن كل جلسة نزهة، ومن كل حديث ذكرى جميلة تبقى في القلوب والعقول. إن حسن الخلق ليس مجرد صفة نتحلى بها، بل هو منهج حياة نسير عليه، وطريق نور نسلكه، ومنارة هداية نهتدي بها في ظلمات الحياة ومتاهاتها. والذي يتحلى بحسن الخلق يصبح كالشمس المشرقة، ينير الطريق لمن حوله، ويبدد ظلمات الحزن والهم، ويبعث الدفء في القلوب الباردة، والأمل في النفوس اليائسة.
السادسة: أمانة المجلس - حفظ الأسرار وصون الثقة
قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في حديث جامع مانع: "المجالس بالأمانة"، وفي حديث آخر يضع لنا ضابطاً دقيقاً لحفظ الأسرار: "إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة". إن هذين الحديثين الشريفين يضعان أمامنا مبدأً عظيماً من مبادئ الأخلاق الإسلامية، وهو مبدأ أمانة المجلس وحفظ الأسرار.
فمن أعظم الأمانات التي يحملها الإنسان في هذه الحياة، أمانة الحديث وسرية المجموعات، وحفظ ما يُقال في المحافل الخاصة والجلسات الودية. إن نقل عبارة لمتحدث إلى غير من كان في المجموعة خيانة عظيمة للأمانة، ونشر حديثه جناية كبيرة على الثقة، وهي من أعظم مكدرات الأخوة والأمانة، ومفسدات المكانة والديانة. إن الذي يحفظ أسرار إخوانه ويصون أمانات أصدقائه، يبني لنفسه صرحاً عالياً من الثقة والاحترام، ويضع في قلوب الناس محبة وتقديراً لا يزولان. أما الذي يفشي الأسرار وينقل الأحاديث الخاصة، فإنه يهدم جسور الثقة، ويقطع أواصر المحبة، ويصبح منبوذاً مكروهاً، لا يأمنه أحد على سر، ولا يثق به أحد في حديث. إن أمانة المجلس تتطلب من الإنسان أن يكون كالصندوق المحكم الإغلاق، يحفظ ما يُودع فيه من أسرار وأحاديث، ولا يفتح إلا لصاحبه، ولا يكشف محتواه إلا بإذنه. وهذا هو الخلق الرفيع الذي يجعل الإنسان أهلاً للثقة، جديراً بالاحترام، حقيقاً بالمحبة والتقدير.
السابعة: مراعاة المستويات - فن التعامل مع التنوع
لا يخفى على ذي لب أن لكل مقام مقالاً، ولكل حدث خطاباً، ولكل موقف أسلوباً يناسبه ويليق به. وغالب المجموعات في زماننا هذا يتنوع أصحابها تنوعاً كبيراً، وتتباين عقولهم تبايناً واضحاً، وتتشعب مسالكهم ومشاربهم تشعباً ظاهراً، فمنهم العالم والمتعلم، والكبير والصغير، والخبير والمبتدئ. إن مراعاة هذا التنوع واجبة على كل عاقل، ومداراة الناس لازمة لكل حكيم، والوقوف على أرض مشتركة تتفق فيها الفهوم وتتواطأ عليها العقول، وتتقارب فيها الآراء في حدها الأدنى، وتتناغم فيها الأجواء، وتقل فيها الأهواء والنزعات الشخصية. وفي الأثر المبارك: "أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض"، وهذا يدل على أن مداراة الناس ومراعاة أحوالهم ومستوياتهم ليست مجرد أدب اجتماعي، بل هي واجب ديني وخلق إسلامي رفيع. وكذلك قول الحكماء: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة".
إن الحكيم هو الذي يضع الكلام في موضعه المناسب، ويخاطب كل إنسان بما يفهمه ويستوعبه، ولا يحمل الناس فوق طاقتهم، ولا يكلفهم ما لا يطيقون. فهو كالطبيب الماهر الذي يصف لكل مريض الدواء المناسب لحالته، والجرعة المناسبة لقدرته على التحمل. إن مراعاة المستويات فن رفيع وعلم دقيق، يحتاج إلى حكمة وصبر، وفهم عميق لطبائع الناس ونفسياتهم. والذي يتقن هذا الفن يصبح محبوباً مقبولاً، مؤثراً نافعاً، يترك أثراً طيباً في كل من يلقاه، ويكون سبباً في هداية الناس وإرشادهم، لا في تنفيرهم وإبعادهم.
الثامنة: ترك الجدال - حكمة الصمت وفن التنازل
في الحديث النبوي الشريف وعد كريم وبشارة عظيمة: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً". إن هذا الحديث المبارك يضع أمامنا مبدأً عظيماً من مبادئ الحكمة والأخلاق الرفيعة، وهو أن كسب القلوب أولى من كسب المواقف، وأن الفوز بالمحبة أهم من الانتصار في الجدال.
وفي حديث آخر تحذير شديد من الإفراط في الجدال والمراء: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"، وهو الشديد المراء والجدال، الذي يحاج صاحبه ويخاصمه في كل صغيرة وكبيرة، ولا يترك فرصة للمجادلة إلا انتهزها، ولا موقفاً للخصومة إلا استغله. إن الحكمة تقتضي ألا نحاول الانتصار في كل الاختلافات، وألا نسعى للغلبة في كل المناقشات، فأحياناً كسب القلوب أولى من كسب المواقف، والفوز بالمحبة أهم من الانتصار في الحجة. إن الصفوة من الناس والنخبة المباركة يكرهون الخطأ ولا يكرهون المخطئ، ويبغضون المعصية ويشفقون على العاصي، ينتقدون الرأي والقول مع احترام قائله وتقدير شخصه. إن مهمة النخبة الحقيقية هي القضاء على المرض وليس على المرضى، ومحاربة الفكرة الخاطئة وليس صاحبها، وتصحيح المسار وليس تدمير السائر. هم الذين يفرقون بين الشخص وفكرته، وبين الإنسان ورأيه، فيحترمون الأول وينقدون الثاني، ويقدرون الأول ويصححون الثاني.
إن ترك الجدال ليس ضعفاً أو عجزاً، بل هو قوة وحكمة، وليس هروباً من المواجهة، بل هو اختيار للطريق الأفضل والأسلوب الأحكم. والذي يترك الجدال وهو قادر عليه، يكسب احترام الناس وتقديرهم، ويبني جسوراً من المحبة والثقة، ويصبح مرجعاً للحكمة ومنارة للهداية.
خاتمة
جنبنا الله تبارك وتعالى وإياكم الخلل في القول والعمل، وطهرنا من الزلل في الفكر والسلوك، وأرشدنا إلى صالح القول والعمل، وهدانا إلى ما يحبه ويرضاه من الأخلاق والآداب. إن هذه الكلمات المباركة التي سطرناها ليست مجرد نصائح نظرية أو إرشادات مثالية، بل هي منهج حياة ودستور عمل، وطريق نور نسير عليه في رحلة الحياة الطويلة. وهي دعوة صادقة لكل من يريد أن يكون سبباً في الخير والإصلاح، وجسراً للمحبة والوئام، ومنارة للهداية والرشاد. إن الذي يطبق هذه الآداب الرفيعة في حياته، ويجعلها منهجاً له في تعامله مع الناس، سيجد أثرها الطيب في قلوب من حوله، وسيرى بركتها في علاقاته وصداقاته، وسيلمس نتائجها الإيجابية في جميع جوانب حياته.
فلنكن جميعاً دعاة خير وإصلاح، وبناة محبة ووئام، ونشر هذه الأخلاق الفاضلة في مجتمعاتنا ومجموعاتنا، لنساهم في بناء عالم أفضل، مليء بالمحبة والتفاهم، والاحترام والتقدير المتبادل. والله نسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يبارك في أقوالنا وأعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، نافعة لعباده الصالحين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
